صحفيو الصعيد.. مطاريد صاحبة الجلالة

**التبعية والأمن يعوقان حرية الصحافة بالصعيد ونشرات المقاهي أصبحت البديل

**مؤسس لجنة استقلال الصحافة: بعض المؤسسات تعتبر الصحفي ‘‘مرمطون’’ وضياء رشوان المسئول الأول عن الإعتداء علي الصحفيين

 

المندرة: رحاب عبد النعيم

المنيا: أحمد سليمان – مصطفى خاطر

كأي صحفي يتابع عمله، ذهب أسلم فتحي، مراسل قناة (إم بي سي مصر) بالمنيا، لمعاينة أحد المنازل المنهارة بشارع المحطة، بمحور ميدان بالاس، لإعداد تقرير تلفزيوني، فإذا بضابط شرطة يمنعه من القيام بعمله، رغم إظهار الأول لهويته كمراسل للقناة، وألقاه الضابط في ‘‘البوكس’’، وعند محاولته الدفاع عن نفسه، وجد نفسه متهما في قضية اعتداء على ضابط شرطة، وبزيارة إسلام في المستشفى الجامعي بالمنيا، وجدنا آثار الضرب والتعذيب تبدو عليه، فكما روى، تعرض لـ‘‘حفلة تعذيب’’، طوال 10 ساعات متواصلة، حيث ربطوه من رجله ويده وعلقوه وأخذوا يضربوه بالشوم، وأجبروه على لعق الأرض، فضلا عن أخذ كل متعلقاته الشخصية وهواتفه ومنعه من الإتصال بأهله، أو إستقدام محامي.

 

نيابة المنيا، أمرت بإخلاء سبيل المراسل، بعد أن تم تحرير محضر مضاد وتنازل الضابط عن المحضر، وذكر مصدر طبي بمستشفي المنيا الجامعي أن الإصابات المتواجدة بجسد المراسل عبارة عن إشتباه فيما بعد الإرتجاج جراء ضربة في مؤخرة الرأس وكدمات وسحجات في مختلف أنحاء الجسم والرقبة، مضيفا أنه لم يتم إستخراج تقرير طبي حتي هذه اللحظة بسبب ضغوط أمنية أدت لقيام نقطة شرطة المستشفي بإنهاء المحضر دون النظر للتقرير.

 

حالة أسلم لم تكن الوحيدة، ولن تكن كذلك، فالصحفيين بالأقاليم، يتعرضون لأقسى أنواع التقييد والتضييق، والإعتداءات المستمرة بسبب ومن دون سبب، في ظل غياب الحماية القانونية لهم، وصعوبة حصولهم على عضوية النقابة والإمتيازات التي تمنحها، وهو ما دفع مجموعة من شباب لإطلاق حملة بعنوان (القبلية تحكم الجماعة الصحفية)، خاصة بعد أن أصبح ذكر اسم الصحيفة يعرض المحرر لمخاطر ومضايقات تصل للتعدي باليد والسلاح، وهو ما دفع ‘‘المندرة’’ إلى أن تُلقي الضوء على هذا الظلم الواقع على صحفيي ، واتخذت من المنيا نموذجا مصغرًا، نظرًا لكثرة الإعتداءات بها، وتزامنًا مع الحادث الأخير.

 

سجلت محاضر عدة، اعتداء أمناء وأفراد الشرطة على الصحفيين بالمنيا، يوم 24 ديسمبر 2012، حيث تم مصادرة هواتف الصحفيين المحمولة وأدوات التصوير، ومنهم إسلام فهمي، مراسل جريدة الوطن، ومصطفي عبيد، مراسل جريدة المساء، وحسن عبد الغفار، مراسل جريدة اليوم السابع، ومصعب الخير، مراسل موقع منياوي، وذلك أثناء تغطيتهم أحداث العنف بحي أبو هلال بين الأمن والبلطجية، والتي استشهد علي إثرها نقيب شرطة يدعي الحسن الشريف.

 

بلطجة ميري

من جانبه، روي مصطفى خاطر، مراسل ‘‘المندرة’’، أحد سيناريوهات التعدي علي أفراد المهنة، قائلا: ‘‘توجهت إلي قسم شرطة المنيا لتغطية وقفة احتجاجية لأفراد الشرطة، وفوجئت بتقدم أمين شرطة نحوي وتعدي علي بالسب، وعندما ذكرت ذلك لزميلي هاتفيا، خلع البلوفر الخاص به وقال لي: أنا هوريك وأنا مش ميري دلوقتي، وتدخّل عدد من الشباب لحمايتي، واصطحبوني إلى إحدى العمارات السكنية، قبل أن يحاول أفراد الشرطة اقتحام المبنى، وقاموا بإلقاء الطوب والزجاج عليه، عقب تصوير أحد السكان لهم، ومنعا لتفاقم الوضع اتصلت بقيادات أمنية أرسلت قوة لإخراجي وحررت محضرا ضدهم، لكن لم يُبتّ فيه حتى الآن، وهو ما سجله المحضر رقم 3465 جنح قسم المنيا’’، وذكر مصطفى المزيد من التفاصيل عن الواقعة في تدوينته التي نشرتها ‘‘المندرة’’ في 20 فبراير.

 

الاعتداءات المستمرة التي يتعرض لها الصحفيين في محافظة المنيا، دفعتهم للإجتماع والاتفاق علي إنشاء رابطة أسموها (رابطة الصحفيين والإعلاميين الأحرار بالمنيا)، وكشف الإجتماع تلقي عدد من الصحفيين اتصالات هاتفية تطالبهم بالتهدئة وعدم نشر اعتداءات الشرطة، غير أن هذا الاجتماع لم يخلُ من الخلافات، حيث وقعت مشادات بين المجتمعين، لرفض بعضهم تنظيم وقفة احتجاجية، واتهم أحدهم بتكوين علاقات مع جهات أمنية سيادية.

 

‘‘طظ في الحكومة’’

وفوجئ صحفيو المنيا خلال وقفتهم الإحتجاجية التي نظموها رفضا لسياسة القمع ضدهم، بإهانة الدكتور مصطفي عيسي، محافظ المنيا السابق، المنتمي لجماعة الإخوان المسلمين، لهم، حيث وصفهم بالجهلاء، وهو ما رفضه أعضاء الرابطة في بيانات أصدروها في هذا التوقيت.

 

وعلي الرغم من إنشاء تلك الرابطة للدفاع عن حقوق الصحفيين بالمحافظة، إلا أنها وقفت عاجزة أمام القبض علي عصام خيري، مراسل جريدة المصريون، وفتحي سعد، مراسل قناة الحدث الفضائية، عقب إعلان عزل الدكتور محمد مرسي، رئيس الجمهورية السابق، بعدما وجهت لهما تهم التحريض على العنف، واضطر حسن عبد الغفار، مراسل قناة الجزيرة وموقع اليوم السابع، لإعلان استقالته اعتراضا علي هذا الموقف.

 

ولم تتوقف الاعتداءات التي يتعرض لها الصحفيون في المنيا علي رجال الأمن فقط، ولكنها امتدت لتشمل الأهالي أيضا، حيث تعدي العاملون بفندق جراند آتون علي محمد عبادة، مراسل جريدة أخبار الحوادث وجريدة صباح الثورة الإقليمية، وأوسعوه ضربا، كما تهشمت الكاميرا الخاصة به، بسبب رصده تعديات الفندق علي نهر النيل، وقال عبادة: ‘‘قالولي بالحرف الواحد طظ فيك وفي الحكومة، ونشوف هتعملنا ايه بصحافتك؟ ..المرة الجاية هنخطفك’’.

 

السياسة التحريرية للوسيلة الإعلامية قد تكون سببا أيضا في تعرض الصحفيين للإعتداء بالضرب والسب، خاصة بعد انقسام الشارع السياسي والصحفي، حيث لم يعد يجرؤ أي مراسل لصحيفة معارضة للتيار الإسلامي التواجد في مسيرة لأنصاره، والعكس صحيح، خاصة بعد تعرض محمود عبده، مراسل جريدة مصر الجديدة، للضرب من قبل أهالي قرية دمشاو هاشم، لكون سياسة الجريدة ضد تيار الإسلام السياسي، كما تعرض (محمد.خ)، مراسل شعب مصر، للضرب المبرح واتُهم بالتجسس، أثناء تصويره مسيرة للقوي الثورية بميدان بالاس بالمنيا، لمجرد أن الجريدة مؤيدة لتيار الإسلام السياسي.

 

من منازلهم

وفي هذه الأجواء، بات صحفيو المنيا يعتمدون بشكل أساسي علي إخطارات الأمن والمحافظة وبيانات الأحزاب والمنظمات وشبكات التواصل الاجتماعي، فضلا عن أنهم يعملون بطريقة ‘‘من منازلهم’’، غير أن مجموعة تجتمع يوميا داخل إحدى المقاهي وتتبع نظام تبادل الأخبار، بينما يغيب معظم مراسلو أشهر الصحف عن تغطية معظم المسيرات والندوات والمؤتمرات بشكل ميداني.

 

وكشف عدد من الأخبار والتقارير التي بثتها أشهر الصحف والقنوات من خلال مراسلو المنيا، إرثا من الزيف والخداع والفبركة، كان أبرزها بيانات تصدر عما يسمي بحزب ‘‘المبادرة الشعبية’’ بالمنيا، والذي تبين أنه حزب وهمي، وأن مرسل تلك البيانات يقيم بألمانيا، ولا توجد أي وسيلة للإتصال المباشر به، وكذلك بالنسبة لحزب يسمي ‘‘الصعايدة’’، كما استغل أربعة محامين حالة العبث الإعلامي ودشنوا رابطة باسم (رابطة محامون مرابطون أحرار)، وأخذوا في إرسال بيانات صحفية لمراسلي الصحف.

 

لا يتوقف التضليل الإعلامي عند ذلك، بل إن مراسلي وسائل الإعلام التابعة لتيار الإسلام السياسي يعتمدون سياسة التعتيم وعدم نشر أي من الأخبار الخاصة بالتيار المدني، سواء قبل أو بعد عزل مرسي.

 

وإحقاقا للحق، لم تكن الفترة الأخيرة هي السبب الرئيسي فيما وصلت إليه السلطة الرابعة داخل المنيا، أو الأقاليم بشكل عام، حيث أصابها داء التبعية، بعد أن أسس مرشحون سابقون بالحزب الوطني المنحل صحيفتين، اختفت إحداهما لغياب التمويل، بينما اختفت الأخرى مع عزل الرئيس السابق، بعدما كان مؤسسسها قد حاول التقرب إلي حكومة الإخوان، تمهيدا لإنتخابات مجلس الشعب، واعتمدتا الصحيفتين علي نقل المواد التحريرية المنشورة بالصحف المركزية، كما دخل عدد من الحاصلين علي شهادات متوسطة (دبلوم) في بلاط صاحبة الجلالة عن طريق الصحف الإقليمية، ما تسبب في تراجع مستواها.

 

الصحفي المرمطون

من جانبه، أدان بشير العدل، مؤسس ومقرر لجنة إستقلال الصحافة، الإعتداءات التي يتعرض لها الصحفيون، سواء في القاهرة أو الأقاليم، معتبرًا ما حدث للصحفيين بالمنيا، حلقة ضمن سلسلة من الإنتهاكات المستمرة التي تتربص بالصحفيين وحرية الصحافة، لأن الصحفي عين المجتمع، وهناك الكثيرون ممن لا يريدون للناس أن يعرفوا حقائق الأمور، مؤكدا أن هناك استهداف بدني وتشريعي للصحفيين والصحافة، فالإستهداف البدني بالقبض على الصحفيين وتعذيبهم، والإعتداء عليهم، أما الإستهداف التشريعي، فيأتي ضمن القوانين المُقيّدة لحرية الصحافة.

 

وحمّل العدل، مسئولية الأحداث لطرفين، أولهما نقابة الصحفيين، حيث أشار إلى أن النقيب ضياء رشوان، هو المسئول الأول عن الدفاع عن الصحفيين، وأن النقابة تتخاذل عن الدفاع عن بعض الصحفيين لكونهم ليسوا أعضاءً بالنقابة، موضحًا أنه من هذا المنطلق، هناك مؤسسات صحفية تتعامل مع الصحفي باعتباره ‘‘مرمطون’’، طالما أنه ليس عضوًا بالنقابة، فيقوموا بإرساله لتغطية الأحداث الساخنة، والتي تزداد فيها إحتمالية حدوث إشتباكات وتعرض الصحفي للأذى، مطالبًا بأن يغطي تلك الأحداث، صحفيون من الأعضاء بالنقابة، حتى يتثنى للنقابة الدفاع عنهم في حالات الإعتداء، وإن لم تقم بذلك، فيكون من حقنا محاسبتها وإتهامها بالتقصير.

 

أما الطرف الثاني، كما ذكر مؤسس لجنة استقلال الصحافة، هو الحكومة، ممثلة في السلطة التنفيذية، ودورها في توفير الحماية اللازمة للصحفيين أثناء تأدية عملهم، واستدرك قائلًا ‘‘إلا إذا كانت هذه الجهات هي التي تقوم بالإعتداء على الصحفيين’’، وأضاف أن التشريع عاملًا فعالًا في توفير الحماية للصحفيين، وأن لجنة استقلال الصحافة، بالتنسيق مع لجنة العشرة، رفعت عددًا من المقترحات والتوصيات، للجنة الخمسين، تركز على ضمان حرية الرأي والتعبير وعدم حبس الصحفيين في قضايا النشر.

 

وأوصى بشير العدل، الصحفيين، بالتزام الحياد والموضوعية في تغطيتهم للأحداث المختلفة، وأن ينحّوا انتماءاتهم السياسية جانبًا، ويلتزموا بميثاق الشرف الإعلامي، كما أكد أن لجنة استقلال الصحافة، على أتم استعداد للتواصل مع جميع الصحفيين، سواء كانوا أعضاء أو غير أعضاء بنقابة الصحفيين، في حال تعرض أحدهم لأي نوع من أنواع المضايقات، من خلال صفحة اللجنة على موقع التواصل الإجتماعي ‘‘فيسبوك’’، موضحًا أن اللجنة، وإن كانت لا تملك إتخاذ خطوات فعّالة على أرض الواقع، إلا أنها تمثل عاملًا قويًا للضغط، ولها مداخل قوية إلى نقابة الصحفيين.

 

وتعد لجنة استقلال الصحافة، هي أول لجنة مستقلة، تراقب أداء مجلس نقابة الصحفيين، وتنفيذ قراراته، وتدافع عن استقلال الصحافة وحقوق الصحفيين، حيث أسسها بشير العدل في مارس 2011.

 

One Response to صحفيو الصعيد.. مطاريد صاحبة الجلالة

  1. Pingback: أسلم فتحي.. حق مسلوب للصحافة، أمام منصات القضاء | مرصد صحفيون ضد التعذيب

You must be logged in to post a comment Login