دير العذراء مريم ببني سويف.. تحفة قبطية نادرة

** شيد في القرن الرابع الميلادي وتم ضمه لبني سويف عام 85 بعد تبعيته للفيوم

 

بني سويف: محمد حسين

أكثر من ستة عشر قرنا ونصف مرت على إنشاء دير العذراء مريم أو دير الأنبا إسحق، والشهير بـ”دير الحمام” نسبة إلى قرية الحمام التابعة لمركز بمحافظة بني سويف، حيث يقع الدير غرب القرية، ويعتبر متحفا فنيا صغيرا، حيث يضم بداخلة كنوزا نادرة وتحف قبطية قيمة، فيحتوى على أدوات المذبح المصنوعة من النحاس، والتي كانت تستخدم قديما، كما يوجد به أقدم قطعة نسيج قبطية، وبه حجر المعمودية المصنوع من الجير الذي يعود إلى القرن الرابع الميلادي.

 

تبعد قرية الحمام ستة كيلو متر شمال غرب مركز بمحافظة الفيوم على طريق الصحراء الغربية، وعرفت قرية الحمام بهذا الاسم نسبة لانتشار حمامات أميرات الفراعنة بها، تخليدا لذكرى الآثار الفرعونية، وتم إنشاء الدير بها عام 346 م أي في القرن الرابع الميلادي.

 

ظل الدير محسوبا ضمن محافظة الفيوم حتى عام 1985، حيث أصبح تابعا لمحافظة بني سويف من ناحية التقسيم الإداري، حيث تم ضم قرية الحمام لتتبع مركز ناصر بمحافظة بني سويف. ومن أعلى دير السيدة العذراء يمكن رؤية هرم سنوسرت الثاني الشهير بهرم اللاهون، والذي يبعد عن الدير مسافة خمسة كيلو متر.

 

يعد الدير من أقدم الأديرة الموجودة ببني سويف، ويعتبر من الأماكن التاريخية والأثرية حيث أسسه القديس الأنبا إسحق أب جبل البربمبل وجبل مفسط، وهو أحد تلاميذ الأنبا أنطونيوس، وهو من بلدة أبو يط بمركز الواسطي ببني سويف من حدود منف، ترهب بجبل الشركة بإقليم الفيوم وسكن فيه، وظل مقيما به حتى زيارة الأنبا أنطونيوس له.

 

شرح الأب زوسيما، مسئول الدير، قصة بناؤه لـ”المندرة”، حيث قال إن قصة الدير ترجع إلى ظهور ملاك الرب للأنبا أنطونيوس، حيث قال له “امضي إلى جبل الشركة بإقليم الفيوم، لأنه سيكون لك أولاد رهبان يصير منهم كهنة ورؤساء كهنة إذا ما حفظوا وصاياك”، وسار أنطونيوس إلى أن وصل النهر ومشى على المياه كالأرض حتى وصل للبر الآخر، ولم تبتل قدماه فحمد الرب على ذلك، بحسب زوسيما.

 

تابع زوسيما أنه عند وصول الأنبا أنطونيوس لجبل الفيوم، وجد عبادا به فسألهم عن سر وجودهم فأخبروه بأن لهم 17 سنة مقيمين بالجبل، بأمر من “قسطنطين الملك”، وذكروا له أنه يوجد الكثير بالجبل، وأن الملاك أخبرهم بحضور الأنبا أنطونيوس إليهم ليلبسهم الإسكيم المقدس للرهبنة، فلما سمع الأنبا أنطونيوس هذا الكلام منهم أخذهم إلى الكنيسة بالجبل، وصلى عليهم أمام المذبح صلاة الرهبنة وألبسهم الإسكيم المقدس.

 

أشار القس زوسيما إلى أن السيدة العذراء مريم ظهرت بالكنيسة وقالت للأنبا أنطونيوس سيأتي رجل دخل المسيحية من سلالة ملوك الفرس، وينصب بستانا هنا بجبل الشركة بالفيوم “مقر دير الحمام حاليا”، ولا يسكنه إلا الفعلة الأبرار، وأن رجل آخر سيبني هذه الكنيسة بالجبل، ويبنى بيعة عظيمة على اسم الملاك غبريال، وأن هذا الشاب سيكون رئيسا على ألف وخمسمائة راهب، وسيكون أسقفا على الفيوم، وسيكون لك ابنا اسمه الشاب إسحق يتمجد اسمه بعد مقاريوس، وهو الذي يفرق الشياطين واليونانيين الكفرة الذين في جبل البرمبل.

 

أوضح زوسيما أن القديس أنطونيوس اصطحب الأنبا إسحق إلى جبل البرمبل، الذي تسكنه جماعة كبيرة من الشياطين، فرآهم الأنبا أنطونيوس ودعا للأنبا إسحق، قائلا “تقوى يا بني لأن الله أقامك وأنت تقاتلهم وتغلبهم وتكون العذراء معك، وداوم على الصلاة والصوم لئلا يجرحونا”.

 

واستطرد مسئول الدير قائلا إن الأنبا أنطونيوس ترك الشاب إسحق بعد أن أرشده وعزاه، ومضى إلى ديره بجبل الخزائن بالإسكندرية، ووجد القديس إسحق مغارة منحوتة أقامها الوثنيون لتقديم ذبائحهم، فسكن بها وعاش مداوما على الصلوات والجهادات الكثيرة ضد الشياطين، وجاء إليه بعض الوثنيين من ناحية جبل مفسط، والذين كانوا قد آمنوا بالسيد المسيح فوعظهم وأرسلهم إلى أسقف الفيوم، الذي عمدهم باسم الثالوث القدوس ورجعوا مرة أخرى إلى بلدهم وأقاموا بها، وبذلك تأسس دير الأنبا إسحق أو دير العذراء مريم الشهير باسم دير الحمام في جبل مفسط.

 

كشف القس زوسيما، عن أنه في فترة من الفترات تناقص عدد الرهبان بدير “الحمام” حتى أصبح الدير خاويا وفى طي النسيان، مضيفا أنه أثناء عملية ترميم الدير في الفترة من 1985 إلى 1987 وجدوا ذراعان لشهيد كان عمره عند استشهاده يزيد عن ثمانية عشر عاما، محفوظة بمقصورة داخل دير العذراء مريم، وأجرى الله بشفاعة هذا الشهيد معجزات كثيرة منها معجزة بناء سور ضخم فوق السور الأصلي للدير بواسطة حشرة تسمى “دبور الطين”، حفظته من السقوط، وهذه الحشرة تأتى كل عام من العاشر من يناير إلى العاشر من مارس، وتقوم بجمع حبوب اللقاح من زهرة الفول الأخضر وبواسطة الطفلة التي في الجبل تبنى عشها، والذي يشبه كيس القطن الصغير، وفى العاشر من مارس تدخل الأم داخل السور وتغلق على نفسها وتموت، ويكمل البيض دورة حياته، لتخرج حشرات جديدة في العاشر من يناير العام التالي، حتى أصبح سمك السور في بعض الأماكن من متر إلى مترين ونصف، فحفظت الحشرة هذا المكان من الاندثار.

 

وبالنسبة للكنيسة الملحقة بالدير، قال القس زوسيما إنها تلتصق به من الناحية الشمالية الشرقية، على ثلاثة أعمدة تمثل ثالوث القدوس، اثنان ظاهران للداخل ويمثلان “ابن الكلمة المتجسد والروح القدس”، أما العمود الثالث فخلف حامل الأيقونات ويمثل “الأب غير المنظور” الذي لم يره أحد قط، ولتلك الكنيسة سبع نوافذ تمثل أسرار الكنيسة السبعة.

 

تتبع الكنيسة في تصميمها التخطيط البازيليكي المستطيل، ولها ثلاثة عشر قبة غير منتظمة منها اثنتي عشرة تعلو الخوارس، والأخرى أعلى المذبح الأوسط وهى مثال “السيد المسيح”، وتنقسم من الداخل إلى ثلاثة أروقة، وتضم الكنيسة بداخلها كنيستين صغيرتين، واحدة على اسم القديس “إبرآم”، أسقف الفيوم والجيزة، والكنيسة الثانية “مكرسة للآباء السواح”.

 

تتزين كنيسة العذراء مريم بمجموعة من الأيقونات الأثرية المرسومة على رق غزال، وهى أيقونات روسية الأصل ويظهر واضحا فيها الفن الروسي بملامحه الحادة، فتوجد أيقونة العذراء مريم، وأيقونة لرب المجد يسوع المسيح، وأيقونة للقديس العظيم مارجرجس، كما نجد أيقونة لرئيس الملائكة ميخائيل وترجع جميع هذه الأيقونات لأكثر من خمسمائة سنة.

 

ووردت أقدم إشارة تاريخية عن دير القديسة العذراء مريم في رواية “أبى صالح الأرمني”، الذي أشار إلى أن الدير يقع بشمال بلدة اللاهون في مكان يسمى “برنيودة” على جبل قبلي الفيوم، وذكر أنه يُعرف باسم دير أبو إسحق، وأن به بيعتان إحداهما مكرسة باسم القديسة العذراء مريم يصف عمارتها بأنها محكمة البناء والهندسة، والأخرى مكرسة باسم الشهيد أبو إسحق، وأن الدير يحيط به سور يتميز عن باقي أسوار أديرة مصر بأنة يتكون من ثلاثة أسوار من الحجر.

 

الجدير بالذكر أن محمد رمزي، رحالة، قال عن قرية الحمام، في قاموسه الجغرافي “دليل سنة 1224هـ” إنها من النواحي القديمة التي وردت في تاريخ الفيوم وبلادها، وهى تحفة من الأعمال الفيومية، لأنها كانت تابعة للفيوم في ذلك الوقت. وقال عثمان النابلسي، من مؤرخي القرن الخامس عشر الميلادي، عن الدير في كتابه “تاريخ الفيوم وبلاده” المسمى بصنعة الحي القيوم في ترتيب بلاد الفيوم، إنه يعد ضمن كنائس وأديرة الفيوم قبل ضمه لبنى سويف.

 

وكتب عن الدير العديد من الكتاب والمؤرخين، منهم فتحي خورشيد في بحثه “كنائس وأديرة محافظة الفيوم منذ انتشار المسيحية حتى نهاية العصر العثماني”، وأبو المكارم في تاريخ للقرن الثاني عشر الميلادي، وعلى باشا مبارك فى “الخطط التوفيقية” الذي طبع سنة 1888، قائلا” دير السيدة العذراء بين اللاهون والحمام فى الجبل، هو دير قديم وكان مخزن للديورة، وقد زاره دوق سكسونيا جوهان جورج، أرجع بابه الخشبي المزخرف إلى القرن الخامس الميلادي، وتيجان أعمدته إلى القرن السادس”.

 

أوضح المؤرخ ميناردس، أن الدير له أهمية كبيرة نظرا لوجود كثير من شقف الفخار المنتشرة في الأرض حول الدير، وأشاد بموقع الدير من حيث الندرة، وقال عنه نيافة الأنبا صموئيل أسقف شبين القناطر المتنحي فى كتابه “دليل الكنائس والأديرة فى مصر” إن الدير ينسب للسيدة العذراء وأحيانا لأبى إسحق، وجدده أمين ميخائيل البتانوني في القرن 19 الميلادي، وأوقف على تجديده خمسة أفدنة، أي خصص عائد الخمسة أفدنة لتجديده.

 

You must be logged in to post a comment Login