زواج القاصرات في الصعيد بين “ستر بنات” و”القتل النفسي”

زواج القاصرات

زواج القاصرات

**أحد الآباء: مكنتش أعرف إني بشيل بنتي الهم بدري أما جوزتها

**زواج الأطفال عند المأذون “ستر بنات”

**فتاة قاصر: كنت فرحانة بالفستان الأبيض ومش فاهمة حاجة

 

بني سويف: أسماء أشرف

“الجواز هو سنة الحياة”، جملة كثيرا ما نرددها قاصدين بها ذلك المعنى الطبيعي للزواج كبناء حياة سوية ومتكافئة بين الطرفين، ولكن ماذا اذا تحولت هذه الجملة إلى كابوس وخطر كبير يهدد الفتيات الصغار، حيث انتشرت ظاهرة تعرف بـ “زواج القاصرات” في المجتمع المصري وخاصة المجتمع الصعيدي. هذه الظاهرة لا تضيع فقط حق الفتاة في حرية التعليم أو اختيار شريك حياتها ولكنها أيضا تعرضها لمخاطر صحية ونفسية ربما تدمر حياتها.

 

لا يزلن قاصرات

 

والتقت “المندرة” بفتاة لم تتجاوز الـ 15 من عمرها فانهمرت في البكاء قائلة: “اتخطبت وأنا عندي 14 سنة وأهلي أجبروني على الخطوبة وقتها بحجة أن خطيبي ظروفه المادية كويسة جدا ولما رفضت استخدموا معايا الشدة، فمكنش فيه قدامي غير إني أعمل اللي هما عايزينه”.

 

وعند سؤال هذه الطفلة عن سبب عدم تحريرها محضر بالشرطة لحماية نفسها، قالت: “وهي فيه واحدة في مجتمع صعيدي تقدر تعارض أبوها، ما بالك بقى لو عملت محضر، ده أنا أتقتل قبل ما أعملها”.

 

وتختلف قصة يمنى أحمد عن سابقتها، حيث أكدت أنها تمر بأصعب مراحل حياتها الآن، فتقول إنها كانت صغيرة ولا تعرف شيئا عندما تقدم لخطبتها أحد الأشخاص ووافق والداها خوفا من “العنوسة”، وإنها وافقت أيضا لفرحتها بلبس الفستان الأبيض مثل بقية البنات دون إدراك لما يأتي لاحقا, وإن الزواج تم بالفعل ولكن دارت خلافات كثيرة بينها وبين زوجها حتى إنها لم يمر عليها يوما دون أن يضربها زوجها، وإنها لم تتحمل ذلك فطلبت الطلاق، وهي الآن حامل، حسب كلامها.

 

ويقول سيد محمود، أحد الآباء: “أنا ندمان إني جوزت بنتي وهي في إعدادية مكنتش عارف إني بشيلها الهم بدري”.

 

كل ذلك بجانب وجود العديد من المأذون لهم ببني سويف ممن يرون أن التزوير في الأوراق وإهدار حق تلك الفتيات في عيش طفولة طبيعية مثل غيرهن هو إجراء طبيعي ومباح لـ “ستر البنات”.

 

زواج القاصرات جريمة

 

وفي محاولة للحد من هذه الظاهرة، أمر المستشار مجدي البتيتي، محافظ بني سويف، رؤساء المدن والقرى بتشكيل لجان تحت إشراف رؤساء المدن تضم مأموري مراكز وأقسام الشرطة، ومسئولي إدارات الشئون الاجتماعية والصحية، لمناهضة الزواج المبكر للإناث من خلال حصر أسماء الفتيات اللاتي تزوجن في سن أقل من 18 سنة، وتحرير محاضر للقائمين بأعمال الزواج (المأذون) الذين يوافقون على عقد القران أو تدوين البيانات في أوراق خارجية لحين بلوغ العروس السن القانونية لتوثيقها بالدفاتر، وكذلك الآباء أولياء أمورهن لمخالفتهم القانون.

 

يجرم القانون زواج القاصرات وبالرغم من ذلك فإن معظم الآباء والأمهات وحتى المأذون لهم يلجأون إلى حيلة جديدة لسير عملية الزواج قبل 18 سنة، وهي عقد الزواج بشكل عرفي مع إتمام كافة مراسم الزواج الرسمي من إشهار وغيره إلى أن تتم الفتاة سن الزواج القانوني.

 

وتقول منال أحمد، مدرسة: “كيف لمأذون أن يوثق عقد قران أو ما يعرف بـ “ورقة عرفي” مع الإشهار لفتاة لم تبلغ السن القانوني بعد وهو يعرف أضراره، شخص بلا ضمير”.

 

ويقول حسام محمد، محامي: “وفقا للمادة 277 من قانون العقوبات، يعاقب بالحبس مدة لا تقل عن سنتين أو بغرامة لا تقل عن 300 جنيها من يخفى معلومات أمام السلطة المختصة حول سن المقبلين على الزواج، ويعاقب بالحبس أو بغرامة لا تزيد عن 500 جنيها، كل شخص يعقد زواج طرفين لم يبلغ أحدهما أو كلاهما السن القانوني”.

 

مالهاش غير جوزها

 

ومن أسباب رواج هذه الظاهرة، انتشار مقولة “البنت مالهاش غير بيت جوزها”، فهي جملة تهمس بها كل أم في أذن ابنتها الصغيرة التي لم تصل للسن القانوني للزواج خوفا عليها من “العنوسة”، فأصبح زواج القاصرات عادة منتشرة بشكل كبير في معظم المحافظات وخاصة في القرى والأقاليم بالصعيد، فهناك كثيرا ما نسمع جملة “الخطوبة في 9 والزواج في 11” التي يغصب بها كل أب ابنته الصغيرة على الزواج دون تراجع خوفا عليها من “العنوسة” أو ربما للحصول على بعض أموال الزوج الثري، وخاصة في القرى التي تنخفض فيها نسبة التعليم وتزيد الأمية والجهل.

 

وللزواج المبكر أبعاد طبية خطيرة وانعكاسات سلبية على صحة المرأة والطفل والمجتمع، حيث تدل معظم الأبحاث والدراسات الطبية والبيئية على أن مضاعفات الحمل والولادة تزداد بشدة في حالات الزواج المبكر عنها في حالات الزواج بعد سن 18 سنة، ومن أهم هذه المضاعفات تسمم الحمل وضعف الجنين مما يؤدي إلى ارتفاع نسبة الوفيات في الأطفال حديثي الولادة.

 

تضر الأم ابنتها بهذا الزواج أضرارا كثيرة كعدم القدرة على الإنجاب أو إنجاب أطفالا مشوهين كما أن كثرة الإنجاب ترهق المرأة وتسبب لها العديد من الأمراض مثل سرطان الثدي وسرطان الرحم، والزواج في سن مبكر يكون مبنيًا على جهل الشاب أو الفتاة بالأمور الزوجية مما يضعف الرغبة الجنسية أو يؤدي إلى ممارسات خاطئة كما أن أغلب حالات الطلاق تكون بين المتزوجين في سن مبكر.

 

وارتبط الزواج المبكر للفتيات بعملية البلوغ وهي الفترة الزمنية التي تتحول فيها الفتاة من طفلة إلى بالغة ويتراوح عمرها ما بين 11 إلى 14 سنة في مجتمعنا، فالمعنى الحقيقي للزواج المبكر من الناحيتين الطبية والعلمية هو الزواج قبل البلوغ، وخلال هذه الفترة تحدث تغيرات فسيولوجية وسيكولوجية عديدة. البلوغ لا يحدث بصورة طارئة وإنما خلال فترة معينة ويرتبط بعوامل جينية وراثية ومعيشية.

 

دراسة

 

وفي محاولة لمعرفة مدى انتشار تلك الظاهرة، أجرت الأمم المتحدة دراسة في وقت سابق، وتبين أن زواج القاصرات يمثل 14% من حالات الزواج في مصر، وتصدرت المحافظات الحدودية القائمة بنسبة 23% وبعدها الصعيد، وجاءت في نهاية الدراسة المحافظات الحضرية حيث يصل معدل الزواج المبكر في العاصمة إلى 21%.

 

وبحسب دراسة فرنسية صادرة من جامعة “السوربون”، تتصدر مصر قائمة الدول العربية التي ينتشر فيها.

You must be logged in to post a comment Login