زوزو ماضي خارج قفص الشفقة والاتهام

زوزو ماضي

زوزو ماضي

المندرة: مها صلاح الدين

لم يحالفها الإنصاف في حياتها ولا بعد موتها، فعادةً ما يحصرها الكتاب في دور المتهمة، سواء في أدوارها الفنية، أو في حياتها الشخصية، وأحيانًا ينظرون إليها بعين الشفقة، لما صارعته في حياتها من جميع الجهات، ولم تعامله معاملة ملائكية، إلا أنهم نادرًا ما يذكرون أنها السبب في إلهام الشاعر الكبير، إبراهيم ناجي، كي يخط بقلمه قصيدة الأطلال الشهيرة، التي شدت بها السيدة أم كلثوم، ونادًرا ما لم تلتحف مع كل منا بذكرى حينما تشدوها.

 

نعم هي زوزو ماضي، التي سيطرت على ملامحها القسوة حتى يحصرها المخرجون في أدوار الأم الأرستقراطية التي لا يعرف الحنان طريقًا لقلبها، ولكن في الحقيقة، العكس صحيح، فهي الإنسانة التي لم ترضى طريقًا لنفسها سوى الذي رسمته لها أهوائها القلبية، فعلى الرغم من مولدها في بيئة صعيدية في محافظة بني سويف، في الرابع عشر من ديسمبر عام 1914، بأجواءٍ احتفالية، حيث كانت أول مولود يستأنف حياته لأباها، بعد 5 مواليد التقوا حتفهم صغارًا، وبناءًا عليه، تميزت ماضي في كل شيء، حيث التعليم في المدرسة الفرنسية، ومربيتها الأجنبية، التي ساعدتها على إتقان 3 لغات أجنبية، ولقنتها الكثير عن الفنون والأدب.

 

من ثم انقلبت الحياة رأسًا على عقب، لتجد نفسها تحت مجهر قرار أبيها، حيث تزويجها من ابن عمها الذي لم تقبله قط، في الرابعة عشرة من عمرها، ثم تنطفئ ربيبة الأميرات حينما تجد نفسها أمًا لطفلين، وهي لا تتجاوز السادسة عشر من عمرها.

 

من وسط غيوم الحياة، تجد لنفسها نقطة النور، التي تدفعها للتمرد على استكانتها الرتيبة للحياة مع زوج لم ولن لتكن وتتقبله، حيث إعلان المخرج محمد كريم الذي يطلب فيه وجوهًا جديدة، فترسل زوزو صورتها الشخصية سرًا، وتتطابق عليها المواصفات، إلا أن العواقب ما زالت تلاحقها، حيث يطلب منها المخرج نفسه موافقة أهلها على خوض تجربة التمثيل، وبالطبع قوبل المبدأ من والدها بالرفض، إلا أنها بطريقةٍ أو بأخرى استطاعت أن تحصل على موافقة كتابية من زوجها على دخولها الوسط الفني، ومن هنا انتقلت لهوليود الشرق، القاهرة.

 

“يحيا الحب” كانت أولى تجاربها السينمائية أمام موسيقار الأجيال محمد عبد الوهاب في دور شقيقته وبطولة الراحلة ليلى مراد، ومن بعده سارت ماضي في خطىً فنية ثابتة، وتجاوزت أعمالها المسرحية أكثر من 70 عمل، وسرعان ما تخلصت من زوجها غير المرغوب، وتزوجت من رجل أعمال مصري يحمل جنسية أجنبية يدعى كمال عبد العزيز بعد 10 أيام من معرفتها به، مما ورطها إلي ما عطلها عن عائلتها ومسيرتها الفنية، فبعد مدة قصيرة جدًا من الزواج تم إلقاء القبض عليهما بتهمة تجارة المخدرات، وظلت ماضي في ذمة الحبس الاحتياطي 9 أشهر، حتى تم إثبات براءتها، والإفراج عنها، وحبس زوجها في عقوبة المؤبد مما دفعها للطلاق منه فيما بعد.

 

قابلت زوزو خبر الإفراج عنها بفرحةٍ عارمة، حتى أهدت كل حقيبة ملابسها لرفيقاتها السجينات، على شوق لحياة فنية وعائلية تسير في مجراها الصحيح، إلا أن القدر لم يكن ليريد ذلك، ففاجأها بأنفاس والدتها الأخيرة، التي ترغمها على ترك الفن، ولكنها عادت له بعد أن لفظتها، ولكن بذيول عائلة غير سوية، طالتها أذرع صراعها الدائم مع ابنتها إيفون التي تمردت عليها، وربما دارت عليها الدوائر، مما جعلها يومًا ما تقدم على فكرة الانتحار، إلا أن القدر لم يستجب، وظلت زوزو تعافر في طريق الفن، مع مسكنات دنيوية تنحصر في السيجارة وكأس الخمر، كما عنيت بخوض الحروب حول إثبات أنها الملهمة الحقيقية في قصيدة الأطلال للشاعر إبراهيم ناجي، وليست الفنانة زوزو حمدي كما أشيع، وهو ما أثبته جودت صالح، رئيس تحرير مجلة الكواكب في حينها، والذي كان يرتبط بصداقة قوية مع الشاعر نفسه، مما ساعده على تصديق ذلك.

 

انتقلت زوزو إلى الرفيق الأعلى وهي غير راضية عن كونها ربة عائلة، وحملت نفسها وزر فشل حياتها الخاصة، ولكنها أكدت أنها سعيدة بمسيرتها الفنية، التي قادها إليها قلبها صوب عشق الفن، ورحلت في 9 أبريل عام 1982، وتركت خلفها سرب من الأعمال الفنية، التي كست ملامحها بقسوتها وشخصيتها القوية.

 

You must be logged in to post a comment Login