“سجن النسا” بالمنيا وأسيوط في كتاب: شذوذ.. أمراض.. وألوان من التعذيب

صحفية خلف القضبان للكاتبة ندا محمد علي - كاميرا رشا علي

صحفية خلف القضبان للكاتبة ندا محمد علي – كاميرا رشا علي

**كتاب يكشف تعرض سجين للتعذيب والركل والضرب بـ “الشوم” لسرقته 20 رغيفا

**الكاتبة الصحفية واصفة سجن أسيوط: أسلاك شائكة.. لحوم تشبه لحوم الحمير.. وخطابات غرامية بين السجناء

**أحد تقاريرها بعنوان: “فضحية المحافظ الذي يهدر الأموال على عرائس حوامل في حفل زفاف جامعي”

 

المنيا: رشا علي

“أمانة عليكي لما تخرجي ابقي اكتبي عن العذاب اللي احنا عايشين فيه.. يمكن حد يحس بينا”، كلمات ذكرتها إحدى المسجونات للكاتبة الصحفية ندا محمد علي داخل سجن النسا بالمنيا. لم تخيب ندا ظنها وكتبت كتابا صدر منذ أسابيع عن دار ليان للنشر والتوزيع بعنوان “صحفية خلف القضبان”. ندا محمد علي هي بنت المنيا، عروس الصعيد، ولدت في مركز ملوي، ولديها من العمر 44 عاما. قضت المحكمة قبل عدة سنوات بحبسها ثلاثة أعوام بتهمة الاختلاس وتحديدا في عام 2009، وخرجت عقب ثورة الخامس والعشرين من يناير، بعد أن قضت 3/4 المدة. التهمة؟ لفقها لها أحد المسئولين بعد كشفها لفساده في أحد موضوعاتها الصحفية، حسب وصفها.

 

ورصدت الكاتبة بعينيها كل ما حدث طوال فترة تواجدها بالسجن، والتي لم يسمح لها خلالها بتدوين ما تراها أو الإمساك بالورقة والقلم، ليمر عامين ويخرج بعدهما كتاب “صحفية خلف القضبان” ليكشف واقع “سجن النسا”، وتحديدا في ثلاثة سجون بالصعيد وهم: “سجن المنيا العمومي، سجن أبو قرقاص المركزي، وسجن أسيوط العمومي”.

 

اقرأ أيضا حوار “المندرة” مع الكاتبة ندا محمد علي مؤلفة “صحفية خلف القضبان” هنا.

 

بدايتي

ولدت ندا لأسرة بها عدد كبير من الأبناء بملوي, وتكونت من 3 أولاد و5 بنات، لأب بسيط رأس ماله شرفه وكفاحه في الحياة، ووالدتها التي واصلت الكفاح مع والدها في الحياة بـ “حلوها ومرها”. وتربت محمد على يد أسرة مفعمة بالحب، ومر العمر وتزوج أخواتها، ورحل الوالد الذي لم يتمكن من مشاهدة نجاح ابنته التي قررت السفر إلى القاهرة للعمل، وشهدت الأم نجاحها وعملها بجريدتي صوت الأمة والفجر، أشهر صحف المعارضة كما رأتها، حيث كانت تراسلهم من المنيا. وفرحت والدتها كثيرا بعملها وكانت سعادتها لا توصف عند كتابة أول عمل باسم ابنتها، ثم كونت ندا جمعية أهلية تحمل عنوان “البيئة والجمال”، لتمد يد المساعدة للفقراء.

 

تناولت ندا خلال عملها بالصحف العديد من ملفات الفساد المدعمة بالمستندات، ومنها أنها رصدت في تقرير لها تقاعس المحافظة بعد وقوع حادث مرير عند سقوط حافلة تحمل 100 شخص في مياه النيل مما أدي إلى وفاة أغلبهم ونجاة القليل.

 

وبدأت رحلة معاناة مؤلفة الكتاب عندما أصدر محافظ المنيا قرارا بمنح الجمعيات الأهلية قروضا بفائدة 7%، وهو حلم تتمناه الجمعيات ومنها جمعية “البيئة والجمال” التي أسستها الكاتبة لخدمة أهالي القرى. وحصلت الجمعية على مبلغ 250 ألف جنيها، وتم اختيار القرية وتوزيع المبلغ على أصحاب المشروعات الصغيرة الذين يقومون فيما بعد برد هذه المبالغ للجمعية لتقوم بتسديد الفوائد، ولكن تقاعس المقرضون عن تسديد 100 ألف جنيها بتحريض من المسئول الكبير الذي نشرت فضائحه وفساده، حسب وصفها.

 

واستدعت النيابة ندا في 16 مايو 2009 والتي أمرت عقب التحقيق معها بإلقاء القبض عليها، ومن وقتها لم تر النور ثانية إلا بعد خروجها لحسن السير والسلوك عقب انتهاء ¾ المدة.

 

المؤامرة

وأوضحت الصحفية في كتابها، أن جميع الضباط عاملوها معاملة سيئة جدا بسبب تدخل المسئول الكبير الذي قامت بفضح أفعاله بالتحريض عليها، وعقب خروج قرار الحبس تعرضت لحالة شديدة من الإغماء، ونقلت للغرفة المجاورة لحجز الرجال، حيث استمعت للصرخات المدوية لهم إثر تعرضهم للتعذيب الوحشي والركل والضرب بـ “الشوم” على يد الضباط وأمناء الشرطة بأبي قرقاص، بجانب كم لا نهائي من الألفاظ البذيئة، حتى إنها سألت السجان عن الجريمة التي ارتكبها هؤلاء ليتعرضوا لهذا التعذيب فأجابها أمين الشرطة أن المعذب “سرق 20 رغيف عيش”.

 

وكتبت ندا خلال فترة بقاءها في السجن أربعة مقالات عن التعذيب الذي تعرضت له, من خلال التواصل مع محمد الباز، الكاتب الصحفي، بالهاتف المحمول الذي قامت بدسه في الحمام حتى لا يكشف أمرها. وكانت المقالات تصل للنور من خلال ابنة أختها التي كانت تخفيها مع الوجبات.

 

محاولة انتحار

وعقب المرور بهذا اللحظات، قررت الكاتبة اللجوء إلى الانتحار ولكنها أنقذت في اللحظات الأخيرة على يد الطيبب الذي طلب نقلها إلى المستشفي بسبب ضربات القلب السريعة والانهيار العصبي الذي مرت به، ولكن لم يستمع المسئولون بالقسم إلى الطبيب وقاموا بتفتيش غرفتها، وتعرضت لحالة إغماء شديدة وعقب رجوعها إلى وعيها أضربت عن الطعام فأعادوا لها حقيبتها وملابسها وأدويتها.

 

وبعد أيام من الحالة الصحية التي تعرضت لها مؤلفة الكتاب، كتب محمد الباز مقالا عن ما تعرضت له وما رأته من مشاهد تعذيب، فكان رد السجان على ذلك هو وضع القيود في يدها لمدة يوم، ومنع دخول الطعام لها أو دخولها الحمام، وبعدها سمح بدخول الأكل وكانت تتناول الطعام عن طريق النوم على معدتها، ثم التوقف لمضغ الطعام، وبعد فترة اكتشفوا أمر الهاتف المحمول فتم سحبه منها وتعريضها للعقوبة، ولكنها استطاعت الحصول على هاتف آخر من خلال أحد العساكر.

 

سجن بلا محاكمة

وقبل عيد الفطر عام 2009، نقلت ندا إلى “سجن النسا” دون أن يصدر ضدها أي حكم, وشرحت ما شهدته في عربة الترحيلات ووجود 10 مساجين معها، منهم من يبتلع أمواس الحلاقة، وآخرين وجوههم مصابة بحروق عميقة وتسيل دمائهم، والباقي يأخذ “برشام الصراصير”، مبررين ذلك بأن ما يعترضون له في سجن المنيا من التعذيب هو الدافع لذلك، وأن السجن اذا رآهم بهذه الحالة سيرجعهم للقسم مرة أخرى. وكانت كلمة السجانة هي أول كلمة سمعتها عقب لقائها بالضابط حيث قالت لها: “فتحي عينك معايا وانتي هترتاحي”, فأعطت لها 50 جنيها وتركتها دون تفتيش، وشرحت لحظة استقبال المساجين لها بكلمة “الإيراد الجديد”.

 

أما مأمور سجن المنيا في هذه الفترة فأطلقت عليه لقب “الثعبان الأقرع”، فقد كان يحمل بيده عصا سوداء، وطلبت السجانة منها عدم الرد عليه اذا أرادت أن تبقى على قيد الحياة.

 

إعدام كريمة

طلبت ندا من المأمور سجنها بعيدا عن زنزانة “الساقطات” فذهبت إلى “زنزانة” مع فتيات السرقة بالإكراه, وتحدث عن رؤيتها لأول حالة إعدام وهي سيدة تدعى “كريمة” قتلت طفلة ضربت ابنتها. وبدأ الإعدام في تمام الساعة الـ 5 فجرا وسط حالة من الرعب الشديد وصرخات مدوية، ورفع للرايات السوداء.

 

المؤامرة مستمرة

وفي آخر سبتمبر 2009، حاولت الوصول إلى حل ودفع المخالصة للمحافظة وإنهاء الأمر، ولكنها فوجئت بصدور الحكم ضدها رغم معرفة القاضي بمن يمارسون الرذيلة مع بعضهم داخل السجون. وعندما توجهت لمأمور السجن لم يتخذ أي أجراء ضدهما، وأكد أنه تم نقلهم من سجن القناطر لنفس الفعل، كنوع من التأديب. وعن الفرق بين المحكوم عليهم بالإعدام في السجن وحقيقة ما يعرض في التليفزيون، أكدت على أن الفرق كبير وأن النساء المحكوم عليهن بالإعدام يمارسن الرذيلة، ويأكلن بشراهة ويرسمن الوشم ويضعن “المكياج” غير مباليات بقرار الإعدام.

 

وتحدثت عن لون جديد من العذاب استخدمه معهن “الثعبان الأقرع”، كما أسمته، حيث قرر معاقبة سيدة على وجود هاتف محمول بحوزتها ومعها الباقيات بفتح طفاية الحريق الضخمة والمياه بقوة في وجوههن واستخدام العصا الكهربائية.

 

وكونت الكاتبة علاقة مع مسجونة تدعى “توحة” حكم عليها بـ 10 سنوات, حيث عانت “توحة” من المرض الشديد. وعندما توجهت إلى الممرضة لإسعافها وجدوها تضع “المكياج”، وتتزين بلا مبالاة ورفضت دخولهم للطيب. وأضافت بكتابها: “استمر ألمها فترات طويلة دون مساعدة، وكنا نراها تموت يوميا، وعندما اشتد الألم قررت إدارة السجن نقلها إلى المستشفى ولكنها توفت في سيارة الإسعاف”.

 

قضت الكاتبة 9 أشهر بسجن المنيا وبعدها نقلت إلى أسيوط، حيث رويت لها العديد من السيدات أنهن قد تعرضن لمحاولات الاغتصاب أو الاعتداء خلال ترحيلهن فطلبت من اللواء حمايتها وضمن لها ذلك، وطلب من العساكر ضرب النار على أي مسجون يقرب منها.

 

في سجن أسيوط

وصفت الكاتبة في كتابها، السجن والأسلاك الشائكة حوله، والجنود المدججون بالسلاح وأبراج المراقبة العالية ووجوه النساء الشاحبة، وشرحت أنه مكون من 3 طوابق، وأنه رغم انقطاع المياه بداخله لـ 3 أيام والأكل غير الآدمي واللحوم التي تشبه لحوم الحمير ولا تدري بأي مكان ذبحت أو من أي مكان أتت إلا أنه أهون عليها من سجن المنيا.

 

وذكرت الكاتبة في صفحات كتابها التي اختلطت بصفحات حياتها، أن في سجن أسيوط هناك سور يفصل سجن النساء عن الرجال، ويقوم العساكر بدور ساعي البريد لنقل الخطابات الغرامية بين المساجين والمسجونات مقابل مبالغ مالية أو أشياء أخري يطلبها من المسجونات، وذكرت أن الرجال ابتكروا طريقة جديدة خاصة المحكوم عليهم بالمؤبد لحمل السيدة، وذلك من خلال نقل السائل المنوي بـ “سرنجة” ملفوفة بقماش أسود، واختيار الرجل للسيدة من خلال رؤيتها بالزيارات التي تجمع المساجين مع ذويهم، حيث يشاهدون بعضهم وبعدها يراسلها من خلال الخطابات وبعدها “السرنجة”.

 

وتحدثت عن علاقة الضابط والمسجونات، مشيرة أيضا إلى الفاكس الذي أرسله حبيب العادلي عقب مقال نشرته في 2 يونيو 2010، سأل فيه عن تعرضها للتعذيب داخل “سجن النسا” بالمنيا.

 

المحافظ الظالم

وتناولت العديد من التقارير التي رصدتها ضد المحافظ في تلك الفترة تحت عنوان “بالمستندات وقائع فساد تلميذ حبيب العدلي”، فضحية المحافظ الذي يهدر الأموال على عرائس حوامل في حفل زفاف جامعي، حسبما جاء بالكتاب.

 

واختتمت الكاتبة كتابها بأن المحافظة ليست ملكا لأحد، وأن هناك العديد من الأبرياء داخل السجون، وتحدثت عن حلمها الضائع بالوصول إلى نقابة الصحفيين، ليعبر هذا الكتاب عن السابقة الأولى لها التي قضت على حلمها, وشملت نهاية الكتاب إهداء ندا الكتاب إلى روح والدتها التي وفاتها المنية حسرة على ابنتها المدللة القابعة خلف القضبان بدون ذنب.

You must be logged in to post a comment Login