سوريون ينتقلون للصعيد ويحلمون بالعودة للوطن

**الأمين السابق لـ”الحرية والعدالة” يرعى السوريين في

 

**فنادق الفيوم وسوهاج تستقبل الوافدين وشيوخ يزوجون السوريات في سمالوط

 

الجيزة: هدير حسن

الفيوم: ولاء كيلاني

المنيا: رشا علي

سوهاج: شيماء دراز

جاءوا من حيث الدم والدمار في كل مكان، حيث القتل أسهل الوسائل للتخلص من الاختلاف دونما اعتبار للآدمية، ودون احترام للإنسانية، جاءوا من حيث ولد حلم بتحقيق الحرية، ولكنه أصبح صراعاً وحرباً أهلية، إنهم أهل سوريا، التي يموت المئات من أطفالها وشبابها يومياً، على أيدي نظام واجه نداءاتهم بالكرامة والحرية، بالدبابات والرصاص، فقرر من تبقى من الشعب السوري، أن يرحل ويأتي في وقت آخر، ليحلوا بذلك ضيوفاً في الكثير من البلدان العربية.

 

المتوقع أن تراهم كثيرا في عواصم البلدان العربية، لكننا وجدنا الكثيرين منهم في جنوب مصر، منتشرين في محافظات المختلفة، يشاركون في معارض “صنع في سوريا” التي تقام في أنحاء المحروسة من الشمال إلى الجنوب، ويفتتحون مطاعم ومحلات للحلويات الشامية، تقرأ عنها في لافتات بالشارع وعلى صفحات الفيسبوك.

 

في مدينة البدرشين، جنوب الجيزة، التقينا بإبراهيم، صاحب محل حلويات سورية، الذي جاء لمصر لطيبة أهلها كما يقول، وللبدرشين التي قدم أهلها المساعدة له ولأبناء بلده. جاء إبراهيم وشقيقته وأولادها إلى البدرشين، منذ حوالي سبعة أشهر، وكان أحد أقاربهم يقطن بقرية العزيزية، وهو من دلهم على البدرشين ليأتوا إليها، وأوضح إبراهيم “الأهالي كان بدهم يساعدونا بأي أشي، حتى هادا المحل فتحه الأهالي، وأنا بديره لأنه ما معي مصاري”، وكان أحد أهالي البدرشين قد قام بفتح محل الحلويات السورية بماله الخاص، ليعمل به إبراهيم ويستطيع أن ينفق على أهله.

 

عرض إبراهيم أنواع الحلويات السورية التي يصنعها، من “النابلسية إلى النامور والبرازق، والأسية والمبرومة”، حيث كان يعمل ببلده حلواني بعد أن حصل على “البكالوريا”، وهي شهادة تعادل الثانوية العامة في مصر، وتمنى أن يعود إلى بلده فور أن ينتصر الثوار.

 

ويؤكد أهالي المنطقة أن الدكتور إسلام عيد القمبشاوي، الأمين السابق لحزب الحرية والعدالة بالبدرشين، هو أحد الذين تكفل بالسوريين ووفر لهم أماكن للسكن، وبعدها حاولوا أن يتأقلموا مع الحياة الجديدة، فكونوا صدقات وتآلفوا مع الجيران.

 

أم أنور.. سيدة سورية أتت مع اثنين من أولادها هم علي وأنور، وكل منهما يملك من الأولاد ثلاثة. يحكي ابنها على، الذي يعمل بأحد محلات المفروشات بالبدرشين، “الناس بمصر متعاونين كتير وكويسين، بس سوريا ما عاد فيها أمان، وزوجتي حامل ومنشان هيك جينا لأنه ما في دكاترة”.

 

ويقدر الأمين العام السابق لحزب الحرية والعدالة بالبدرشين، أحوال وأعداد أهل سوريا، قائلاً “عددهم تقريباً 20 أسرة، وجاءوا للبدرشين لأن أسعار الشقق فيها أقل من مناطق تانية مثل العمرانية”، وأوضح القمبشاوي أن أمانة الحزب بالبدرشين تخصص لجنة مسئولة عن ملف السوريين، وتجمع لهم التبرعات ولديها كشف كامل بأسمائهم، وأوضح القمبشاوي سبب اهتمام الحزب بقضية اللاجئين السوريين، “لأننا عندنا قناعة إن اتحاد الشعب المصري والشعب السوري يغير الاثنين للأفضل، خاصة أننا نملك رؤية واضحة للمستقبل، ونوع من التضامن مع معاناة السوريين أمام النظام المستبد، ولأن قضية سوريا بالذات تواجه إهمال من الدول العربية”.

 

وفي الفيوم، قضت “المندرة” يوماً مع أسرة سورية قدمت إلى المحافظة، وتركت رب الأسرة بسوريا، لأنه منتمي للجيش الحر ويعمل طبيب أسنان، فانتمى للفريق الطبي لمعالجة الجرحى والمصابين بسوريا، حيث حكت زوجته أم محمد، أنها جاءت من مدينة سراقب التابعة لمحافظة أدلب السورية شمال دمشق، وأنها سكنت بمركز سنورس بالفيوم لأنها وجدت رجل من أهل الخير منحها بيته لمدة أربعة أشهر، وبعد هذه المدة طلب منهم صاحب البيت إيجارا له.

 

ويتكون المنزل الذي تعيش فيه أم محمد مع والدتها ووالدة زوجها، وأولادها الأربعة ” خيري، 13 سنة، ومحمد 9 سنوات، وخديجة 7 سنوات، ماريا، 4 سنوات”، من غرفتين وصالة، وتدفع له إيجاراً شهريا الآن قيمته 250 جنيه.

 

تعيش الأسرة في الفيوم على المساعدات، فهناك جمعية خيرية تعطيهم 200 جنيه شهريا، وجمعية أخرى تعطيهم مائة جنيه، إلى جانب أحد المشايخ الذي يصرف لكل السوريين كيلو لحمة، وزيت وكيلو أرز أسبوعيا.

 

وقال محمد سعد، أب لأسرة سورية أخرى تعيش بالفيوم، إنه جاء وأسرته إلى الفيوم، ومنحتهم إحدى الجمعيات الخيرية شقة ليسكنوا فيها، وحصل سعد على فرصة عمل في إحدى المصانع، ودخل أولاده المدارس بالفيوم، وأشار إلى أنه سعيد بالحياة في مصر “على الأقل حياة مستقرة ولكن أنا أحيا على أمل العودة في يوما ما”.

 

ويعد فندق بالاس بوسط الفيوم، الفندق الوحيد بالمحافظة الذي يقدم تخفيضات للسوريين تصل إلى 30%، مساهمة منه في مساعدتهم، وعند نزول أي أسرة سورية إلى الفيوم يدلهم الأهالي على الفندق، ويأتوا له مباشرة، وفي بداية توافدهم بعد الثورة، كانت تتواجد عائلات كثيرة دفعة واحدة فيصل عددهم إلى الثماني عائلات بأولادهم وزوجاتهم، أي يتعدى عددهم الخمسين فردا، ويبقون لمدة طويلة تصل لشهور داخل الفندق، ولكن الآن قل عددهم بالفندق، حيث بدأت مؤسسات أخرى تهتم بهم من بداية مجيئهم، فيتواجد الآن عائلتان فقط بالفندق.

 

ويترك صاحب الفندق المطبخ للنساء السوريات، إن طلبن ذلك، ليقومن بطبخ الأكلات السورية بأنفسهن، رغم أن ذلك يسبب ضوضاء وإزعاج بالمطبخ وللنزلاء أحيانا، ولكنه يتركهن، حتى لا يشعرن بالغربة.

 

وتعد جمعية رسالة بالفيوم أكبر جمعية خيرية مساعدة للسوريين، فمنذ بدء توافد الشعب السوري على مصر، خصصت الجمعية قسما للمساعدات السورية، تأتي إليه يوميا عائلات تطلب المساعدة. وتكون المساعدات في شكل أجهزة كهربائية، أو بطاطين، وشنط غذائية، وأساس منزلي لمساعدتهم في تأثيث بيوتهم، وكذلك خصصت الجمعية قسم خاص لتقديم دروس تقوية في كل المواد، حتى يجتاز الأولاد الدراسة والمناهج الدراسية. وفي حدود ميزانية الجمعية القائمة على التبرعات، قدمت الجمعية حتى الآن مساعدات لـ91 فردا، مقسمين على 15 أسرة، وتزداد الأعداد يوميا.

 

أما عن المساعدات التي تقدمها نقابة الأطباء بالمحافظة للسوريين، فإن قسم الإغاثة داخل النقابة قام بإنشاء قسم خاص للمساعدات لهم بالنقابة، منذ بدء توافد السوريين على مصر، وأغلب المساعدات تتمثل في تقديم السكن، حيث تستأجر النقابة مجموعة من الشقق في الفيوم لمدة عامين، بمبلغ متفق علية مع المالك، وتقوم بمنحها لأي أسرة سورية، وتمضى معها عقد سكن لمدة سنة، دون مقابل.

 

وفي المنيا، توجد أماكن مخصصة للسوريين، منها مسجدي صلاح الدين، والفتح بالمحافظة، حيث يوجد دار للمغتربات السيدات والفتيات، وتقدم جمعية الشبان المسلمين بالمنيا مساعدات مادية للأسر السورية.

 

ويشتهر البعض بتزويج السوريات بمصريين بالمنيا منهم الشيخ محمد معروف، وتشتهر أماكن معينة بذلك، منها قرى إطسا البلد وإطسا المحطة والحتاحتة، التابعين لمركز سمالوط، وقرية العباسية بمركز مغاغة، لكن تظل النسبة محدودة.

 

ويرجع البعض انخفاض هذه النسبة لعدة أسباب، منها اشتراط بعض السيدات السوريات أن يكون المولود سوري الجنسية إذا كان ولدا، وإذا كانت بنتا تكون مصرية الجنسية، وكذلك أخذ السورية مبلغ خمسمائة جنيه كمقدم، وتسجيل 30 ألف جنيه بعقد الزوج، وضرورة توافر مسكن، وغالبا ما يتم الزوج بمراكز الشرطة.

 

أما في سوهاج، فينتشر السوريون في أماكن عديدة، منها ميدان العارف، والقيسارية، وميدان الشهيد، وارتبط وجودهم بالجمعية الشرعية، بعدما كثر الحديث عن زواج المصريين من السوريات من خلال الجمعية الشرعية ودفع خمسمائة جنيه فقط مهر، مع كتابة مؤخر كبير. ونفى أحد المسئولين بالجمعية الشرعية، رفض ذكر اسمه، قيام الجمعية بتزويج السوريات، مشددا على أن ذلك مجرد شائعات، وأن دور الجمعية يقتصر على توزيع مساعدات للسورين من أهل الخير.

 

ويتواجد معظم السورين بسوهاج بفندقي “أبو الوفا” و”النيل”، كما يتوجه الأثرياء منهم لفندق الصفا، وكانت إقامتهم بالفنادق مجانية في البداية، كما يقول مسئولي فندق أبو الوفا، ولكن بعد تزايد أعدادهم، تم تحديد اليوم بخمسين جنيها بالفندق، وزادت في الفترة الأخيرة لستين أو سبعين جنيها، وفقا لحالة كل أسرة.

 

ولفت المسئول بالفندق إلى أن الأطفال السوريين أصبح كل طعامهم “الإندومي” ولا يجدون غيره، وأن معظمهم يذهب للتسول ولكن منهم من لدية عزة نفس ويعمل، فهم يمتهنوا حرفة تركيب الأسنان، ومنهم من يذهب للقاهرة ومحافظات وجه بحري هم محترفي التجميل.

 

إحدى السيدات السوريات، في الثلاثين من عمرها، تحمل طفلا رضيعا ويتبعها طفلان صغيران، رفضت ذكر اسمها، قالت لـ”المندرة” إنهم تركوا سوريا لاستحالة العيش بها، وسيعودون إليها إذا استقرت الأوضاع، وأشارت إلى أنهم كانوا في الإسكندرية، لدى أقارب لهم، وانتقلوا للصعيد، ظنا منهم أن المعيشة به أرحم من الإسكندرية، ولكنهم وجدوا أن المعيشة صعبة بكل مكان.

 

عنفها زوجها عند دخوله فلم تكمل حديثها،واعتذرت عن استكمال حديثها، وقال الزوج “لا علاقة لنا بما يحدث بسوريا ونحن على باب الله، ولا ننتمي لأي حزب”، مطالباً بعدم إدخالهم في هذه الخلافات. وعندما تأكد أنه لا علاقة لنا بسوريا ولسنا من وزارة الخارجية، بدأ الحديث، معلنا أن الخارجية حذرتهم من الحديث للصحافة، ورفض ذكر اسمه أو نشر صورة له، معللا ذلك بخوفه من بشار الأسد، رغم البعد بينهم، مضيفا “لا نستطيع الحديث عنه، افرض الوضع رجع زى الأول مش هيسيبنا وهينتقم منا، فنحن لا نعرف شئ عما يستطيع أن يفعله، الإيد اللي متقدرش عليها بوسها وادعى ربنا يقطعها”.

 

يعمل الزوج بصنعة تركيب الأسنان وهي صنعة ورثها عن أجداده، فهو يتقنها، رغم أنه حاملا لبكالوريوس تجارة، ويتمنى أن يعود إلى بيته مرة أخرى.

 

وأضاف آخر، رفض أيضاً ذكر اسمه، أنه اختار سوهاج لأن الصعيد طبيعته قريبة من طبيعة سوريا، ويعمل بمصنع زجاج بسوهاج، ولكنه يحمل ليسانس حقوق، وعبر عن رفضه لنظرات الشفقة بالعيون، فهم بشر اضطرتهم ظروف مؤقتة لترك بلادهم وسيعودون إليها عندما يتوقف إطلاق النيران.

 

وغضب من الحديث عن زواج المصريين من السوريات، قائلا هذه ظروف مؤقتة، فلا تعنى ترك بناتنا هنا، وأضاف مبتسما “يعنى بنات سوريا هيسيبوا شباب الشام اللي زى الورد وشباب تركيا، ويتزوجوا مصرين شيء لا يعقله عقل”.

 

وقرر أحد الشباب السورين، رفض ذكر اسمه، السفر لأي بلد آخر رغم أن إقامته في سوهاج لم تتعد الأسبوع، فهو دارس للطب بسوريا، ولم يجد سوى عامل نظافة أمام مجموعة محلات فقرر السفر.

 

وعبر السوريون عن استيائهم من عدم قبول المصالح الحكومية لهم، وروى أحدهم قصة زوجة سورية وضعت طفلة بسوهاج، عندما داهمتها آلام الوضع وتوجهوا إلى المستشفى التعليمي فجرا، فلم يجدوا طبيبا، فتوجهوا لإحدى المستشفيات الخاصة، والتي رفضت إصدار شهادة ميلاد للطفلة لأنها ليست مصرية، وفور إجراء الوضع أخرجوا الأم والطفلة من المستشفى، بعد اخذ مائة جنيه، غير مكترثين بحالتها الصحية ليجد الأب نفسه حائرا.

 

وعن عمل بعضهم بالمعارض السورية المنتشرة بمحافظات مصر، أكدوا أنها تعاون بين المحافظة وبعض الشركات السورية، وليست متاحة للجميع. وأجمع السوريون على حلمهم بالعودة إلى بلادهم مرة أخرى، مؤكدين أنهم فضلوا الصعيد لكرم أهله وسعيهم لعمل الخير.

 

One Response to سوريون ينتقلون للصعيد ويحلمون بالعودة للوطن

  1. فاطمة 12:46 مساءً, 18 مايو, 2013 at 12:46 مساءً

    مجهود رائع

You must be logged in to post a comment Login