رفاعة الطهطاوي عبر آلة الزمن

رفاعة الطهطاوي

رفاعة الطهطاوي

المندرة: مها صلاح الدين

سبق عصره بمئات القرون، وتخيل عهدنا بمميزاته وعيوبه، وربما طالب بمثل ما نطالب به نحن الآن، هو رائد حركة الترجمة في العالم العربي، الشيخ رفاعة الطهطاوي، الذي ولد بمدينة طهطا بسوهاج في نفس العام الذي انجلى فيه الاحتلال الفرنسي عن مصر 1809، وكان من البديهي أن يولد في 15 أكتوبر، شهر العظماء، ليكون الرائد ليس في الترجمة فحسب، ولكن في أمور عدة.

 

يعد الطهطاوي أول من أرسل في بعثة مع طلبة العلم إلي فرنسا، ليؤمهم في الصلاة، ويعاونهم في أمور الدين والذكر، لكونه أزهريًا، أتم دراسته، منذ بدايتها لآخرها، على يد شيوخ الأزهر، الذين كان أبرزهم، الشيخ حسن العطار، الذي اهتم به كثيرًا لكونه نابغة طلابه، كما تأثر الطهطاوي به كثيرًا من حيث أفكاره المتفتحة والتنويرية، التي راقت لرفاعة كثيرًا، خاصة بعد مرافقته تلك البعثة إلى فرنسا، والتي استهلها، بتعلم اللغة الفرنسة في 30 يومًا، ثم مراقبته للمجتمع والنظام الفرنسي، بمميزاته ومساوؤه، ورصدها في كتابه الأول، تخليص الإبريز في تلخيص باريز، والذي تحمل من أجله، الكثير من اللوم والنقد والذي وصل إلى حد التكفير, بسبب أفكاره.

 

عاد رفاعة إلى القاهرة بمزيد من الوهج والتنوير، حتى في حماسته، حيث هَم بتأسيس المشروع القومي للتنوير، والذي من خلاله أسس مدرسة الترجمة في عهد الخديوي سعيد، والتي لم يعززها بدراسة اللغات والترجمة فحسب، بل تخلل العديد من المجالات الأخرى، كدراسة القانون، والمحاسبة والإدارة، لتكون مدرسة الترجمة، بمثابة أربعة كليات، هُم الألسن، والحقوق، والتجارة، السياسة والإقتصاد.

 

قامت المناهج في مدرسته على أسس أوروبية تنويرية، من خلال ترجمته للكتب في تلك المجالات، والإشراف على ترجمة المئات الأخرى، وهو الذي أثار السخط عليه، بعد وفاته أكثر من حياته، باعتباره ناقلًا عن الحضارة الأوروبية، والداعي الأول للعلمانية، والفصل بين الدين والدولة، ورجوع الانتماء الأول للإنسان، للوطن وليس للدين، ومن ثم شنت الحرب عليه، وتمت مقاومته من قبل رجال الأزهر الآخرين في عهده، رغم تأييدهم له في بعض الأحيان، إلي أن ضاق الخناق، وقام الخديوي عباس بنفيه إلي السودان، وأغلق مدرسة الترجمة، وأفقر الجيش، وجعله بمثابة حماية شخصية له، ولعائلته.

 

وحينما توفي عباس، عاد رفاعة الطهطاوي إلي أرض الوطن بكامل حماسته، وقام بإنشاء دور محو الأمية، وإحياء حركة الترجمة، بتشجيع من الخديوي إسماعيل، الذي دعمه ماديًا ومعنويًا، وسانده ضد المشايخ الرجعيين.

 

تأثر الطهطاوي بالمجتمعات الأوروبية لا محالة، ولكنه انتقد الكثير بها أيضًا، فقد كان أول من تدرج لقضية تحرير المرأة، قبل قاسم أمين، بقرن من الزمان، وقد أيد تعليم المرأة وعملها، بدافع المساواة والتوافق مع الرجل، إلا أنه حذرها من التخلي عن عفتها، واحتشامها، على الرغم من اتهام العديد من المغرضين له، بمحاولته استقطاب وضع المرأة الأوروبية وتشكيل المرأة المصرية على شاكلتها، فكما أشاعوا أنه أول من دعا المرأة لخلع الحجاب، وقد استغلوا في ذلك وصفه في كتاب “تخليص الإبريز، في تلخيص باريز” لتصوير المجمتع الأوروبي كما هو، بالرغم من أنه مجرد وصف وليس دعوة إلي فكرة معينة، أو دعم أفكارهم، ولكن كان يكفي لديه كشف الستار عن مجتمع آخر، لم يكونوا يتخيلون آنذاك وجوده.

 

ولأن الصحافة كانت مصدر آخر لدعم حركة التنوير والترجمة في مصر، كتب رفاعة في مجلة الوقائع المصرية، وأسس مجلة روضة المدراس، التي نشرت العديد من المقالات والدراسات التي تدعم مشروعه، ومن ثم حاول رفاعة التقريب بين القوانين الأوروبية، والشرائع الإسلامية، من حيث المساواة، ودعم الحقوق، وخضوع جميع الفئات للقانون، حتى وإن كانوا الحكام وصفوة المجتمع، وبهذا يكون رفاعة أول من دعا لفتح باب الاجتهاد في الدين، وإعمال العقل بعد أن تعمد المماليك والعثمانيين، إيقاف ذلك الإتجاه، وقد كان المصريون القدماء أصحاب حضارة عظيمة، ويتورثهم أبناؤهم بالفطرة، في الريادة، واستعداد المجتمع المصري لإقامة حضارة على عاتقه.

 

وبعد أن ركب رفاعة الطهطاوي آلة الزمن، وشرح ما وراء العصور، ابتعد عن الساحة في آخر أيامه ليغادر عالمه رائدًا ومترجمًا ومؤلفًا عظيمًا مثيرًا للجدل في حياته وبعد مماته عام 1873.

 

You must be logged in to post a comment Login