من الولاء للخديوي إلى مهادنة الإنجليز تأرجح “علي يوسف”

الشيخ علي يوسف

الشيخ علي يوسف

**ترك الأزهر واتجه للصحافة.. وكانت “المؤيد” منبره الذي تركه قبل شهور من الوفاة

**خلفيته الدينية لم تنفِ ليبراليته.. والخديو عباس اعتبره “ساحر الشباب”

 

المندرة: هدير حسن

في مذكراته التي حملت عنوان “عهدي”، قال الخديو عباس حلمي الثاني عن صاحب “المؤيد”: “كنت أرغب أن تكون هناك جريدة قادرة على تنوير الأمة وقيادتها والسير بها شيئا فشيئا إلى فكرة أكثر وضوحا عن الوطن والمواطن. ولذلك فإنني إستدعيت كاتبًا عربيًا. وكان البعض قد أشاروا علي بحسن استعداده ومميزاته وهو “الشيخ علي يوسف” وكان قد تخرج من الأزهر ويشتهر بقوته على المناقشة. وكان الشيخ “علي يوسف” من الصعيد ويعرف عقلية وأماني أبناء شعبه.. وسرعان ما أصبحت (المؤيد) إحدى الصحف الرئيسية باللغة العربية، وكان لها قراؤها من طنجة حتى الهند ومن تركيا حتى زنجبار”.

 

مَنْ كان يعنيه الخديو عباس حلمي الثاني، هو الشيخ علي بن أحمد بن يوسف، أحد أبناء سوهاج، حيث ولد في قرية بلصفورة عام 1863، الذي عاش يتيمًا بعد أن توفي والده وهو ما زال صغيرًا، واصطحبته والدته وارتحلت إلى أسيوط، حيث نشأتها الأولى، وهناك تلقى علوم الدين على يد الشيخ حسن الهواري، وفور إتمامه التاسعة عشر من عمره شد رحاله إلى القاهرة، ليلتحق بالأزهر الشريف، الذي لم يلبث فيه كثيرًا.

 

“المؤيد”.. منبر الشيخ

ترك الشيخ علي يوسف الأزهر، بعد أن استهواه الشعر ونظم القصائد، فأصدر أول ديوان شعري له وأسماه “نسيم السحر”، واتجه للصحافة، وبدأها بكتابة المقالات، وإرسالها إلى الصحف المصرية في ذلك الوقت، إلى أن حان وقت أولى خطواته تجاه الصحافة، فأصدر مجلة “الآداب الأسبوعية”، التي لاقت رواجًا كبيرًا، وقتها، ولكن وقفت الإمكانيات المادية الضعيفة حائلًا دون استكمالها، فأغلقها وقرر أن يصدر صحيفة آخرى، وكانت تحتاج إلى 100 جنيه، لتظهر للنور، فأقرضه الشيخ أحمد ماضي 50 جنيهًا منها، واستطاع بهم الشيخ علي أن يُخرج العدد الأول لصحيفته “المؤيد” في الأول من ديسمبر عام 1889، وكان يرى أنها مؤيدة من الله.

 

وبعد نفاذ الخمسين جنيهًا لاح في أفق الشيخ علي شبح إغلاق الجريدة والتعرض للإفلاس، لولا قيام سعد زغلول بأقراضه خمسين جنيخًا آخرى، مما ساهم في استمرار صدور الجريدة، وكانت “المؤيد” تستكتب عددًا من رجال السياسة والأدب، منهم” الشيخ محمد عبده، وسعد زغلول، وقاسم أمين، والمنفلوطي، ومصطفى كامل، وحافظ إبراهيم، كما كانت سياساتها واضحة في مواجهة الاحتلال الإنجليزي، ومساندة الخديوي، في مواجهة جريدة “المقطم” الموالية للإنجليز.

 

وفور ظهور سياسة الوفاق بين الخديو عباس حلمي الثاني، وسلطات الاحتلال حتى اتجهت “المؤيد” إلى مهادنة الإنجليز، حتى إن الشيخ علي تم استضافته من قبل الإنجليز في لندن عام 1904، وعاد بعد زيارتها لها مؤمنًا بضرورة الحفاظ على صداقة الإنجليز، وقال جملته الشهيرة، التي حيرت الكثيرين، “لو أن لوندرة كعبة السياسيين المصريين”.

 

وكان على الرغم من خلفيته الأزهرية، وسعيه إلى تحقيق حلم الخلافة يستم بسعة الأفق، فقد قال عنه الخديو عباس حلمي الثاني في مذكراته: “ولم يكن تعليمه الديني ليؤثر إلا قليلا للغاية على اتجاهاته، التي كانت ليبرالية بنوع خاص، ولم يخضع لإغراء الاتجاه العربي وبريقه. والواقع أن الشيخ علي يوسف لم يكن أبدا رجل تركيا، فمع أنه في بعض الأحيان قد أيد الخلافة إلا أنه لم يكن يعني بها سلطان إسطنبول، وإنما يعني بها خليفة المسلمين. وإن هذا الشيخ كان مصريا قبل كل شيء. والحق أن الاتجاه الوطني لعلي يوسف قد سحر الشباب بالفعل”.

 

وعلى مدى 60 يومًا قام الشيخ علي يوسف، عبر صفحات المؤيد، بنشر كتاب قاسم أمين “تحرير المرأة” عام 1899، وكان الشيخ علي يعتبر “المؤيد” منبر أفكاره، فمن خلالها نادى بوجوب وجود جامعة للدول العربية، وأعلن قيام حزب الإصلاح على المبادئ الدستورية، وكان أول حزب يدعو إلى أن يكون التعليم باللغة العربية، ويعلن معارضته لمشروع مد امتياز قناة السويس، على الرغم من تأييده للخديوي، وكان البعض يعتبر هذا الحزب مهادنة للإنجليز، ويعتبر سياساته خروج عن الحركة الوطنية. وظلت “المؤيد” سلاح الشيخ علي يوسف حتى 6 مارس 1913، أي قبل وفاته بشهور قليلة، حيث توفي في 25 أكتوبر 1913.

 

زواج مثير

وكان لزواجه قصة مثيرة شغلت الأوساط الاجتماعية والسياسية لفترة، فقد حول الشيخ علي مكتبه إلى منتدى فكري وسياسي وأدبي، وكان يتردد عليه كبار رجال السياسة والأدب والدين، وكان من بينهم الشيخ السيد عبد الخالق السادات، عميد عائلة الوفائية، الذي ينتهي نسبه إلى الحسن بن الإمام علي، وفي إحدى زياراته اصطحب ابنته،”صفية” التي أُعجب بها الشيخ علي يوسف، وتقدم لخطبتها من والدها، رغم فارق السن الكبير بينهما، حيث كانت في الرابعة عشر من عمرها، بينما هو في السابعة والثلاثين، وقبض السادات المهر من الشيخ علي، ولكنه ظل يماطل في إتمام الزواج لأربع سنوات، وبعدها أعلن رفضه لإتمام هذه الزيجة، بحجة أن الشيخ علي لا أصل له، وإن مهنة الصحافة يعمل بها “كل من هب ودب”، مما جعل الشيخ علي لا يستسلم لهذا الرفض، وقرر أن يتواصل مع “صفية” عن طريق الخدم، وأقنعها بأن تأتيه ليهربا سويًا، وهو ما فعلته حيث ذهبت إليه معصوبة العينين، وعقد قرانه عليها عام 1904.

 

وهنا ثارت ثورة الشيخ السادات، الذي توجه إلى نيابة عابدين متهمًا الشيخ علي بالتغرير بابنته، ولكن النيابة حفظت البلاغ بعد ما تبين لها أن “صفية” ليست قاصرًا، فقرر أن يلجا الشيخ السادات إلى المحكمة الشرعية، ليرفع دعوى ضد الشيخ علي، طالبًا فسخ عقد زواجه من ابنته، وكانت تلك القضية مثار جدل في أوساط الصحافة، ومادة للجرائد، وأمر وقتها الشيخ أبو خطوة، القاضي الشرعي، بفصل الزوجين لحين انتهاء الدعوى، ولكن رفضت “صفية” الإذعان للأمر، مما جعل الشيخ أبو خطوة يتمسك بقراره ويُضرب عن العمل، وهو ما أدى إلى تدخل وزير العدل وشيخ الأزهر لإقناع القاضي بالعدول عن رأيه، وفي النهاية حكمت المحكمة ببطلان الزواج، وبعد عدة أسابيع من هذا الحكم شعر الشيخ السادات أن كرامته ردت إليه، فوافق على تزويج ابنته “صفية” للشيخ علي بعقد زواج جديد.

 

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *