دير الأنبا بولا ببني سويف.. أقدم دير رهباني في العالم

**الكنيسة شاركت في ثورة 1919 ورفعت شعار تعانق الهلال والصليب

 

بني سويف: محمد حسين

أكثر من مائتي عام مضت على تأسيس دير الأنبا بولا بمركز ناصر بمحافظة بني سويف، والذي تم إنشائه على مساحة للأراضي الزراعية بلغت حوالي ألف و34 فدانا، وتم تقليصها إلى مائتي فدان فقط، بعد قوانين الإصلاح الزراعي في عهد الزعيم الراحل جمال عبد الناصر.

 

ودير الأنبا بولا، عبارة عن مزرعة للأنبا بولا، أول السواح بالبحر الأحمر، ويبعد الدير عن مدينة بني سويف بحوالي سبعة كيلو متر من الشمال، على الطريق الزراعي، الذي يربط بين القاهرة وأسيوط، حيث تُرى منارة الدير من الطريق.

 

يوجد بالدير أربعة رهبان، يقيمون بصفة مستمرة، وهم القمص باسيليوس الأنبا بولا، وهو وكيل الدير، والقس كيرلس الأنبا بولا، مسئول عن الزراعة، والثروة الحيوانية، والقس يونان الأنبا بولا، مسئول عن الشئون الإدارية، ومراسم الزواج، والقس أسطفانوس الأنبا بولا، مسئول الكنيسة، والخدمة في البلد، ويوجد بالدير أيقونة للسيدة العذراء، يبلغ عمر هذه الأيقونة 140 سنة تقريبا، أما منارة الدير فهي مبنية منذ 63 سنة، وقصر الضيافة منذ عشر سنوات تقريبا.

 

قال القس أسطفانوس إن الدير يعد من الأماكن الأثرية والتاريخية بمركز ناصر، حيث ترجع قصته إلى أن الأنبا بولا، ولد بمدينة الإسكندرية عام 228م، وعندما توفى والده ترك له ميراثا كبيرا، واختلف مع أخيه الأكبر على هذا الميراث، فذهبا إلى حاكم المدينة في ذلك الوقت، وبينما هما ذاهبان في الطريق رأى الأنبا بولا جنازة يتقدمها حشد كبير، وتساءل قائلا “تُرى من يكون هذا؟”، فأجابه أحد المشيعين أن هذا الميت من أثرياء المدينة وعظمائها، وهو الآن محمول إلى مثواه الأخير، ولا يحمل معه شيئا، مما كان عنده من الخيرات.

 

وتابع أسطفانوس، أن الأنبا بولا عندما سمع هذا الكلام نظر إلى أخيه وقال له “ما لنا يا أخي والذهاب إلى الحاكم هيا بنا نعود إلى البيت”، وفى الطريق ترك أخيه وأتجه إلى مكان مهجور، ومكث فيه ثلاثة أيام يصلى إلى الله لكي يعرفه الطريق الذي يسلكه، واهتدى بواسطة ملاك من السماء للذهاب إلى الصحراء الشرقية، بجوار عين ماء وبعض النخيل، وعاش ما يقرب من 90 عاما، ولم ير وجه إنسان حتى وفاته عام 343 م، ودفن في مكان سكنه، ومن هذا التاريخ توافد محبو الوحدة والهدوء إلى هذا المكان، وأصبح دير الأنبا بولا العامر بالرهبان، مكان ذو شهرة عالمية، وهو أقدم دير رهباني في العالم، بحسب رواية أسطفانوس.

 

وأشار القس أسطفانوس، إلى أن رهبان الدير الأوائل اتخذوه مقرا لسكناهم بنواحي محافظة بني سويف، وذلك لتلبية احتياجات الدير بالصحراء من المؤن، ولوازم المعيشة، وذلك في عهد البابا يؤنس البطريرك 103، موضحاً أن رئيس دير الأنبا بولا اتخذ من المقر سكنا ببوش لإقامته بطريركا، باسم البابا بطرس السادس البطريرك 104.

 

وأوضح أن المبنى الحالي للدير شيدت قلالية “حجرات سكن الرهبان” في عام 1875، وتم بناء كنيسة بداخل المبنى للصلاة والعبادة للرهبان المقيمين بهذا المكان، وأقيمت الكنيسة بالنظام البيزنطي، حيث يوجد بها 12 قبة متساوية، منها تسعة لصحن الكنيسة، وثلاثة للهياكل، مؤكداً أن الهياكل الثلاثة الأوسط باسم الأنبا بولا، صاحب هذا المكان وبه حامل أيقونات من الخشب المطعم بالصدف “قبلي، وسط، بحري”، وأنه عند الصلاة في الكنيسة يكون الأب الكاهن داخل هذا الهيكل، ثم يأتي مكان فخورس المشامسة، ويتواجد الناس في فناء الكنيسة، جانب للرجال وجانب للنساء.

 

يوجد بالكنيسة مجموعة أيقونات منذ عام 1858، ومجموعة أخرى منذ عام 1870، والتي قام بصناعتها، الفنان ميلاد حنين، من النحاس النادر بأسماء “السيدة العذراء، والسيد المسيح، ومارجرجس، وأكليل الشوق، والعائلة المقدسة في أرض مصر، والأنبا أخونيوس، والأنبا بولا، والبابا كروليس السادس”، وحدثت بعض التجديدات بالكنيسة على مر الزمان، حيث تم إنشاء القصر القديم منذ عام 1905م، ويختص الدور الأول باستقبال الضيوف، أما الثاني فهو خاص بسكن رئيس الدير، كما أنشأت المنارة الجديدة منذ 85 سنة، وهى شاهقة الارتفاع، مع وجود منارة قديمة منذ إنشاء الكنيسة، وهى عبارة عن قبة فوق الكنيسة.

 

وفي أعلى الجانب البحري للكنيسة، يوجد ما يسمى بالمشربية، والتي كانت تستخدم إذا لم يستطع أحد الرهبان النزول للصلاة في الكنيسة، فيتخذها مكان لاستماع القداس مع رؤيته للمصلين من تحته، وهناك ثلاث مذابح بداخل الكنيسة، هي “مذبح الأنبا بولا أول السواح – مذبح الأنبا أنطونيوس أبو الرهبان – مذبح السيدة العذراء مريم”.

 

وتحتوي الكنيسة في جانبها البحري، على ملحق يسمى بـ”المندرة”، وسقفها مكون من خشب النخيل والجريد، وهى مكان للمصلين إذا زاد العدد في الكنيسة بالداخل، ويأتي الزائرون إلى الكنيسة من كل أنحاء مصر، وأيضا وفود من الدول الأجنبية، مثل إنجلترا وفرنسا.

 

وفي ثورة 1919، كانت كنيسة الأنبا بولا تُرمم، فشاركت في ورفعت شعارها تعانق الهلال والصليب، ويظهر ذلك جليا فوق منارة قصر الضيافة بالدير، وهكذا أصبحت كنيسة الأنبا بولا بناصر، رمزا لتآخى وتوحد المسلمين والأقباط.

 

 

You must be logged in to post a comment Login