شيخ العرب همام.. آخر ملوك الصعيد الذي خلد ذكراه للأبد

مقام شيخ العرب همام

مقام شيخ العرب همام

المندرة: مها صلاح الدين

“الجناب الأجل والكهف الأظل الجليل المعظم والملاذ المفخم الأصيل الملكي ملجأ الفقراء والأمراء ومحط رحال الفضلاء والكبراء شيخ العرب الأمير شرف الدولة همام بن يوسف بن أحمد بن محمد بن همام بن صبيه بن سيبيه الهواري”، هكذا دائمًا ما يقولون عنه الهمامية وأبناء هوراة قبل ذكر اسمه. فهو آخر زعماء مملكة الصعيد، التي كانت القسم الثاني من مصر ليكن القسم الأول تحت سيطرة على بك الكبير، الذي فر من تحت قبضته المماليك ليلوذون بأمان ذلك الهمام.

 

رغم كل الحروب والتراحيل والسفرات هو رجل السلام، الذي رفض التوسع عن نطاق دولته والخوض في استعمار نطاقات جديدة من مصر بعدما استلم الحكم عن والده، وقرر أن يخط اسمه في سجلات العظماء بطريقة أخرى، فوضع بنية تحتية تثير الدهشة، لأساس دولة تقوم على العلم والحق والمساواة والعدل، وأخرج الصعيد من دائرة الصراعات والفتن لإشعاعات العلم والنور.

 

نشـأ همام في بيت ورث الثراء و المكانة أبًا عن جد، حيث كان ابنًا للشيخ يوسف بن الشيخ أحمد محمد همام، الذي آلت إليه زعامة قبائل الهوارة، والتي تتمتع بثراء واسع، فمنذ أن نزل الهوارة إلى الصعيد و استقروا في جرجا، امتدت سطوتهم فيها و اتسع ثرائهم، وعادة ما كان كبيرهم يقيم في فرشوط، وله نفوذ في كافة أنحاء الصعيد، وظلت لشيوخها رئاسة الصعيد والسيطرة على الحكم فيه، حتى عام 893 هـ، وكانت الأسرة الهمامية التي ينحدر منها هو على صلة طيبة بالفلاحين في الصعيد، واستطاعت بما توفر لها من عصبة قبلية قوية حمايتهم من المظالم التي كانت تلحق بنظائرهم في جميع أرجاء مصر، في حكم علي بك الكبير، وساعدهم على ذلك امتلاكهم معظم أراضي الصعيد، الذي توارثها همام عن والده وجده.

 

كانت غايته الكبرى هي حماية دولته، حينما أسس جيشًا كبيرًا بقيادة ابن عمه إسماعيل، ممزوج من فلاحين، وأعراب، ومماليك هاربين من قبضة خصمه، وأدار ذلك الجيش من قلعته الحربية بفرشوط، والتي تطالب هوارة الآن بالاعتراف بها ضمن آثار الصعيد، كما حرص على إنهاء جميع الصراعات القبلية في منطقته، للتأهب لأي هجوم مع أعدائه، فقام ببناء اقتصاد قوي، وعني بالعلم والثقافة، وهو ما أكسبه شهرته حتى الآن.

 

حرص همام على تقريب العلماء إليه، واستقطبهم نحو دولته، فكانت له علاقة وطيدة بالشيخ مرتضى الحسيني الزييدي، والشيخ سالم الحفناوي، كما وطّن العديد من شيوخ الأزهر بالقرب منه للتهدئة من الصراعات القبلية بتأثير الدين في محيطه، وعلى الرغم من ذلك لم يكن أبدًا متزمتًا دينيًا، ولم يتمسك بالعادات القبلية التي تملكت ممن حوله، إلا أنه في معظم الأحيان لم يكن ليهزمها.

 

على الرغم من الشهرة الواسعة والحب الجم الذي تمتع به شيخ العرب في محيط هوارة ومدن الصعيد، إلا أن الجميع لم ينبهر به إلا من خلال مسلسل شيخ العرب همام، الذي قام ببطولته الفنان يحيى الفخراني، في موسم رمضاني أسبق، وبالرغم من نجاح المسلسل وشهرته الواسعة، إلا أنه أثار غضب هوارة والهمامية كثيرًا، وأقاموا عليه العديد من الدعوى القضائية، وكان السبب الرئيسي في ذلك هو أنهم بالفعل كانوا قد على وشك الانتهاء من موسوعة تحمل سيرة شيخ العرب همام، يطمحون إلي تحويلها فيما بعد إلي عمل درامي، كمان أن المسلسل من وجهة نظرهم أساء لهمام ولم يثني عليه، وأخرجه بصورة “زير النساء” والمهرج، والرجل المتلهف على الإنجاب.

 

نهاية العظماء دائمًا ما تكون قاسية وغير متوقعة، فقد نجح أتباع علي بك الكبير في استقطاب إسماعيل الهواري صهر همام وابن عمومته، وكانت النتيجة في النهاية هي الخيانة من أقرب الناس إليه، وقائد جيشه، وعلى الرغم من ذلك القهر الذي يعجل بنهاية أي عظيم، لم يبال همام وتقهقر نحو النوبة ليضمد جيشه هناك، ويعاود الحرب، إلا أن القدر الإلهي كان أقوى، والتقى حتفه في الطريق إلى هناك، وحاول أبنائه الثلاثة تكملة المسيرة من بعده، ولكن كانوا أصغر سنًا ومقامًا من تلك المسئولية.

 

رحل همام في هذا الشهر عام1769م، وانقضى خلفه كل شيء، إلا قلعته ومسجد في فرشوط يحمل اسمه، وقبيلة تناثرت عناصرها في جميع أنحاء الجمهورية، تذكره دائمًا وتذكرنا دائمًا به، وتستمسك ببعضها حتى في غياهب الغربة، وترتئيه بطلًا في جميع العيون.

 

You must be logged in to post a comment Login