أسيوط .. سيدة الصعيد الأولى

أحمد عادل (صحفي مصري)

أحمد عادل (صحفي مصري)

صورة بالقلم.. يكتبها / أحمد عادل (صحفي مصري)

 

**المقالات المنشورة تعبر عن رأي صاحبها فقط ولا تعبر عن رأي بوابة المندرة.

 

رغم أن ما قضيته فى أسيوط ساعات قليله لا تكفى لأخذ صورة كافيه عن مدينه عريقه أزوها لأول مرة الا أن دقائق قليلة تجعلك تحب هذه البلد جدا وتحب أهلها وتشعر بالألفة الى جانبهم مهما كانت خلفيتك عنهم ضبابية أو على الاقل تشعرك بالتوتر فالخوف من الشخصيه الصعيديه ووصمها دائما بالقسوة والعنف وسفك الدماء فى حوادث الثأر أو فى المشاجرات هى صورة نمطيه لابد أن تتغير.

 

أنت متأكد أن احنا فى أسيوط؟

أسيوط التى تنام فى حضن الجبل والنيل كل ليله تحتضن أناس طيبون وشباب عصرى وبنات متفتحه وعصريه لا تختلف فى زيها وأفكارها عن بنات القاهرة أو الاسكندريه بل ومتعلمات وجامعيات وخلوقات جدا وتتعامل مع الشباب بحريه لكن التقاليد الصعيديه تجعلها تتحفظ عند محاذير الاخلاق والبيئه الصعيديه ولا يوجد التزمت الذى كان موجود قديماً حتى أننى وانا فى افتتاح قصر الثقافة وبنات الفرق على اعلى مستوى من الأناقه همس زميلى المراسل فى وكالة أنباء الشرق الأوسط قائلا ” أنت متأكد أننا فى أسيوط”.

 

مدينة بلا مرور

الحياه فى مدينه أسيوط هادئه لم أر مشاجرات ولاخلافات فى الشوارع أو المقاهى مثلما نجد فى أى مدينه مصريه فالناس تتعامل مع بعض بحب وسلام وهدوء حتى فى الشوارع الرئسية لم أجد الضجروالقسوة والتلويح والتشويح مثلما تجد فى القاهرة بل الكل يتعامل باحترام وهدوء وصبر غريب بل أننى لم أجد رجال مرور فى الشوارع ووجدت الناس يتعاملون باحترام مع الاشارت الالكترونيه حتى فى الساعات المتأخرة من الليل.

 

أهلا بالفقر

الطريف أننى كنت أسكن فى دار للقوات المسلحه بها قاعات أفراح لم أجد فى الفترة التى قضيتها أى صخب أو ازعاج فى الافراح التى كنت اشاهدها فى دار القوات المسلحه مثلما أرى فى أى فرح فى أى مدينة مصرية أو حتى أهل قريه فالناس على مستوى عالى جدا من التحضر فوجئت به وأنا أقرأ عن أسيوط أنها اكثر محافظات الجمهوريه فقرا فقلت اذا كان الفقر يكسب البلاد هذا القدر من التحضر ويجعلهم على الفطره فأهلا بالفقر.

 

دعوة للحياة

أسيوط ليست فقيرة بالمعنى الحرفى للكلمة فعندها جامعة عريقة هى جامعة ” محمد على ” أو جامعة اسيوط فقد بنيت فبل الثورة وحملت هذا الاسم ولكن افتتاحها بعد الثورة حعلها تحمل اسم اسيوط وعندما عرجنا من الطرق الشرقى ( الكريمات ) الى اسيوط مررنا بمدينه اسيوط الجديدة التى تراها من بعيد كأنها الشروق أو العبور من جمال الفيلات والبنايات بها وأظن بل أتأكد أنها المستقبل لأهالى اسيوط سواء للسكم والامتداد العمرانى أو للتوسع الزراعى وسعد بمقومات المدينة التى تقف شامخة من بعيد مثل مصنع الأسمنت وممعامل تكرير بترول أسيوط وبها استاذ كبير كنت أراه فى التليفزيون عندما تقام مباريات الاهلى أو الزمالك مع فرق أسيوط وفوجئت بحجمه الكبير عندما مررت علية بالحافلة الامر يحتاج تكاتف للجهود ووضع حلول عمليه لاستغلال الطاقه البشرية الرهيبة لاهل اسيوط وكانت سعادتى كبيرة عندما مررت على قناطر أسيوط العريقه التى تعدى عمرها مئه عام وعشر سنوات وبها مشروع ضخم خلفها قال لى أهالى أسيوط أنها قناطر جديدة ومحطه كهرباء ضخمه ستقام بالقرب منها وسعدت اكثر وانا أرى منبع الترعه الابرهيميه التى شقها محمد على باشا لرى الاراضى الزراعيه غرب النيل والفيلات القديمه التى بنيت على شاطئها والتى كتب عنها يحيى حقى فى قصته ( قصه فى سجن) فى مجموعه( دماء وطين) التى وقعت أحداثها فى أسيوط ومنها قصه (البوسطجى) .

 

أكذوبة الفتنه الطائفية

اندهشت جدا وأنا أحاور رواد نادى العلوم بقصر ثقافه اسيوط وهم شباب صغير فى الاعدادى والثانوى ويقدمون اختراعات على مستوى عالى من الذكاء ووجدت ان كل طفل مسيحى شركه فى الاختراع طفل مسلم واكتشفت أن الفتنه الطائفيه اكذوبه يرددها الاعلام باستمرار الخلافات التى بين الناس محورها اسيوطى واسيوطى وليس مسلم ومسيحى فالشخصيه الصعيديه عموما تنفجر اذا مس احد كرامتها او كبريائها فهذا هو أغلب اسباب الخلافات وليس الدين فالدين الاسلامى والمسيحى فى قلب كل اسيوطى أو صعيدى أو مصرى لكن الصراعات والخلافات من أجل أرض أو قصة حب وليس بسبب الدين وأكتشفنا بعد ثورة يناير ان معظم الخلافات الطائفيه فى الصعيد عموما كانت بفعل فاعل وفعلا أكتشفت ان الاكذوبه الحقيقيه فى الصعيد عموما هى الفتنه الطائفيه.

 

نوابغ اسيوط

وأبناء أسيوط نبغوا فى كل مجال ورسموا علامه هامه فى جبين التنوير المصرى قديما وحديثا مثل عمر مكرم نقيب الاشراف فى زمن محمد على والزعيم جمال عبد الناصر ومصطفى لطفى المنفلوطى و سعيد سنبل وموسى صبرى وأحمد حسن الباقورى والمفكر سيد قطب وسمير غانم وطاهر أبو زيد وسميرة أحمد ود.حازم الببلاوى والشاعر عبد المجيد فرغل والشاعر سعد عبد الرحمن والمبدع درويش الاسيوطى والراحل محمد مستجاب ومحمود حسن اسماعيل والوزير محمد ذكى عبد المتعال والوزير احمد عثمان وظهر مها فى عهد الفاطميين الرياضى ابن يونس الصدفى الذى اخترع بندول الساعه, ولا يعلم الكثير أن أسيوط صاحبه نهضه صحفيه هامه جدا فى تاريخ الصحافة الاقليمية فمركز أبو تيج كانت تصدر به صحيفتين بين سنتى 1920 و1965 وهما ” الجن الأحمر ” و ” النادى” وكان المحرر الرئيسى فيهم الصحفى عبد الحميد النسر بل أن أول صحيفه فى الصعيد كانت تسمى “النزهه” وصدرت عام 1880 فى اسيوط وصدرت صحيفه “أسيوط” والتى اصدرها أمين خله عام 1906 واستمرت حتى عام 1965 وأصدرمحمد فهمى حسونه جريدة ” المنتظر ” بين عامى 1922 و1965.

 

المطاريد والخٌط

وكانت شهرة اسيوط تأتى دائما بالمطاريد الذين يعيشون فى الجبل الذى يطل على اسيوط ويختبئون فى مغاراته الشهيره وخرج من المطاريد “خط الصعيد” أو المجرم الذى يخرج عن سيطرة الدوله تماما ويهاجم القرى برجاله ويسرقها ويفرض الاتاوات يسمى دائما باسم المركزالذى جاء منه فهناك ” خط البدارى ” و”خط الغنايم” ولكن أشهرهم على الاطلاق عواد الذى كان يمتلك سطوة رهيبه رغم سنه الصغيرة ويفرض الاتاوات على كل أهالى اسيوط وكان ماهرا فى الهرب والاختفاء وحارت الشرطه فى أمره حتى أنها استعانت بفرق من الجيش من معسكر منقباد الشهير فى أسيوط لمطارده حتى قتل فى بيت عشيقته وسط الزراعات وهو الذى اخرج عنه المخرج الكبير صلاح أبو سيف فيلمه الشهير ” الوحش” من بطولة النجم أنور وجدى وهو الفيلم الذى صورت أحداثه كامله فى اسيوط وشهدها طفل صغير أحب انور وجدى وصمم أنه عندما ينجب سيسمى ابنه انور بسبب حبه لأنور وجدى وكان هذا الطفل هو المؤرخ الفنى الراحل وجدى الجافى.

 

عزيز باشا أباظة

وعندما قتل الخط عام 1940 عرضت الشرطة جثته على الناس ليتأكدوا من موته وحاولوا حمل جثته على عربه كارو والسير بها فى شوارع اسيوط ولكن الشاعر الكبير عزيز أباظه الذى كان مدير المديريه وقتها رفض هذا العمل الذى يتنافى مع كرامه الانسان رغم ان الخط كان يسبب لأسيوط متاعب كبيرة وله شخصياً الا أن للأنسانيه اعتبارات اخرى وعزيز اباظه هو أهم من حكم اسيوط وكان له دورا بارزا فى نهضتها المعماريه خاصه الفيلات والقصور على ترعه الابراهيميه وتخطيط عصرى للشوارع والاهتمام بالرى وروت لى ابنته عفاف اباظه ان ثورة يوليو لم تقترب كثيرا من أملاك الأسرة الاباظيه بفضل عزيز باشا والذى كان ضباط الثورة يعرفونه جيدا ويجلسون معه اثناء خدمتهم فى منقباد وعلى رأسهم جمال عبد الناصر ويعرفون وطنيته وثقافته ودورة التنويرى الذى كان يلعبه فى الحياة الثقافيه قبل السياسيه فى اسيوط واحتضانه لشباب الضباط فردوا له الجميل بعد الثورة. وقد كتب أشهر قصيدة له هى “همسه حائرة ” فى اسيوط وتعرف على زوجته الثانيه السيدة أمينه اسماعيل صدقى ابنه رئيس الوزراء فى اسيوط أثناء زيارتها لها فى اطار حمله جمعيه ” مبرة محمد على” التى كانت عضوه فيها لمعالجه الكوليرا التى تفشت فى الصعيد .

 

صورة أسيوط عند يحيى حقى

من يريد أن يعرف الصعيد أكثر وأسيوط تحديدا يعود الى كتاب الرائع الفريد فى عصره يحيى حقى ” دماء وطين” والذى تضمن قصه البسطجى التى تحولت الى فيلم سينمائى تم تصويره فى اسيوط فى الستينات واحداثه كانت فى النخيله ويقرأ كتابه الأروع ” خليها على الله ” الذى يرصد فيه اسيوط فى العشرينات عندما كان معاونا للادارة فى منفلوط ويرى كيف كانت الحياة فى هذا الزمن.

 

أسيوط سيدة الصعيد

كل ما كتبته تذكرته وأنا فى اسيوط ومعلومات أخذتها من أبناء هذه المدينه الطيبون وأعتذرعن السهو أو الخطأ أو تكون المعلومات التى اوردتها بها بعض الخطأ أو النقص لأن ما شعرت به فى اسيوط لم اشعربه فى اى مكان أخر فأسيوط بلا شك سيدة الصعيد الأولى.

 

One Response to أسيوط .. سيدة الصعيد الأولى

  1. زياد عادل 6:28 مساءً, 17 أكتوبر, 2013 at 6:28 مساءً

    انت كداب السيدة الاولى للصعيد هى سوهاج

You must be logged in to post a comment Login