رحلة مع الباحثين عن كنوز الفراعنة تحت أرض الفيوم

عمليات التنقيب- صورة أرشيفية

عمليات التنقيب- صورة أرشيفية

**إحصائية: 13 شخصًا فقدوا حياتهم بالفيوم في أثناء البحث عن الآثار

**أحد المنقبين: كنت عاوز فلوس أجوز بيها البنات وفي الأخر ابني وصاحبي بين الحياة والموت

 

الفيوم: ولاء كيلانى

جمعة، مزارع بمركز طامية، ولديه 7 أبناء 4 فتيات وثلاث أولاد، لم تكفيه وظيفته كعامل “يومية”، فقرر اللجوء إلى التنقيب عن الآثار، التي اعتقد أنها حل لمشكلاته المالية.

 

يقول جمعة: ” أنا عندي بنتين مخطوبين وعلى وش جواز وعايزين يتجهزوا، وأنا بشتغل بالأجرة في أرض الناس، ويوميتي 50 جنيه بالعافية”، وهي الأحوال التي رأها كفيلة ليحاول البحث عن الآثار والتنقيب عنها، حيث أخبره أحد الأقارب أن العثور على مومياء لأحد الفراعنة، يعني الحصول على كنز، حيث تباع الواحدة بنصف مليون جنيه، ويقول: “أنا لو لقيت واحدة منها وبعتها يبقى جاتلي فلوس من الهوا”.

 

الجدل والسحر.. البداية

وشرح جمعة لـ “المندرة” إحدى محاولاته في البحث عن الآثار، والتي باءت بالفشل، حيث أقنعه أحد أصدقائه بوجود آثار في مكان مهجور بجوار المقابر ببلدهم، وأكد له أن الطريقة المضمونة للحصول على قطع أثرية سريعًا، هي السحر وتسخير الجن، وهى إحدى الطرق الشعبية التي اقتنع بها بعض المصريين للوصول إلى الآثار، فالبعض يعتقد أن الفراعنة استخدموا السحر، أو ما يقولون عنه “لعنة الفراعنة”، لحماية آثارهم.

 

ذهبت مراسلة “المندرة” للقاء رجل بإحدى قرى المركز، يُقال عن قدرته على تسخير الجن وأعمال السحر، حيث تشير الحكايات المتداولة بين الناس إلى تسهيله العثور على المومياوات والقطع الأثرية بسبب  معرفته ودرايته بالخلفية التاريخية حول المكان، وتاريخ الأسر التي عاشت فيها، والأماكن التي من المحتمل أن تكون دفنت فيها، كما أن لديه الأساليب والطرق، التي تدخل في نطاق السحر الأسود وفك الطلاسم والتصدي للعنة الفراعنة وغيرها، وذلك من خلال الاستعانة بخدام المقبرة من الجن للوصول إلى كنوزها.

 

أما مقابلته، التي استغرق الأمر شهرًا للحصول عليها، بسبب تزاحم الناس عليه لاعتقادهم بقدرته على حل مشكلات تأخر الجواز، أو الإنجاب، كانت مدتها ساعة، وافق بعدها أن يساعدني في العثور على الآثار، كما أوهمته، على أن تكون له نسبة 30% من ثمن الآثار، بالإضافة إلى المقابل الذي سيحصل عليه، نظير للجلسات والمعلومات التي سيحصل عليها.

 

وعن محاولته للعثور على الآثار، ذهب جمعة لهذا الرجل، الذي أخذ منه في أول جلسة 900 جنيه نظير معلومات عن القرية والأماكن التي قد تتواجد بها الآثار، وفي الجلسة الثانية حصل على 1400 جنيه، حيث قام بتحضير الجن في هذه الجلسة، واستعان بخدام المقبرة، على حد قول جمعة، لإرشادهم إلى طريق القطع الأثرية والمقابر الفرعونية، فكل مقبرة لها حارس خاص من الجن، وليس في استطاعة أي بشري أن يعرف مكانها، لذلك يستعين “الساحر” بالجن، ويقدم له التمائم والتعاويذ والقرابين، ويجنده ليدله على مكان المقبرة، وقد تكون القرابين دماء حيوانات، أو دماء بشرية يتم إسالتها في مكان محدد، أو بخور محددة سواء من الهند أو المغرب، حسب طلب الخادم من الجن، الذي تنتهي مهمته بتحديد المكان وظهور ما أطلق عليه “شاهد” المقبرة.

 

وانصاع جمعة لما سمعه في هذه الجلسة، وذهب إلى بيت بجوار المقابر في بلدته، حيث أكد له “الساحر” وجود آثار به، ورافقه صديقه واثنان من أولاده، وعدد من العمال، ويقول “جهزنا العدة عشان نحفر حفرة عمقها 15 متر، زي ما قالنا، وبدأنا نحفر لحد ما وصلنا لسرداب طويل محتاج توسعة عشان نمر منه”، وشهدت عملية التوسعة تساقط للصخور والرمال، بسبب تسرب المياه من الترعة المجاورة، وعلى الفور هرب  العمال خارج القرية، واستمر جمعة ومرافقوه في الحفر حتى وصلوا إلى عمق 12 مترًا، ليجد جمعة النفق ينهار فوق رؤوس صديقه ومعه أحد أبنائه، وأخرجهم بمساعدة ابنه الثاني، وأهل البلد.

 

حادثة التنقيب لم تمر على جمعة دون أثر، فهو لم يجد ما كان يبحث عنه، ويعتقد أنه سيجعله غني، كما تركت له ابن يعاني من كسر في الجمجمة، وصديق ذراعه مكسور، يضيف لـ “المندرة” بكلمات يشوبها الندم “كل ما بشوف ابني وصاحبي بين الحياة والموت بتأكد إن كلام الراجل ده كله كذب”.

 

هوس التنقيب

ما حدث مع جمعة أثبت أن الرغبة في الثراء السريع هاجس يسيطر على كثيرين، ويجعلهم يلجأون إلى الطرق كافة لتحقيقه، وفي الصعيد الغني بآثار مصر، تأتي الفيوم، كأولى المحافظات التي تتصدر أخبار التنقيب عن آثارها صفحات الجرائد، فكثيرون مستعدون للموت في سبيل الوصول، وتحقيق المراد، حتى وإن كان الثمن المخاطرة بحياتهم، فالمدينة تشهد عمليات تنقيب أهلية لا تنتهي أملًا في العثور على تحف قديمة يمكنهم بيعها والتربح من ثمنها، والنتيجة كانت خيارين كلاهما أسوأ من الآخر، إما الموت تحت الأرض، أو الوقوع تحت قبضة الشرطة والقانون.

 

عمليات تهريب الاثار والتنقيب عنه أمر ليس بجديد، بل إن لها تاريخًا قديمًا في مصر بدأ منذ عهد الحملة الفرنسية التي نقلت العديد من الآثار المصرية إلى فرنسا، ومن ضمنهم حجر رشيد الشهير، الذي يسمونه حجر روزيتا، ومن بعدها قام الإحتلال البريطاني، بعد عام 1882، بعمليات تهريب للآثار الفرعونية، وبدأ نشاط سرقة الآثار يزداد، ويصبح هدفًا عالميًا يلتف حوله اللصوص حول العالم، خاصة بعد أن صدر كتاب وصف مصر، والذي خصص جزءًا للآثار المصرية القديمة، مما جعل العالم يلتفت لآثار مصر، مع أوائل القرن التاسع عشر، ويرى في حضارتها وتاريخها فرصة للاقتناء، إلى أن صدر عام 1912 قانون نص على منع الأشخاص من التنقيب على الآثار إلا بموافقة من الجهات المختصة، ولم يصبح من حق الحفارين الحصول على ما يعثرون عليه.

 

وكان اتحاد شباب الصحفيين بالفيوم قد أصدر بيانًا في الشهر الجاري،  أكد خلاله أنه وفقا لإحصائية قام بها أعضاء الاتحاد حول ظاهرة “هوس المواطنين بالتنقيب عن الآثار”، والنتائج المترتبة عليها خلال عام 2014 تبين، وفقًا لما تم نشره من موضوعات صحفية خلال هذا العام، أن 13 مواطنًا لقوا مصرعهم، بالإضافة إلى مقتل موظف كبير بالدولة في أثناء تنقيبهم عن الآثار، كما تم ضبط أكثر من 423 تمثالًا، و5 توابيت خلال عمليات التنقيب، هذا بخلاف إلقاء القبض على  طالبين و11 مواطنًا وحبس حارس بالمتحف المصري، وضبط تشكيل عصابي قام بالنصب علي مواطن يوناني الجنسية بحجة بيع آثار له.

 

السجن.. النهاية

أحمد علي، من مركز الفيوم، يروي قصة قريب له، دفعه هوس الثراء الفاحش، إلى التنقيب باستمرار يصل لحد الجنون، مما أوصله في النهاية إلى السجن، حيث لاحظ “م. أ” ظهور الثراء السريع على عدد من المواطنين بقرى بلده مؤخرًا، وبعض ممَنْ كانوا لا يملكون إلا قوت يومهم، أصبحوا من أصحاب العقارات والمشروعات الكبرى، وتردد بين الناس أنه هذا الأمر يرجع إلى عثورهم على قطع أثرية، وبيعها بملايين الجنيهات، الأمر الذي أصابه بالهوس، ودفعه لتشكيل فريق للتنقيب، مكون من صديق له، وخمسة عمال، وبالتأكيد لم يفته “الدجال”، كما يقول أحمد، ليدله على أماكن تواجد الآثار.

 

وعلى الرغم من فشل المحاولات المتكررة لفريق التنقيب، إلا أنه لم يمل من تكرارها، حتى نجح في إحدى المرات في الوصول لمنزل أكد لهم “الدجال” أنه المكان المطلوب، والكلام ما زال لأحمد، ولكن صاحب المنزل رفض أن يحفروا تحت منزله خشية انهياره، فوعدوه بالحصول على مبلغ من المال فور عثورهم على الكنز، ووسط إصراره على الرفض، هددوه بالقتل، وبالفعل شرعوا في الحفر لمدة 3 أيام متواصلة، ووجدوا ما يقرب من 20 قطعة من التماثيل الأثرية.

 

ولم يستطع المنقبون أن يهنأوا بما وجدوا، فضيق صاحب المنزل من الحفر اليومي جعله يبلغ الشرطة عنهم، خاصة بعد ما لاحظ وجود شرخ كبير وتشقق في أحد جدران المنزل، وبالفعل ألقت قوات الأمن القبض على قريب أحمد، ومَنْ عاونه في البحث والتنقيب، وكان بحوزتهم 15 قطعة أثرية، بعد أن قاموا بتهريب 5 قطع، ولكن “الدجال” ظل هو الوحيد، الذي لم تضبطه الشرطة.

 

محمد سيد، 16 عامًا، شارك في عمليات التنقيب دون علم منه، حيث كان يستعين به بعض الأهالي للحفر في منازلهم بحجة أن “ماسورة المجاري معطلة”، فهو يعمل في “الفاعل” ليكسب قوت يومه، ويقول “كنت بروح أنا وزمايلي نحفر كتير، وكانت الفلوس اللي بناخدها كويسة صراحة”، فقد كان يحصل على 70 جنيهًا لقاء الحفر لمدة أكثر من أربع ساعات في نفس المكان، وكان أصحاب المنزل يطلبون منهم المغادرة عند الوصول إلى نقطة معينة في الحفر، وفي بعض الأحيان كان يلاحظ محمد وجود تحف وتماثيل، ويوضح “مكنتش أعرف أنها آثار، إلا من أخويا، اللي شرح لي الموضوع وفهمني عشان بيدرس في كلية الحقوق”، ومن وقت معرفة محمد باستعانة البعض به للتنقيب عن الآثار، وهو لا يقوم بالحفر “بطلت أحفر لحد عشان موديش نفسي في داهية، زي ما قالي أخويا”.

 

You must be logged in to post a comment Login