“دعبس في النوبة” .. يكشف حضارة عظيمة منسية

** “الست” كلمة نوبية تعني “المحترمة” .. و”جاك ماو” تعني أكلك أسد

المندرة: مها صلاح الدين

في أجواء بنفحات نوبية، في ضيافة التحرير لاونج بوسط القاهرة، على أنغام محمد منير، وبعض المتعلقات والأدوات التي تعود إلى الطراز النوبي، أقام فريق آكت المكون من بعض الطلاب من جامعة عين شمس أول فاعليات مشروعه “دعبس في بلدك”، لتكون أول فاعليات “الدعبسة” في ، بمحاولة استحضار الروح النوبية، ومنحها لجميع الحضور في تميمات يدوية بسيطة، كهدية من روح .

 

افتتحت الفاعلية ندى خالد، أحد مسئولي المشروع، بأن الهدف الأساسي لـ”دعبس في بلدك” هو تغيير مسار المناهج التاريخية المملة، وغير المجدية، والتعرف على تاريخ مصر الحقيقي بطريقة مشوقة بسيطة، لتكون مصر بالنسبة لهم عبارة عن “شكمجية مجوهرات” نقتنيها، ونتعامل معها وكأنها شيء مألوف أو معتاد، إلا أنها مليئة بالكنوز والنوادر غير التقليدية، لذا أقاموا دعوة الدعبسة في تلك “الشكمجية”، في أكثر كنوز مصر ثراءً .. “النوبة” .

 

تخلل الفاعلية محاضرة بعنوان “عبقرية النوبة” لبسام الشماع، الكاتب المتخصص في الشئون النوبية والمرشد السياحي، والذي أقر بحبه للنوبة وانتمائه لها، رغم أنه سكندري النشأة، إلا أن حب النوبة قد احتله منذ اصطحبه أبيه في رحلة إلى أسوان، لينبهر بها وبأجواء النوبة، ويختار طريقه كمرشد سياحي، وعالم مصريات متخصص في الشئون النوبية.

 

“لعلك تدري أنك نوبي، ورغم الحضارة النوبية المميزة، والتي توازي جميع حضارات الجنوب في جميع البلدان، إلا أن النوبة مازلت تاريخيًا لا تأخد حقها، بل ولا توضع على الخريطة”

 

هكذا، استهل الشماع محاضرته عن النوبة، التي تخللها معلومات ونوادر غير معروفة عن النوبة، والتي تؤكد عظمة وعراقة تلك الحضارة، بداية من أهراماتها التي تقع حاليًا في النوبة السودانية وهم 180 من الأهرام الصغيرة التي تعد قيمتها أثمن من قيمة الهرم الأكبر، حيث أن مكوناتها كمكونات كساء هرم منقورع من الجرانيت باهظ الثمن، الذي لا يوجد سوى بأسوان، كما تحدث عن تمثال نوبي صغير للملك طرهاقة، والذي يمكث في أحد المتحف الأوروبية، كما يشابه في الهيئة أبو الهول، إلا أنه يعد تحفة فنية بحق لأنه منحوت من الجرانيت على مساحة صغيرة من الحجر، مما يبين حرفية الفنان الذي نحته، ويغالي في صعوبته.

 

ويعلل الشماع فكرة صنع تماثيل على هيئة أسود، بأن الأسود كانت تعيش مع الإنسان في صعيد مصر والنوبة بكل هدوء حتى العصر الإسلامي، فأحمد بن طولون كان يربي بقصره أسدا يسمى بالزريق، عيناه زرقاء وهو ما كان نادرا في الأسود، وكان يأكل معه على المائدة نفسها، ولم يسجل التاريخ له حادثًا واحدًا، كما أثر ذلك على لهجتنا العامية، حيث كان الأسد في الهيروغليفية يسمى “ماو”، فأصبحنا نقول في لهجتنا العامية “جاك ماو”، أي “أكلك أسد”، كما كان المصريون القدماء لا يطلقون على الملوك صفة إنسان، بل هو بالنسبة لهم أسد.

 

وأكد الشماع على تأثر العالم أجمع بالحضارة النوبية القديمة، حيث كان لدى النوبيين القدماء آلة موسيقية تسمى بـ “الكسر”، وحينما انتقل النوبيون وقت الفيضان إلى بقية المدن المصرية، طورها أهالي منطقة القناة لتصبح القيثارة، وفيما بعد السمسية لدى أهالي الإسماعيلية، ليس ذلك فقط، فقد وصلت القيثارة إلى الأندلس لتتطور وتصبح آلة الجيتار المعروفة، ومن ثم يعود الجيتار إلى الحضارة النوبية على حد قوله.

 

وأضاف الشماع أن الكرنك ليس معبدا واحدا، بل هو عدة معابد قصرها المؤرخ المصري في معبد الكرنك، كما أنه يعد أكبر معبد في العالم بعد معبد أمينوس في تركيا الذي هوى ليفسح الطريق للكرنك كي يتصدر موسوعة جينيس. وأشار إلى صعوبة التعرف على الديانة النوبية القديمة والإنسان النوبي، إلا من خلال المقابر القديمة، فقد وجدت النكتة على جدران تلك المقابر، وليس كما يدعي الأثريون وكُتاب الأفلام الدرامية، أن مقابر المصري القديم مرتبطة بكتاب الموتى، بل أخذ المصري القديم معه كل ما يجلب إليه السعادة. وكان من الأساسيات المقدسة التي يجب أن تخلد في العالم الآخر عند الإنسان القديم “الإسم”.. لذا كان الملوك حينما يغضبون من بعضهم، يحاولون إفساد أسماء بعضهم الموجودة على جدران المعابد والمقابر، لأن بهذا لن يستمر ذلك الملك بالحياة الأخرى على حسب إعتقاداتهم.

 

كان الجسد من أهم مقومات الحياة الأخرى، لذا لجأوا لفن التحنيط، ومن ثم يطلق الشماع دعوة لعودة المومياوات إلى مقابرها تقديسًا لحرمتها، واحترامًا لها، كما أضاف أن كلمة “جتة ” التي تعني الجسد بالعامية المصرية، تعني “غت” أي جسد بالنوبية، لذا شدد الشماع على ضرورة عودة تدريس اللغة النوبية بالمدارس أيضا، والتي تحوي العديد من دهاليز وكوامن التاريخ بداخلها، كما أن المصري القديم كان يعتقد أنه سيصطحب معه في الحياة الأخرى الروح، والطاقة، والظل.

 

وروى الشماع الأسطورة الشهيرة لإيزيس وأوزوريس، والتي يكمن فحواها في زواج إيزيس من أوزوريس وأنجبت منه الملك حورس، أما “ست” إله الصحراء والكوارث، الأخ الأكبر لأوزوريس، قد تزوج من “التفنيس”، إلهة الندابات، فأعجب ست بإيزيس إلهة الجمال وقتل أخيه من أجل أن يتزوج منها، لذا كلمة “إيتيست” التي تحولت فيما بعد لـ “إيزيس” تعني المحترمة، ومنها انبثقت كلمة “الست” التي نستخدمها في العامية المصرية احتراما وتبجيلًا لأي سيدة عظيمة، مثل “الست أم كلثوم”.

 

وقال الشماع أن السيدة التي تستحق التبجيل فعلًا في الحضارة المصرية الجنوبية القديمة، هي الملكة “تي”، وهي زوجة أمنتحت الثالث، والتي بنى لها معبد في النوبة، من ضمن معابد معبد الأقصر الكبير، والذي يعد مجمع للحضارات الهيروغليفية، واليونانية، والرومانية، والديموطيقية، كما أنها أم أمنحتب الرابع، وجدة الملك توت عنج آمون، والتي كانت سيدة في منتهى الحكمة والرشد، كما أنها كانت “حماة” الملكة نفرتيتي” والتي يعني إسمها “جاء الجمال”، ويرجع الشماع جذور الملكة “تي” إلى جذور نوبية، وقد إختلف معه المؤرخون في ذلك، إلا أنه أثبت ذلك بتمثال لها وجد في إحدى المتاحف الأوروبية يوثق نوبيتها.

 

وصنع النوبييون القدامى اختراعا أعظم من الهرم، على حد قول الشماع، حيث أقاموا في منطقة بالنوبة تدعى “نبتة بلايا” أول ما يوثق الوقت والتاريخ وتغيير فصول السنة، وهو عبارة عن دائرة في الصحراء منظومة من أحجار بأحجام وأشكال مختلفة، مرتبة بشكل منظم كثيرا ما تشبه الساعة، ومنها كانوا يعرفون مواقيت الزراعة، مواسم المحاصيل.

 

وأخيرًا أكد الشماع أن كل هذا ليس إلا قشورًا من كنوز النوبة، التي ما زالت تحوي الكثير والكثير، كما أكد أن تمثيل النوبة في لجنة صياغة الدستور قليل جدًا ولا جدوى منه، و أن هذا ليس من العدل.

 

You must be logged in to post a comment Login