شجرة الدم والولي.. أساطير الصعيد وحكاية شجرة ‘‘بتبكي دم’’

قنا: رغدة مصطفى

 

**المقالات المنشورة تعبر عن رأي صاحبها فقط ولا تعبر عن رأي بوابة المندرة.

 

أتى للمدينة غريبًا، لا يعلم أن أصحابها سيجعلون منه المُخلص من عذاب الألم، المنقذ من السقم، طوى موته خبايا قصته ومفاتيح أسرارها معه، لا قول ثابت عن موطنه، ولا عن زمانه، لم يتبقى منه سوا شجرتين تبكياه دمًا بجوار ضريحه، وحكايا لمريديه والمنتفعين منه.

 

“ولي صالح” كان قولًا كافيًا لجذب الأهالى من النساء والأطفال ـ أعجزهم الفقر قبل المرض ـ ليتباركوا به للشفاء، و”شجرتا الدم” المجاورتان لضريح الشيخ “نصر الدين” بمدينة “دشنا” دليلهم على صدق المعتقد، إذ تنزف سائلًا أحمر اللون كل جمعة، شافيًا من أمراض الجسد والنفس كما يزعمون.

 

يضرب جذعها الأرض بقوة وثبات، كما تُغرس قصتها فى ذاكرة الأهالى، لا مسافة شاسعةً بين الشجرتين، تتلاقى أفرع كلاهما فتتشابكان، وتتشابك حكايا عطاياها فى النفوس، على أفرعها يتسلق الأطفال للفوز بدمائها، والتباهى بأيهم جمع الكم الأكبر، يتسابقون لهوًا وضحكًا، دون إدراك حقيقى لما تمثله للأهالى من معجزة وأمل.

 

تتراءى لهم الشجرة كأنها المسيح بن مريم، مصلوبًا دمائه تنزف، بروحه مضحيًا لمدواة البشرية، لَقبُوها بشجرة الدم كأحدى تجليات بركات المولى على وليّه الصالح، فى نزيفها شفاءُ لناس ورحمة.

 

هالة تحيط دومًا بالغريب، ومع ظهور علاماتِ للتقوى تبدو الهالة نورانية مشعة، تجذب المحيطين لا تُنَفِرهم، تميل قلوب البسطاء له، ويدفع الغموض بهم للخيال، ينسجون منه قصصًا تتماشى مع توقهم لبطلِ مُنتصر، يسمع شكواهم، يداوى مرضاهم، يقضى حوائجهم، ويهزم المتجبر ظالمهم، فينتصرون به لأنفسهم العاجزة.

 

بجوار قبره اتكأت تدعو المولى بالأفواج تأتيه من كل صوب، علّ من بينهم مقتدر كريم يُشيد ضريحًا للولي التقيّ يليق به، أعوامًا مرت على إجابة المولى ل”عطيات الجوخى” إحدى مريديه، أُقيم الضريح ومعه مسجدًا لصلاة النساء والرجال فيه، “أنا مَرَه بركة وكلامى من ربنا على طول عشان كده قِبل دُعايا” كالموقنة من حب الله تقولها.

 

رُغم اشتياقها تمنع نفسها من الانتظام فى القدوم للضريح كل جمعة ـ يوم نزيف الدم وزحام الأهالى عليه لتداوى به ـ تخشى أن يُلتصق بها وصف المنتفع لا المريد، إذ يراها البعض كوسيط ينقل بركة الولي إليهم، يَخْفِضُون لها رؤوسهم لتتلو قصارى السور القرآنية، تبادل بين الفاتحة والمعوذات فلم تحفظ سواهم ولا تجيد القراءة والكتابة، يتصادف كثيرًا أن من تقرأ لهم يحفظون أضعاف ما حفظت.

 

“بمزاااجى .. اللى أحِبُه أقراله .. هو بس يستعقدنى”، رهنت بُخبث عطيات هنا التمكن من الشفاء على الإعتقاد، أن يوقن المريض بقدرتها على نقل البركة من الولي إليهم، وبكرامات الولي ذاته، فمتى حَسُنَ إعتقاده شُفيَ الروح والجسد، لا تُجبر أحدًا على الدفع نظير قرائتها، إذ أجاد بما معه قبلته، كما لا تُلزم نفسها بالقراءة لكل من يطلب، تمتنع حين تستشعر ضيقًا منه، أو تشكيكًا بها.

 

بالدماء يغتسلون للمداواة، ومنها يشربون عقب خلطها بالماء، تقف أمام الشجرة امرأة شابة، ترفع نقابها على استحياء، وكما تضع النساء مرطب الوجه على بشرتها بنعومة، تمتد أطراف أصابعها للدماء لتلامس وجهها برقة، “هو اللى فك عقدتى .. كل جمعة أجيله أتبارك” تقولها ممتنة.

 

كثيرةٌ هى القصص التى تُروى عن قدرة الدماء على علاج أمراض الروح والجسد، هذا طفل تأخر نُطقه، وتلك فتاة تأخر زواجها، هذا رجل قعيد، أعياه شللًا أصاب ساقه، وتلك امرأة لم تتمكن من الإنجاب، وجميعهم على اختلاف قصصهم، المكررةِ نهايتها تم شفائهم وقضاء حوائجهم ب”بركة الشيخ نصر الدين”، لن يُسمعك أحد هناك عن فشل علاجه، لن يُظهر ضعف اعتقاده أو عبث المعتقد.

 

حوله تجتمع القلوب الموجوعة بشوق طال انتظاره لطفل أو زوج، وأجساد أنهكها المرض، وأنفس ضاقت استفحلت الهموم عليها، فأحكم الضيق قبضته، ليُسارع الأهل فى الإعتقاد أن هناك عقدة ما قد أصابته، يجلس “رشاد محمود” وسط هؤلاء المتأملون واثقًا، يُشار إليه بالمريد الأكثر معرفةً وبركةً، لا يحاورهم كثيرًا، غالبًا ما يكتفى بالإشارة والإيماءة، وهم يتجاذبون ثوبه للقراءة لهم أو لأطفالهم.

 

“باسم الإله الخالق الأكبر .. هو حفظ مانع مما أخاف وأحزن .. لا قدرة لمخلوق مع قدرة الخالق .. يلجمه بلجام قدرته..” بتلك الكلمات يُرتل على الرؤوس أو الشراب الممزوج بالدماء، مقتبسة من حزِب للشيخ “إبراهيم الدسوقى”، ويُكمل “أحمى حميسة .. أطمى طميسة” طلاسم لا يدرك حتى هو ـ قارئها ـ معناها، ويختتم الحزب ب”وكان الله قويًا عزيزًا”، كما يقرأ خواتم سورة البقرة، والمعوذات وآية الكرسى.

 

يبدو رشاد أكثر علمًا ظاهريًا، إذ يتبع الطريقة الخلواتية الصوفية، أخذها عن الشيخ “محمد الطيب الحسانى” الراحل، والد شيخ الأزهر، يداوم على السفر للأقصر للصلاة بساحة عائلة الطيب، يحكى منبهرًا عن نور وجه الشيخ الراحل، وكثرة عباداته وذكره، وعن مجلس العلم الذى كان أحد رواده الدائمين، ولكن متى حاورته ظهر التلعثم والتشكك فى قوله، لتنخلع حلة الثقة التى كان يرتديها أمام مرضاه.

 

يؤكد لك أن الشيخ نور الدين كان أحد المجاهدين الصحابة، الذين أتوا لفتح مصر بجيش عمر بن العاص، وحين تستشعر غرابة بأن يتماشى قوله مع ما سبق أن أخبرك به من قدوم نصر الدين للمدينة منذ مئة عام فقط، تواجهه بتناقض القولين فيرتبك أمامك، وتخرج الكلمات من فمه متقطعة، كطفل فقد قدرته على النطق يتبدل حاله.

 

تختلف أحوال المريدين والأتباع فى كيفية جذب المرضى إليهم، عمدت عطيات للصراحة بإظهار فقر علمها، بينما محبة الله سر قدرتها على الشفاء كوسيط، تبدو أخف خداعًا لكنه الأكثر حِنكةً.

 

يُهاجم دومًا أمثال عطيات ورشاد من نخبة الوطن لترويجهم لخرافات كتلك بين جموع الشعب، الفقراء والبسطاء منه خصيصًا، لا لرفضهم الخرافات ذاتها بل لسذاجتها، وعدم قدرتهم على استيعاب كيف أن مثلها يُصدق، بينما لا يجدوا ضررًا، فى الترويج هم لخرافات أكثر تغليفًا بالمنطق، واستدعاءًا للتاريخ بفنونه فى مديح الحاكم وسرد إنجازاته، وتقديم أخر للشعب على إنه المنقذ من براثن الفقر والجهل والمؤامرات لانتخابه، لا أحدٌ منهم يُخبر الشعب أن منقذهم ذاوتهم، تلك التى فيها الداء والدواء على حد سواء، وعليهم أن يبصروها ليدركوا مكمن القوة والضعف فيها، فيصحّوا لوطن بهم يعود، لا بالحاكم الفرد المستبد.

You must be logged in to post a comment Login