روحان مختلفتان في مكان واحد.. صناعتي “الفخار” و”البمب والصواريخ” بقرية النزلة بالفيوم

الفيوم: سعاد مصطفي وهالة إمام

رغم أن الوادي الذي يجمعهما واحد، إلا أن روحي المكانين مختلفتان، هو واد بقرية النزلة الواقعة بمركز يوسف الصديق التابع لمحافظة الفيوم، امتهن السكان أعلاه، منذ عشرات السنين، صناعة الصواريخ والبمب، عشق الأطفال الأول ووسيلة لهوهم الأولى في الأعياد، في حين اختار صانعو الفخار الأوائل من أسفل الوادي سكنا لهم، لقربه من مصدر المياه اللازمة لحرفتهم.

 

ورغم أن كلتا الصناعتين عريقتان وممتدتا الجذور في القرية، إلا أن النزلة اشتهرت على مستوى الجمهورية باعتبارها موطن صناعة البمب والصواريخ. ويؤكد القاطنون أعلى الوادي أن قريتهم هي المكان الوحيد، على مستوى الجمهورية، الذي تتم فيه هذه الصناعة، باستثناء تلك المستوردة من الصين بالطبع، والغريب أنه رغم أن القانون يمنع تصنيعها وتجارتها وتداولها، إلا أنها تباع في كل مكان، سواء على مستوى المحافظة أو الجمهورية، بشكل طبيعي يجعل العديدين يستغربون عند معرفتهم بمخالفتها للقانون.

 

وإذا كان الأمر سهلا لبائعها، إلا أنه ليس بنفس السهولة لصانعها، فإذا أضحكتنا المشاهد الكوميدية في فيلم “تك تك بوم”، عندما كانت الانفجارات تتوالى في محل صانع البمب، الفنان محمد سعد، فإن الواقع أبعد ما يكون عن الكوميديا، ورغم تأكيدات أهل المنطقة أن الحوادث الناجمة عن هذه الصناعة متباعدة، إلا أنها تحدث وحدثت منذ وقت قصير، عندما تسبب انفجار في وفاة رب أسرة وأحد الصناع في المنطقة وقتما كان يمارس عمله.

 

في الطريق المؤدي إلى هناك، ومنذ لحظة سؤالنا عن موقع المنطقة التي تمارس فيها هذه الصناعة تحديدا، ساد جو من الشك والتوجس.. والغضب أيضا. وبعد محاولات جاهدة بمساعدة أحد الأهالي، الذي تطوع باصطحابنا إلى أماكن بعض الصناع الذين يعرفهم، بدأوا بإعلان سخطهم على الإعلام والصحافة، لأنها نقلت معلومات خاطئة عن الحادث، مؤكدين أن الزوجة والأبناء بخير ولم يصابوا بخدش، وأن رب الأسرة هو فقط من توفي.

 

“الخوف على مصدر رزقهم من الانقراض” بهذا فسروا سبب رفضهم الحديث في البداية، وإصرارهم على عدم تصوير منتجاتهم، مشيرين إلى أن الدولة لم توفر لهم مصدرا آخرا للكسب بعائد يكفل لهم ولأسرهم حياة كريمة. وروى أحدهم أنه في عام 2000، وعندما كان يوسف والي، الذي ينتمي إلى هذه القرية، وزيرا للزراعة، وضع حجر الأساس لمصنع منسوجات، وأقُيمت أساسات وأعمدة المبني ثم توقف الأمر عند هذا الحد، وحتى الآن لا تزال الأعمدة وحجر الأساس موجودان، حيث أصبح المبنى غير المكتمل منطقة مهجورة.

 

معظم الأهالي في المنطقة يمتهنون هذه الصناعة، بدءً من أطفال عمرهم خمس سنوات وصولاً إلي خريجي الكليات، ممن لم يجدوا عملاً لهم، أو من لا تدر عليهم أعمالهم دخلا يكفيهم وأسرهم، وهي صناعة قديمة بدأها اليهود الذين أقاموا في هذه المنطقة، عندما كانوا يعيشون بمصر منذ عشرات السنين.

 

يقول أحد الأهالي “مصر تستورد كل عام صواريخ بالمليارات من الصين يتم تهريبها، والحكومة في الصين تدعم هذه الصناعة وتقيم مصانع آمنة حماية للأفراد الذي يعملون بها، فهي تجارة تدر عليها المليارات، لماذا لا يحدث الأمر نفسه في مصر؟، علماً بأننا في القرية نصنع البمب التقليدي والصواريخ الصغيرة، وليس الشماريخ والصواريخ المتطورة المستوردة، وإنتاجنا لا يتعدي خمس المستورد”.

 

ويلتقط منه آخر خيط الحديث ليتساءل “هل رأيتم الصواريخ والألعاب النارية التي أطلقت يوم فوز مرسي في الانتخابات؟، كلها مستوردة، لم يُطلق صاروخ مصري واحد”.

 

وقال أحد بائعي الصواريخ بالقرية “البضاعة المصنعة بالقرية نقوم ببيعها بالقاهرة، ونشتري أيضا البضاعة المستوردة ونخزنها لموسم الأعياد ونبيعها مع بضاعتنا”، مؤكداً أن التنوع في توفير النوعين، المحلي والمستورد، مهم لإرضاء مختلف الزبائن، كما أن المنتج المستورد يسوق إلى حد كبير للمحلي.

 

وشدد أحد شباب المنطقة على استمرارهم في العمل، قائلاً “لو وقفت الحكومة ضابط علي كل بيت في القرية برضه هنشتغل.. مفيش بديل.. هاتوا بديل وإحنا نبطل”.

 

الفخار.. يرقد أسفل الوادي

وعلى الجانب الآخر، وفي منطقة هادئة أسفل الوادي بقرية النزلة، ازدهرت صناعة الفخار التي تتوارثها الأسر المقيمة هناك منذ أكثر من قرن من الزمان، شعور مختلف بالسكينة ينتابك وأنت تقف على بداية الطريق الترابي الهابط إلى هناك، متطلعا إلى العشش المتجاورة والمصنوعات الفخارية المتناثرة حولها، في مشهد يقطر هدوءً وبساطة، وعند هبوطك تجد الوجوه “مرتاحة” وباسمة، الأهالي مرحبون بالغرباء ومعتادون عليهم فالمكان، إلى حد ما، يعتبر سياحيا.

 

اختار صانعوا الفخار الاستقرار هنا، لقرب المكان من المياه اللازمة لصناعتهم، رغم أنهم مؤخرا أصبحوا أكثر حذرا في استخدامها، بسبب الصرف الصحي، الذي أصبح يلقى في مياه البحيرة.

 

يقول حسني أحمد، أحد صناع الفخار بالمنطقة، “نحن سابع جيل يعمل في هذه الحرفة، ومنتجاتنا تتعدد فهناك الزير والبوكلة، وكلاهما تحفظ فيه مياه الشرب، إلا أن البوكلة أصغر من الزير، ولذلك تجد الزير موجودا بشكل أكبر في المنازل، بينما يحمل المزارعون البوكلة معهم إلى أراضيهم، لأنها أخف وأصغر، ويوجد أيضا صحفة الطيور التي يوضع فيها الماء والطعام للطيور، ووابور الشاي الفخاري، الذي يوضع إبريق الشاي أعلاه، في حين يوضع الفحم بداخله، عن طريق فتحة جانبية فيه، وكذلك البربخ، وهو عبارة عن ماسورة فخارية، تستخدم في ري الأراضي الزراعية”.

 

ويتم تسويق المنتجات بشكل أساسي في الفيوم وبني سويف والمنيا، وأحيانا في القاهرة وشرم الشيخ إلا أنها في الغالب تكون منتجات ديكورية جمالية، وليست عملية كالمنتجات السابق ذكرها.

 

وينفي حسني انحيازه لاتجاه أو فصيل سياسي بعينه، يريد فقط المطلب الجماهيري الثابت المقتضب، المجهول طريقة الوصول إليه والذي أصبح أشبه بلبن العصفور.. “إن البلد أحوالها تتعدل”، ويرى أن الصناعة لم تتأثر بشكل ملحوظ بسوء الأحوال الاقتصادية، لأن المنتجات ليست مرتفعة الأسعار، وتتميز بالمتانة ويمكن أن تعيش لفترات طويلة إذا تمت المحافظة عليها.

 

ولا يعد العائد المادي للحرفة مربحا إذا تمت مقارنته بالجهد المبذول فيها، كما يقول حسني، الذي سرعان ما يستدرك أنه رغم ذلك تظل الميزة التي تمنحها “أن تكون حر نفسك” مرضية، ويضيف أن الكثيرين لم يتحملوا تلك المعادلة التي تتطلب جهدا ورضاء ببساطة العائد في مقابل الحرية، فتركوا الوادي والحرفة، حيث تقلص عدد الأسر التي تعمر هذه المنطقة من الوادي وتتوارث الحرفة من 36 أسرة إلى 15 أسرة.

 

وبسؤاله عن رأيه في صناعة جيرانه، ضحك قائلا “الكثير منهم أقاربي ومعارفي، لكن أرفض هذه الصناعة لما تحدثه من أذى لصانعها وشاريها”.

 

You must be logged in to post a comment Login