“سنة في قنا”.. رحلة شاب من رفاهية القاهرة إلى جَلَد الصعيد

كتاب سنة في قنا ومؤلفته هديل غنيم

كتاب سنة في قنا ومؤلفته هديل غنيم

 

**كتاب يحكي عن فتى في الثالثة عشر ينتقل كارها من مدرسته الخاصة وبيته الحديث وثقافة “المول والنادي” إلى قرية صغيرة يعيش مع جدته وخاله العاملين بالزراعة

 

المندرة: ءآلاء علي

“مستحيل! أترك غرفتي ومدرستي وأصحابي والنادي سنة كاملة وأعيش في الصعيد؟!” هكذا بدأت هديل غنيم كتابها مسجلة دفتر اليوميات على لسان الفتى البالغ من العمر 13 سنة التي قضاها في مدينة القاهرة بين المدرسة الخاصة والنادي والمول والشقة الحديثة التي يسكنها مع أسرته الصغيرة إلى أن ينتقل فجأة إلى منزل جدته التي من الصعب إقناعها بترك منزلها بالقرية والمجئ إلى القاهرة لتعيش مع ابنتها وزوجها وأبنائهما.

 

يستسلم الفتى لأمر الأم ويذهب إلى جدته في قرية صغيرة بقنا بصحبة أمه وأخته دينا “إذاً لا مفر. سأواجه مصيري في الصعيد وأمري لله” ليقضي هذه السنة في المذاكرة فهو في الصف الثاني الإعدادي و”يتحمل هذه السنة” حتى يكافئه والده بالكمبيوتر الذي يحلم به. سنة في قنا يمضيها تمشي بالتقويم القبطي، لكل شهر مثله الشعبي الذي تقوله الجدة للفتى.

 

صدمة الوصول

لحظة الوصول إلى الصعيد وصفتها الكاتبة الشابة بأنها كانت صدمة للفتى وأخته دينا والتي لاحظتها الأم ونصحتهما بألا يفكرا في السنة المتبقية. ومع هذا، يشغل بالهما المدرسة الجديدة والغرف المشتركة مع أبناء خالهم فكل شئ في قنا حتى الحمام يثير في نفوسهم القلق. العلاج الوحيد في نظر الأم كان مباراة لكرة القدم أمام البيت تتبعها وجبة غداء دسمة. تعبر الكاتبة هنا عن شخصية المرأة الصعيدية العجوز فالجدة هنا رغم مرضها وعدم حركتها، قوية يحترمها الجميع حتى الخال الذي وصفته الكاتبة بـ”المخيف” إلى جانب خفة ظلها.

 

تذكر الكاتبة أن رأس السنة القبطية تبدأ بشهر “توت” حيث الري ويرجع تسميته بهذا الاسم إلى “تحوت” إله الحساب والفلك والعلم عند القدماء المصريين وكيف أن “دينا” سألت لماذا عليهم اتباع السنة القبطية والتقويم الفرعوني وهم مسلمون، لترد الأم بأنه هو نفس التقويم الذي يتبعه الفلاح المصري في تقسيم السنة الزراعية لأنه أدق ويصف حال النيل والفصول الأربعة. وعلى الرغم من وجود السد العالي واختفاء الفيضان إلا أن المناخ لم يختلف كثيراً. يندهش الفتى من ذكاء جدته رقية ومعلومات أمه عن المواسم الزراعية واستبشر بسنة أفضل وقال:”توت يقول للقلق موت”. يصف الفتى نفسه بالزرعة التي خلعوها من القاهرة وزرعوها من جديد في قنا.

 

وبعد مرور شهر يتذكر الفتى أنه لم يكتب شيئا بل وأنه نسى حالة الحزن والقلق التي كانت أصابته مع بداية السنة الدراسية، ويضيف أنه لم يكن “الحريف” الوحيد في الكرة فهناك من هم “أحرف” منه في الفصل وفي الجوار. ومع هذا يساعد الأطفال في الزراعة فهم يعملون يوميا مع أهلهم إلى جانب واجباتهم الدراسية. يقول الفتى:”لم أتخيل نفسي أبدا من المرفهين، ولكن بالمقارنة في الحياة هنا أنا فعلا محظوظ”.

 

أفكار تقفز إلى المخيلة

“تذكرت كلام علي، هل كان يقصد التلميح إلى عدم قيامي بالمساعدة مثله؟ شكلي أصبح مخجلاً، وأنا أتصرف كما السائح أو كما الأطفال الصغار”. يقرر الفتى أن يثبت وجوده في البيت وأنه ليس “ولد خرع” بطريقة تناسبه بعيداً عن “الجلّة”، فيدبر صفقة مع أحد أصدقاءه تنتهي بسخرية خاله وجدته، فقد تصرف دون فهم، ولم يكن يعرف أن البقرة في الصعيد تحرث الأرض أفضل من الجرار الذي يجعل التربة متماسكة أكثر من اللازم ولا يمر في الأركان الضيقة وبالتالي تكون النتيجة محصولا أفضل، فضلا عن أن وقود البقرة أرخص من الجرار وليس لها قطع غيار مثل الجرار الذي يعتمد عليه في المساحات الأكبر.

 

وتأتي فكرة أخرى إلى الفتى فمحصول الطماطم على وشك الانتهاء ولا يوجد عدد من الفلاحين كافٍ للحصاد، فيقترح دعوة أصدقائه من القاهرة لقضاء أجازة منتصف العام معهم في المنزل في قنا من ناحية والمساعدة في حصاد المحصول من ناحية أخرى. يوافق الخال على هذه الفكرة غير المكلفة. وعند وصولهم، يفاجأ الفتى بمقابلة جدته وخاله لأصدقائه “الضيوف” دون فرض أي قيود من تقاليد الصعيد عليهم، بل كان كرم الضيافة والمرونة في المعاملة هو ما ينتظرهم. تمر الأجازة بعد زيارات متعددة للمعابد مثل معبد “دندرة”، وبعدها يبدأ الفتى بكتابة تدوينات متعددة عن تأثير الصعيد في حياته حتى في أبسط الأشياء مثل النوم والاستيقاظ المبكر حتى في أيام الإجازة، أصوات الضفادع التي تزيد في الربيع مع اقتراب موعد ميلاد البقرة الجديدة وكيف استقبلت الحيوانات في الحظيرة المولود الجديد أبو سريع بطريقتهم المختلفة في الصياح، ذكرياته عن أكل الفايش والعيش الشمسي وزراعة الكركديه وجمع الطماطم وأيضا حضور المولد.

 

يجلس الفتى على سطح البيت يدون أحداث آخر شهر قضاه، حيث شهر فيضان النيل “مسرى”، ويقرأ ما كتبه من سنة، فيلمس تغيرا طرأ عليه وأفكاره عن هذه البقعة من أرض مصر، تماما كما قال له والده حول أن هذه السنة سوف تؤثر فيه. لا يخفي سعادته لأنه عائد إلى القاهرة ولكن شيئا في نفسه قد تغير فحتى مشاعر السعادة مختلفة عما كان يتوقعها من قبل. اللافت أنه وضع لنفسه خطة للحياة في القاهرة تتضمن أعمالا زراعية فهو لن يتوقف عن الزراعة التي تعلمها في صعيد مصر.

 


موضوعات ذات صلة

You must be logged in to post a comment Login