رجال الصعيد.. مهاجرون من أجل ‘‘اليومية’’

**عمال: اليومية لا تكفينا ونفترش الأرصفة للحصول عليها و‘‘المقاول’’ جنة لا نطولها

**‘‘المندرة’’ تطرح فكرة إنشاء نقابة للعاملين باليومية.. ورئيس ‘‘التجارة والأخشاب’’: النقابات لا تضم أكثر من 10% من أبناء المهنة

 

الجيزة: آيات عبد الباقي

العمل باليومية.. الشبح الذي يطارد رجال الذين تركوا ديارهم وأهلهم من أجل العمل، نوع خاص من الهجرة الداخلية، التي غابت عن أعين الحكومة.

 

وفي الوقت الذي تُعتبر فيه محافظات سوهاج وقنا وأسيوط، من أوائل المحافظات ‘‘الطاردة’’، أي التي يهاجر سكانها سواء هجرة داخلية أو خارجية، وفقًا لدراسة ماجستير أعدتها باحثة بجامعة الإسكندرية، عام 2007، يسافر أهل الصعيد إلى القاهرة الكبرى بحثًا عن عمل، ومن أكثر المهن التي يعملون بها، المعمار أو البناء، حتى اقترنت المهنة بالصعايدة، لكثرة العاملين بها منهم، ثم تليها أعمال الحفر وتكسير الحوائط ‘‘الفواعلية’’، والمحارة وصناعة الأخشاب.

 

يقول عبد المحسن محمود، 35 سنة، عامل بناء، من أبناء نجع حمادي، إن فرص العمل في الصعيد معدومة، والحياة صعبة، ولا توجد وظائف، حيث أن الشركات والمصانع تُعيِّن الأقارب، والوظائف الحكومية يتحكم في توزيعها نائب مجلس الشعب.

 

مؤهلات في هجرة

لم يقتصر العمل باليومية على الأميين فقط، بل أيضا الحاصلين على شهادات متوسطة وعليا، منهم شاب عشريني يدعى كمال عبد المجيد، حاصل على بكالوريوس تجارة، أكد لنا أنه جاء للقاهرة بحثا عن الوظيفة، لكنه لم يجد، فاضطر للعمل في البناء، باليومية، انتظارا للوظيفة، مؤكدا أنه بجوار عمله يشارك في الدورات التدريبية لتنمية مهاراته.

 

أما أحمد عطية، أعزب، حاصل على دبلوم تجارة، قال إنه أُجبر على العمل في المعمار خاصة أن وظائف المصانع والشركات في بلده المنيا، يحصل عليها أشخاص بعينهم دون شرط الكفاءة، أي بالوساطة.

 

ويعاني أغلب من يهاجر داخليا، من الغربة عن أهله، كما لو كان خارج مصر، فيقول عبد المحسن: مقدرتش أبقى جمب عيلتي لأن مفيش هناك شغل، ومقدرش أخدهم يعيشوا معايا في القاهرة، فأنا عندي 3 أولاد وبنت، خاصة إن الدنيا بقت غالية، وأنا بشتغل يوم وعشرة لأ.

 

ويتمنى محمد عبد الصمد، 29 سنة، متزوج ومقيم بالفيوم، أن يكون له راتب ثابت، حتى لو كان 25 جنيها في اليوم، قائلا ‘‘اليومية بتاعتي من 50 لـ60 جنيه، لكن مش بتقفل 1000 جنيه، لأنها مش ثابتة كل يوم، والحكومة مبتبصلناش’’.

 

نعمة المقاول ولا نار الرصيف

‘‘احنا على باب الله، المقاول دا نعمة، لأنه بيبقى عارف مين اللي تبعه وبيعمل حسابهم في كل شغلانة، أدينا أهو عشان من غير مقاول قاعدين على الرصيف’’، هكذا عبر الحاج عزت، 50 سنة، عن الفرق بين عامل اليومية تحت إشراف أحد المقاولين، وبين من يجلس على الأرصفة ينتظر من يطلبه للعمل.

 

واتفق معه عبد الرازق عوض، 40 سنة، مقاول، قائلا ‘‘أنا مقاول وعندي فريق من 11 راجل، بكلفهم بالشغل وعمري ما أستغنى عنهم’’.

 

وعلى رصيف أحد شوارع الجيزة، جلس عدد من العمال، بصحبتهم أدواتهم، وهي أدوات الهدم وتُسمى ‘‘أجنة ومطرقة’’، انتظارا لفرصة عمل أيا كانت، لا يستطيعون الانتظار على المقاهي حتى لا يجبرون على طلب مشروبات، أدواتهم عبارة عن شاكوش وقطع مستطيلة من الحديد القوي.

 

يجلس هؤلاء العمال على حالتهم منذ السادسة صباحا، وحتى الخامسة مساءً، منهم من يرزقه الله بيومية فيذهبون لعملهم، ومنهم من ينساه الحظ فيظل ينتظر الفرج. تتراوح الأعمال بين تكسير حوائط أو حفر أمتار في الأرض أو العمل في البناء.

 

دون ‘‘كيس فاكهة’’

أما عن الهجرة خارج مصر، فكانت السعودية والكويت، في المرتبة الأولى بين الدول التي يعمل فيها أهل الصعيد (طالع المزيد من التفاصيل من إنفوجراف المندرة)، ويقول عبد المحسن إنه كان يعمل بالسعودية منذ سنوات، وكان دخله أفضل بكثير من الآن، إلا أنه تعرض لحادث أثناء عمله، وقف عائقا أمام تكملة العمل، فعاد لبلده ومنها هرب إلى القاهرة بحثا عن العمل.

 

وبعد سنوات من الغُربة في السعودية، تعرض عباس ثابت، 31 سنة، لعملية نصب من ‘‘الكفيل’’ الذي كان يعمل معه، بعد أن طلب منه ادخار المال معه، لكنه عند طلب المال قال له ‘‘مالكش حاجة عندي’’، وكذلك تعرض الأسيوطي محمد عبد الكريم، بعد خمس سنوات من الغُربة في الكويت، لعملية سرقة، لكنه عاد دون ثمن ‘‘كيس فاكهة’’ ليدخل به على أهله.

 

سكن العُزّاب

الرابط بين كل هؤلاء الرجال الذين تحدثت إليهم ‘‘المندرة’’، هو سكن يستأجرونه للإقامة فيه خلال تواجدهم بالعاصمة، ويُعرف بينهم بـ‘‘سكن العُزاب’’، ليس لأنهم غير متزوجين، ولكن لأن جميعهم رجال، ويقول حامد عبد الله، من سوهاج، إن إيجار الشقة التي يقيم مع زملائه فيها، 300 جنيه في الشهر، وأحيانا يتم الحساب بالليلة عندما تقل فرص العمل.

 

لا يتمنى هؤلاء البُسطاء، سوى من يحميهم من الجلوس على الأرصفة، وإيجاد عمل منتظم، كفكرة النقابة، والحقيقة أن هناك العديد من النقابات المعنية بعمال اليومية، منها النقابة العامة للعاملين بالبناء والأخشاب، وأخرى للعاملين بالمحاجر والمناجم، وغير ذلك من النقابات التابعة للاتحاد العام لنقابات عمال مصر.

 

ويقول الدكتور عبد المنعم الجمل، رئيس النقابة العامة للتجارة والأخشاب، إن التعويل على أن التنظيم النقابي هو المسئول عن كل ما يتعرض له عمال اليومية، أمر غير عادي وليس صحيح، لأن معظم النقابات العمالية في العالم أجمع لا تضم جميع العاملين بل نسبة لا تتخطى 10%، وهم المشتركين فيها فقط ومن لهم حق الاشتراك.

 

‘‘هجرة الصعايدة‘‘ أزمة

وعن الصعيد، قال الجمل إن هجرة العاملين من الصعيد إلى مصر، مشكلة حقيقية، تسبب المزيد من الأعباء على الدولة، حيث اضطراب توزيع الخدمات والسلع والمساكن وفرص العمل أيضا، مؤكدا أن وجودهم بين باقي المصريين ليس مرفوضا، ولكن من الأفضل تسوية أوضاعهم في محافظاتهم.

 

وشدد رئيس النقابة العامة للتجارة والأخشاب على ضرورة حل المشكلة من جذورها بتنمية مدن وقرى الصعيد وإقامة مشروعات عملاقة وحقيقية، مشيرا إلى أن الدولة عندما تنظر لمشاكل العمل تبدأ بالمشروعات الصغيرة التي لا تجدي نفعا، وإنما عليها التركيز على المشروعات القومية التي تخدم طبقة عريضة من العاملين والمواطنين.

 

صندوق دعم مصر

وحول إقامة مشروعات تنموية داخل 10 قرى في ثلاث محافظات من صعيد مصر تتضمن مجالات تطوير البنية التحتية وإقامة مشروعات، نوه الجمل إلى أن مصر شهدت المزيد من الصناديق التي حملت آمالا في الهواء للمصريين دون وجودها في الواقع، متمنيا أن يكون صندوق دعم مصر قائم على الجدية والتنفيذ الفعلي.

 

وأشار إلى أن الصعيد خاصة يحتاج إلى خطة منظمة وحوار مجتمعي فعال، يتم من خلاله الدراسة الحقيقية للحلول التي يمكنها الحد من ظاهرة الهجرة الداخلية، مثل تكملة المشروعات التي بدأت بالفعل ولم تستكمل حتى الآن، مثل مشروع طريق (الصعيد – البحر الأحمر)، الذي تم البدء في تنفيذه منذ أربع سنوات، وهو متوقف حاليا، مؤكدا أن تكملة هذا المشروع ستساعد في توفير الكثير من فرص العمل، والتنمية العمرانية، ومشروعات قومية تشفع للعامل البقاء في بلده والعمل بها.

 

ووفقا لعبد المنعم الجمل، فالنقابات العمالية تساهم بشكل فعال في تحسين ظروف المشاركين فيها من عمال اليومية، فتقدم لهم الدعم المالي والمهني والدورات التدريبية، وهناك أربعة لجان مهنية معنية بذلك، أعضاءها من شتى المحافظات سواء القبلي أو البحري.

 

وعن عدم معرفة العمال لوجود تلك النقابات أو المشاركة فيها، رأى الجمل أن معظم هؤلاء العمال لا يمتلكون الوعي الكافي وكثير منهم متهرب من الخدمة العسكرية أو لا يمتلك بطاقة رقم قومي، فكيف يدرج في النقابة دون توفر شروط العضوية.

 

وأكد الجمل أن الدولة، ممثلة في وزارة القوى العاملة والهجرة، تتحمل جزءا كبيرا من مشكلة الهجرة الداخلية، لأنها لا تقدم الوعي الكافي للعمال، مع عدم اهتمامها بتوفير فرص العمل داخل الصعيد، كما تلعب وزارة التأمينات أيضا دورا هاما في حماية هؤلاء المهاجرين من الضياع.

 

You must be logged in to post a comment Login