سياحة النيل.. ذهبيات وفنادق العهد الذهبي بقيادة توماس كوك

خدمات شركة توماس كوك وابنه السياحية

خدمات شركة توماس كوك وابنه السياحية

 

**القرن 19 شهد طفرة في بناء الفنادق على الطراز الأوروبي

**”بريستول” و”سافوي” و”سانت جيمس” و”فيكتوريا” و”ويندسور”.. فنادق حملت أسماء إنجليزية تأثرا بموطن السياح

**”ونتر بالاس” الأشهر في الأقصر و”كاتاراكت” في أسوان.. وأجاثا كريستي وهوارد كارتر وأغاخان أبرز ضيوف المدينتين

 

المندرة: حنان سليمان

ربما لا تعرف أن الإنجليزي “توماس كوك” هو أول من وضع حجر أساس السياحة الأوروبية في مصر بتنظيم رحلات وبناء فنادق ليس في القاهرة فحسب بل أيضا في الإسكندرية والأقصر وأسوان وبورسعيد والإسماعيلية والسويس. في القرن التاسع عشر، وتحديدا بعد 1890، شهدت مصر طفرة في بناء الفنادق بعد أن فتح كوك مكتبا لشركته توماس كوك وابنه Thomas Cook & Son في فندق شبرد بوسط العاصمة عام 1873، وكان قبلها بثلاث سنوات قد فاز بإدارة أسطول بواخر للحكومة المصرية بين القاهرة وأسوان.

 

فنادق مصر الأثرية.. رحلة ثرية في تاريخ السياحة في المحروسة جمعها الكاتب الإنجليزي أندرو هامفريز في كتابه “فنادق مصر الكبرى.. داخل العصر الذهبي للسفر” الذي صدر عن الجامعة الأمريكية بالقاهرة في 2011. كان أول عهد لهامفريز بمصر عام 1988 حين قدم إليها من انجلترا وفتن بها فقرر ألا يعود لبلده وعمل من مصر مع عدة صحف منها “وول ستريت جورنال” و”ناشونال جيوجرافيك” قبل أن يشارك في تأسيس جريدة “كايرو تايمز” الإنجليزية الرائدة في 1997 بشراكة مع الناشر المصري هشام قاسم.

 

غلاف الكتاب

غلاف الكتاب

 

يوضح الكتاب في المقدمة أن مصر شهدت تغيرا كبيرا في حركة الأجانب إليها ومعظمهم إنجليز في القرن التاسع عشر ليزيد عددهم كثيرا في آخره. وفق تقدير لوسي داف جوردون، الكاتبة الإنجليزية التي عاشت وماتت في الأقصر، فإن عدد البواخر القادمة للأقصر زاد بعد 1860 إلى 70-120 مقارنة بخمسة أو ستة فقط بعد 1830.

 

وتختلف أسباب قدوم الأجانب إلى مصر، كما يشير الكتاب، فمنهم كتاب يبحثون عن الإلهام الأدبي وفنانون يبحثون عن موضوعات وباحثون قدموا للوقوف على بقايا الآثار وجمع ورق البردي، بالإضافة إلى حكام استعماريين كانوا في طريقهم إلى الهند ومستكشفين كانوا يقصدون أفريقيا ودبلوماسيين وتجار وباحثين عن عمل خارج أوطانهم وآخرون جاءوا بحثا عن جو مشمس. شاهد بالصور كيف رأي الرحالة الأوروبيون الصعيد في القرن التاسع عشر هنا في مجموعة من الصور حصلت عليها “المندرة” من مكتبة الكونجرس الأمريكي. وفي سبتمبر 1873، جاءت الإنجليزية إميليا ادواردز في رحلة مع صديقتها إلى مصر بحثا عن شمس دافئة بعد شهر ممطر بفرنسا. لم يكن غريبا أن تسافر سيدتان إنجليزيتان في العصر الفيكتوري وحدهما إلى مصر لكن في هذا الوقت كانت عجائب النيل مثار إعجاب كبير ضمن نقاشات لندن ونيويورك وباريس.

 

أندرو هامفريز

أندرو هامفريز

 

يقول هامفريز إن الإنجليز أتوا إلى مصر سائحين وأصحاب بيزنس كبير في السياحة وهو ما انعكس على أسماء الفنادق مثل بريستول وسافوي وسانت جيمس وفيكتوريا وويندسور. كانت هذه الفنادق أشبه بقطع أوروبية على أرض مصرية، تعيش فيها كأنك في دولة أوروبية فأفضل المطاعم والبارات وصالات الرقص والحفلات كلها تعبر عن نمط حياة أوروبي والمطابخ بأكلاتها الفرنسية والكحوليات المستوردة والخدمة مقدمة من جرسونات مرتدين قفازات بيضاء. تقرأ جريدة التايمز البريطانية ويصاحبك أثاث إيطالي ويمرضك أطباء وممرضات أوروبيات وفي الليل، فرق موسيقية تعزف أغاني أمريكية راقصة. كان الوافدون يصلون للإسكندرية ثم ينتقلون للقاهرة ثم يبحرون في النيل لأسوان بالذهبيات التي كانت تستغرق رحلتها قرابة شهرين ثم البواخر. لم تختفِ الذهبيات تماما بظهور البواخر لكنها أصبحت اختيار الأثرياء ممن يبحثون عن الاسترخاء ورحلات الرفاهية حتى أن بعضهم كان يصطحب الجاموس على متن الذهبية لشرب اللبن طازجا. لكن اليوم، ضاق الحال وتوقفت الذهبيات عن الإبحار. اعرف المزيد هنا.

 

المراكب الأنجلو أمريكية - أرشيف توماس كوك

المراكب الأنجلو أمريكية – أرشيف توماس كوك

 

إحدى الذهبيات مغلقة بعد توقف حركة السياحة

إحدى الذهبيات مغلقة بعد توقف حركة السياحة

 

توماس كوك

بدافع حب الكنيسة وكرهه للكحوليات، بدأ توماس كوك في 1841 تنظيم رحلات للعمال الإنجليز للاستمتاع بوقتهم بعيدا عن الشرب. اهتم بأدق التفاصيل من حجز الإقامة للمرشد السياحي للبرنامج اليومي. نجحت الفكرة وامتدت من انجلترا إلى اسكتلندا وفرنسا وألمانيا وإيطاليا. أول زيارة لمصر كانت جزءا من رحلة إلى القدس في 1869، نظم بعدها في العام نفسه رحلة لعشرة أشخاص إلى مصر لحضور افتتاح قناة السويس وبعدها أصبحت مصر جزءا رئيسيا في برنامج كوك للرحلات بل وأصبحت هي الرحلة الأكثر ربحا لشركته. لم يقتصر حب مصر على كوك بل أيضا أحبها ابنه جون ماسون وأخذ على عاتقه تنمية بيزنس العائلة فيها.

 

من مكتبة المؤلف

من مكتبة المؤلف

 

طوال ثلاثة عقود، ظل كوك يستثمر في البنية التحتية لصناعة السياحة وحده تقريبا، كما كان يسوق للسفر إلى مصر باعتبارها منتجع الشتاء المتميز لسكان المناطق الباردة وكان صاحب الفضل في الشهرة الكبيرة للأقصر في الخارج.

 

في 1877، افتتح كوك أول فندق لكوك وابنه في العالم واختار الأقصر ليكون بها وأسماه “فندق الأقصر” بالقرب من معبد الأقصر ليتمكن السياح من المكوث في الأقصر والرحيل يوما آخر. كان التصميم مصريا مع قاعات الدخان والبلياردو وغرف تغيير الملابس. وكان الفندق في حديقة كبيرة بها النخيل وأشجار أخرى. أخذ الفندق في التوسع في عدد الغرف حتى بات يتسع 120 شخصا، لكن الأعداد كانت في ازدياد فظهر فندق الكرنك المملوك لكوك أيضا ثم انضم لهم جراند أوتيل لشركة Gaze & Son التي كانت في فترة ما المنافس الرئيسي لكوك في سياحة النيل قبل أن تعلن إفلاسها. في بداية القرن العشرين، ظهر أيضا فندق سافوي.

 

بوسترات رحلات توماس كوك لمصر

بوسترات رحلات توماس كوك لمصر

 

ونجحت شركة كوك وابنه في زيادة أعداد السياح من 500 في 1873 إلى 11 ألف في شتاء 1889-1890. وفي نهاية القرن كان لشركته شبه احتكار على سياحة النيل. وبعد وصول البواخر للأقصر بسنوات قليلة، افتتح مكتب بريد في الأقصر يديره متحدث جيد للإنجليزية وتواجد قنصل إنجليزي وبنيت كنيسة إنجليزية ووجد قسيس إنجليزي بالإضافة إلى ملعب تنس ونوادي جولف ورياضة وبار وحلاق. وفي 1898، بات هناك رحلة منتظمة بالقطار من القاهرة إلى الأقصر.

 

ونتر بالاس

ربما كان “ونتر بالاس” هو أشهر فندق في العالم في يناير 1923 حين تم اكتشاف مقبرة توت عنخ آمون على يد هوارد كارتر، عالم الآثار الإنجليزي، كأهم اكتشاف أثري حاز اهتمام واسع من الجمهور ووضع الأقصر على خريطة السياحة في العالم حتى بات الأمريكيون أيضا في نيويورك يتحدثون عن المدينة. وتوجه الكثيرون للأقصر لمتابعة الحدث وكان في قلبه.. ونتر بالاس. بني الفندق في يناير 1907 في ظل وجود الفنادق الثلاثة الأخرى لكن حجمهم كان متواضعا ليس فيهم ما يقارن بشبرد القاهرة أو كاتاراكت أسوان فجاء ونتر بالاس ليضع بصمته بعدد غرف يزيد عن المائة. صممه المعماري ليون شتاينون الذي شغل منصب القنصل العام الهولندي في الإسكندرية. وفي 1994، أنفق مليون دولار على ترميم ونتر بالاس لتستعيد 102 غرفة شكلها الأصلي.

 

ونتر بالاس

ونتر بالاس

 

من بين ضيوف الأقصر كانت أجاثا كريستي، الكاتبة الإنجليزية الشهيرة، وزوجها العالم الأثري ماكس مالوان اللذان جاءا للمدينة في 1933. بعدها بأربع سنوات، نشرت “عرابة القتل” روايتها الثانية والعشرين بعنوان “موت على النيل” التي تدور أحداثها في حول نيل مصر وأيضا بداخل فندق كتاراكت الذي ورد اسمه في الرواية. كانت الزيارة الأولى لكريستي إلى مصر وهي في فترة المراهقة عام 1910 ووقعت في حب مصر. عادت إليها بعدها بعشرين عاما ثم في 1933 مع زوجها الثاني.

 

ونتر بالاس

ونتر بالاس

 

المنافسة تخلق كاتاراكت

كان الوضع مختلفا في أسوان عن الأقصر، فلم يكن السياح كثيرون حتى امتدت القطارات إلى هناك في 1898 لتسهيل انتقال القوات البريطانية إلى السودان للحرب. وبدأ الإنجليز أعمال بناء في أسوان جاذبين مهندسين وإداريين وتناقلوا جمال المدينة فيما بينهم حتى أصبحت منتجعا شتويا للخروج في نزهات نيلية على اليخوت ولعب التنس والجولف وركوب الخيل.

 

وكان فندق أسوان الذي بناه فرديناند باجنون وعهد إليه بإدارته من قبل كوك في 1892 بجانب النيل هو الفندق الأول في المدينة، فقبل انشائه كان من يريد المكوث في أسوان يذهب إلى باخرة راسية كفندق عائم يملكها كوك. تغير فندق باجنون إلى جراند أوتيل أسوان ثم إلى جراند أوتيل. وفي 1899، توسع الفندق ليسع السياح المتزايدين من الولايات المتحدة تحديدا، فمنذ بدء موسم 1896، دخلت شركة الأنجلو أمريكان لملاحة النيل في منافسة مع توماس كوك وابنه على بيزنس النايل كروز، وبدأت هي الأخرى في بناء فنادقها الخاصة مثل فندق سافوي في أسوان على جزيرة الفنتين، فرد كوك وباجنون ببناء كاتاراكت أسوان وأوكلوا تصميمه إلى الإنجليزي هنري فافارجر. في السبعينيات، هدم فندق سافوي واستبدل بعد ذلك بفندق موفنبيك الذي حل محله.

 

كاتاراكت أسوان

كاتاراكت أسوان

 

ضم كاتاراكت أسوان في بدايته 120 غرفة غالبيتهم يطل على النيل وفيه مكتبة وغرف القهوة وبار وبلياردو مخصص للرجال فقط. وفي 1900، أضيفت 40 غرفة إضافية وفي 1902 ولاستيعاب الأعداد المتزايدة تم بناء طابق ثالث يضم 60 غرفة ليصبح عدد الغرف 220 إجمالا. وفي الليل كانت هناك حفلات على الجسور وحفلات موسيقية وفي الصباح، تنتظر الحمير السياح لتوصيلهم للمعابد، كما كان هناك سباق للجمال وللحمير من فترة لأخرى.

 

فندق كاتاراكت أسوان

فندق كاتاراكت أسوان

 

أشهر ضيوف أسوان كان محمد شاه أغاخان، الإمام الثاني والأربعين للطائفة الإسماعيلية، والذي تستقر مقبرته فوق هضبة من الجهة الغربية للمدينة في جزيرة وسط النيل معبرة عن قصة حب لا تموت على نيل أسوان. اقرأ عن مقبرة أغاخان.

 

مقبرة أغاخان

مقبرة أغاخان

 

وتظل مدينتا الأقصر وأسوان اختيار مشاهير العالم للحظات فريدة فيختارون لها مكانًا مميزًا بالفطرة، خُلق ليكون جاذبًا لكل عين، ومُطمئِنًا لكل نفس. اعرف من زار الأقصر وأسوان من مشاهير العالم هنا.

 

**اسم الكتاب باللغة الإنجليزية: Grand Hotels of Egypt.. In the Golden Age of Travel

 


موضوعات ذات صلة

You must be logged in to post a comment Login