زيارة الأضرحة عادة أهل سوهاج لـ‘‘كرامات’’ لا يراها سواهم

سوهاج: شيماء دراز

اتخاذ العظة وتذكر الآخرة أو زيارة حبيب أو قريب فارق الدنيا، فنريد أن نشعر بقربه، هي الأسباب الشائعة والمنطقية لزيارة المقابر، أما عندما يتحول الهدف من الزيارة إلى التبرك بالقبر واعتباره ضريحا يقام له مقام، فإن الحديث هنا يختلف تمامًا من كل النواحي، حيث تأخذ شكلًا آخر بعيد عن الدين والأعراف، لكنه منتشر بصعيد مصر، وخاصة بسوهاج. وفي ذلك الأمر، السبب زاد العجب، حيث يزعم زوار تلك المقامات، أن أصحابها ‘‘لهم كرامات’’.

 

لا يحتاج الأمر سوى غرفة تُبنى لها قبة، ثم يقال ‘‘هذا ضريح الشيخ فلان’’، سواء كان مدفونًا بالمكان نفسه أو لا، ويقف أحد الأفراد حارسا أو راعيا للمكان، ينظم الزيارات للضريح ويأخذ النفحات من الزائرين مقابل جعل الشيخ راضيًا عنهم، كما يزعمون، ويدعو لهم الشيخ ليكون وسيطا بينهم وبين المولى عز وجل.

 

تختلف أسباب زيارة الأضرحة والأولياء، ما بين فك سحر، أو البحث عن الإنجاب، أو تأخر الزواج، أو إيفاء نذر، أو الدعاء بأمنية يراد تحقيقها، والأكثر انتشارًا بينهم هو السعي وراء الإنجاب والزواج.

 

في نجع الشيخ عطا، نجد الناس قد التفوا حول حجرة كتب عليها ‘‘مقام الشيخ عطا’’، طالبين منة البركة، بعد أن يأخذ منهم راعي الضريح بركته هو أيضًا، سواء مبالغ مادية أو أشياء أخرى ذات قيمة، ورغم أن المكان على اسم الشيخ عطا، إلا أنة لا تُعرف للشيخ بلدًا، فقط هي روايات من الكثيرين حول كراماته، ولا دليل على صحتها.

 

بقرية إدفا غرب سوهاج، هناك مقام للإمام علي زين العابدين، هكذا سُمي المقام، باسم الشيخ الذي صُنع له المقام، فالبعض أكد أنة الإمام علي زين العابدين بن الحسين بن علي بن أبى طالب، والبعض ينفي ذلك، ولا يوجد دليل للنفي أو الإثبات، وقد أقيم المقام بعد تمهيد الجزء الغربي من البلدة، حيث كان فيما قبل تبة عالية تم إزالتها وتسويتها وسُميت الآن ‘‘شارع الشباب’’.

 

نُقل المقام بعد التمهيد، وبُني في مكانه الحالي، ونفت وزارة الأوقاف معرفتها بالضريح، رغم استمرار ترديد أنه للإمام علي بن الحسين رضي الله عنه.

 

على مقربة من الضريح المزعوم للإمام علي، يقع ضريح الشيخ عبد الكريم، الإبن الأصغر للإمام العارف بالله، حيث كان يقام له مولد سنوي، يأتي الكثيرون لإحيائه، مثل مولد أبيه الإمام العارف بالله، أحد معالم محافظة سوهاج، ولكن منذ سنوات امتنعوا عن إقامة المولد، لكن بقي الذهاب للضريح، رغم أن العلم يضع حدًا فاصلًا بنقطة الذهاب للأولياء، إلا أنه لم يشكل فارقًا كبيرًا لدى الكثيرين من أبناء المحافظة، فالاعتقاد بمقدرة الشيخ أقوى من الوازع العقلي والديني والعلمي.

 

الشيخ هو رجل مبارك، وإن لم ينفع بشيء فلن يضر بشيء، تلك هي نظرة بعض أهالي المحافظة، وهي وجهة نظر نجوى عبد الله، ربة منزل، حاصلة على بكالوريوس تجارة، وهي واحدة ممن يأتون لضريح الشيخ عطا، حتى تحقق حلم الإنجاب، فقد تزوجت من ثمانية سنوات، والطب لم يجد لها حلًا، فهي تأمل أن يستجيب لها الله ببركات رجل مبارك، وتؤمن بأنه لن يضرها بشيء إن لم ينفعها.

 

أيد وجه النظر تلك أيضًا، محمد عفيفي، دبلوم تجارة، والذي اصطحب ابنه الصغير، 5 سنوات، إلى ضريح الشيخ، لأنه دائم الصراخ، حتى يهتدي ببركة الشيخ، وهو ما يوضح أن الجهل ليس الدافع الأوحد وراء الإيمان بتلك المعتقدات، فالمتعلمين أيضًا يمارسون ذلك.

 

لتميُّز بترابط أهله بعاداتهم وتقاليدهم، مسلمون وأقباط، نجد أن الأقباط أيضا يذهبون للأديرة، مثل دير الأنبا شنودة؛ لأخذ البركة والدعاء لهم، لنفس الأسباب، بحثا وراء إنجاب أو زواج أو عمل، ولكن المكان هو الاختلاف الوحيد، فمن ضريح بمسجد أو منزل أو مبنى منفصل، إلى دير أو كنيسة.

 

زيارة قبور الصالحين وغيرها من قبور المسلمين، وفقًا للدين، وفي فتوى للشيخ محمد بن صالح العثيمين، رحمه الله، على موقعه الرسمي، انقسمت إلى قسمين؛ زيارة شرعية، وزيارة بدعية، فالزيارة الشرعية هي أن يزورهم الإنسان للاتعاظ وتذكر الآخرة والدعاء بأن يغفر لهم الله ويرحمهم، والمعروف أن هذه جائزة وشرعية، بل ومطلوبة أيضًا، لقول النبي صلى الله عليه وسلم (نَهَيْتُكُمْ عَنْ زِيَارَةِ الْقُبُوْرِ فَزُوْرُوْهَا فَإِنَّ فِيْ زِيَارَتِهَا تَذْكِرَةً)، رواه أبو داود، وأرشد النبي من زار القبور أن يقول ‘‘السلام عليكم أهل الديار من المؤمنين والمسلمين’’، والدعاء معروف ومشهور.

 

القسم الثاني هو الزيارة البدعية أو الشركية، وهي أن يزور الإنسان قبور الصالحين والمسلمين لأجل أن يدعوهم ويستغيث بهم في قضاء الحوائج وحصول المنافع، فهذا حرام وغير جائز، ويعتبره الكثير من الفقهاء والأئمة من الشرك الأكبر أو الأصغر، حسب ما تقتضيه الأدلة الشرعية، وكذلك من يزورهم لأجل أن يدعو عند قبورهم الله؛ اعتقاداً منه أن الدعاء عند القبور أفضل من دعاء الله في مكان آخر، وهي من البدع أيضًا.

 

‘‘المندرة’’ كانت قد قضت يومًا في مسجد العارف بالله بسوهاج، وعرضت التجربة في موضوع نشرته بعنوان ‘‘نصب ودجل وشعوذة في بيت الله’’، بتاريخ 25 مارس 2013، ويمكن مطالعة الموضوع من هنا.

You must be logged in to post a comment Login