شبح مياه النار يطارد نساء المنيا

**الظاهرة تنتقل من العاصمة للصعيد والجناة ما زالوا مجهولين

**لجان شعبية وترقب أمني بأماكن الحوادث.. والضحايا يتركن حقهن خوفا من تقاليد

 

المنيا: ريمون ذكي

فتاة في السادسة عشر من عمرها، طالبة بالمرحلة الثانوية بالمنيا، تذهب لمدرستها يوميا متوخية الحذر والحيطة، لتحذيرات أهلها المتكررة من المتحرشين والغرباء والسيارات التي تخطف الفتيات، لانتشار ذلك في الآونة الأخيرة، لكن ما حدث لها، السبت الماضي، كان أغرب بكثير، حيث لاحظت زميلات (ح.م)، تآكل أنسجة بنطالها من الخلف، فاستوقفنها لتبين ما يحدث، لتفاجأ الفتاة بآثار سائل من مادة كاوية مرشوش على ملابسها وأسرعت متوجهة إلى منزلها.

 

في أول رد فعل للأسرة، كان التفكير في تقديم بلاغ وتحرير محضر رسمي، ولكن بعد التشاور مع عدد من الجيران والأقرباء، اكتشف ولي أمر الفتاة، أن ابنته ضحية من عشرات الضحايا لذئاب مجهولين يتتبعون السيدات والفتيات ويستخدمون ‘‘بخاخات’’ لرش مواد حارقة، أشبه بمياه النار، على ملابس النساء، دون إصابة أجسادهن مباشرة. تراجعت الأسرة عن فكرة تحرير محضر؛ خشية إحاطة الشائعات بابنتهم، أو استدعاء أجهزة الأمن والنيابة لها، وهو أمر معيب في تقاليد الصعيد، وهو ما جعلهم يرفضون الحديث الإعلامي أيضًا.

 

وكشف شريف نادي، المحامي والناشط الحقوقي، وعضو الهيئة العليا لحزب المصريين الأحرار، عن أن السيدات والفتيات بمدينة ملوي جنوب المنيا، أصبحن في حالة من الذعر والترقب، مترتبة على ظاهرة تتبع مجهول للسيدات والفتيات، ورش ماء نار على ملابسهن خلسة، عن طريق السير خلفهن والهروب بعدها.

 

أهالي المحافظة، ومسئولو بيت العائلة المصرية بالمنيا، رصدوا عددا من الوقائع المشابهة، في حين نفي مصدر أمني تحرير أي من الحالات لمحاضر رسمية، لكنه عاد وأكد أن الشرطة نشرت خدمات أمنية وأعداد من المخبرين والعناصر السرية في الأماكن التي تردد أنها شهدت تلك الوقائع؛ للتحقق من الأمر، مشددا على أن دور الأمن يمتد ليشمل الجانب الوقائي والتحرك بمجرد رصد معلومة تتردد بقوة.

 

الشيخ سامح جلال الأمين، مسئول عام بيت العائلة، والموجه بالأزهر، قال لـ‘‘للمندرة’’ إن الوقائع التي انتشرت حقيقية، وأن بيت العائلة تلقى شكاوي من نحو خمسة حالات وقعت على مدار الأسابيع الثلاث الأخيرة، وكشف الشيخ جلال عن أن الحالات لسيدات أو فتيات محتشمات، ملابسهن تبعد عن الإثارة، ولكن الفاعل استهدفهن بشكل يحمل كثير من الدهاء والمكر لدرجة أن أي منهن لم تلحظ أو تشعر بالجاني.

 

ولفت الشيخ جلال إلى أن عملية إلقاء ماء النار تتم بالاستعانة بـ‘‘بخاخة’’، لذلك لا تشعر بها الضحية، ولكن تكتشف فجأة ذوبان ملابسها وسقوط أجزاء منها، وتابع أن بيت العائلة المصرية قام بتشكيل لجان شعبية من الشباب لمراقبة شارع العرفاني، أكبر شوارع مدينة ملوي، والذي شهد الوقائع الأربع الأوائل، لمعاونة الشرطة في ضبط الفاعل المجهول.

 

أحد شهود العيان، ويدعى (عصام .ع)، صاحب محل أجهزة منزلية، أكد أنه شهد إحدى الوقائع التي حدثت قبل أسبوع بحي جنوب ملوي، حدثت لربة منزل قروية محتشمة للغاية، حيث دخلت محله واكتشفت ذوبان جزء كبير من ملابسها، فخافت واتصلت بأقاربها لإحضار ملابس بديلة لها. وفي نفس مكان المحل، حدثت واقعة أخرى مماثلة، لمعلمة أزهرية، ولفت عصام إلى أن الواقعتين كانتا في منطقة ملف عوض التي يقع بها محله وهي منطقة مزدحمة بالمارة والتجارة والمرور.

 

الجاني يهدف لإشعار الأهالي بعدم الأمان، وهي وجهة نظر المهندس عماد يحيى، عضو المجلس التنفيذي لبيت العائلة المصرية، ‘‘خاصة بعد نجاح الأمن بجنوب المنيا في ضبط الشارع’’، ودلل يحيى علي كلامه بأن الجاني المجهول يستخدم ‘‘بخاخة’’ لسكب مياه النار بحرفية شديدة وأنه غيّر مكان نشاطه عندما شعر برقابة الأمن واللجان الشعبية.

 

وفي رأي نادي عاطف شاكر، مؤسس منظمة العدل والتنمية لحقوق الإنسان، لم يستبعد أن يكون الأمر مستهدف ومنظم من قبل يد خفية، لبث الخوف في نفوس المواطنين خاصة في تلك الفترة، موضحا أن تكرار مثل هذه الوقائع هو تغييب للشعور بالأمان واستهداف للمرأة بشكل جديد من أشكال العنف، وطالب نادي الأجهزة الأمنية بالتصدي لهذه الظاهرة وكشف الفاعل والمحرض في أسرع وقت.

 

في 14 نوفمبر الماضي، شهدت العاصمة حادث مماثل لما يتعرضن له نساء المنيا، فكان يومًا لن يُمحى من ذاكرة ‘‘إسراء محمد’’، الفتاة التي شغلت قصتها الكثير من المواطنين والجماعات الحقوقية، الذين عرفوا قصتها من على موقع التواصل الاجتماعي ‘‘فيسبوك’’، حيث قالت من خلالها إنها أثناء سيرها في الشارع شعرت بأحد الأشخاص يسير خلفها، فتوقفت ظنا منها أنه يعاكسها، وعندما التفتت وجدته مُهندم المظهر، مرتديا قميص وبنطلون، ولا يزيد عمره عن أربعة عقود، ولم يبد عليه أنه بلطجي أو متحرش، وبعد أن ابتعد بمسافة عنها، نظر إليها قائلا ‘‘’أنا مش بعاكس .. بس امسحي بنطلونك’’، فنظرت ولم تجد شيئا مُلفتا.

 

تجاهلت ما قاله عندما شعرت أنها بمأمن من التحرش، وبعدها بنصف ساعة بدأت تشعر بحروق شديدة بالجزء السفلي من جسدها، وما كان منها إلا أن اتصلت بأختها وصديق لها، واضطرت دخول دورة مياه في محطة مترو محمد نجيب، فكانت المفاجأة أن مادة كاوية أُلقيت على جسمها، وشعرت بدوخة وألم شديدن، واكتشفت وجود مادة لزجة على بنطالها، ثم وصل أحد أصدقائها ومعه بعض الإسعافات الأولية، وأحضرت لها صديقتها مُسكن للألم، حتى تهدأ وتتمكن من فهم ما حدث معها، حتى اكتشفت أن ساقها مليئة بدوائر سوداء، وأن المادة جعلت جلدها يتساقط.

 

ذهبت إسراء لأحد الأطباء الذي شخصها على أنها حروق من الدرجات الأولى والثانية والثالثة مع غرغرينة في بعض أجزاء الجسم، وأخبرها أن ‘‘المادة الكاوية التي تم استخدامها تم صناعتها باحترافية شديدة، فهي لم تتسبب في حرق الملابس واخترقتها لتحرق الجسد، ومفعولها يبدأ بعد نصف ساعة، وهو ما يعنى أنها مصنوعة خصيصا لهذا الغرض، ولا يصلح معها الإسعافات الأوليّة، وتسبب درجات الحروق شديدة، مُرجحا أن تكون المادة الكاوية عبارة عن خليط من مياه النار وبُطاس وبعض المواد الكاوية.

 

إسراء ذكرت أن بعض المتخصصين الذين اهتموا بحالتها أكدوا لها أن تلك المواد يتم استيرادها من الخارج أو تركيبها لدى العطارين، ويتم ضغطها داخل علب مثل زجاجات ‘‘الاسبراي’’ لتُرَش على الضحايا.

You must be logged in to post a comment Login