حينما تكون الحياة بـ100 جنيه في الشهر

مائة جنيه مصري

مائة جنيه مصري

الأقصر: أسماء أبو بكر الصادق

المنيا: رشا علي

الفيوم: ولاء كيلاني

تخيل أن تعمل شهرًا كاملًا من أجل الحصول على ورقة واحدة، قيمتها 100 جنيه، هي نفس الورقة التي يصرفها كثيرون في ساعة واحدة، على إحدى وسائل الترفيه، الذي بات أمرًا منسيّا لهؤلاء الذين يعتبرون ورقة أخرى، بقيمة 200 جنيه، ترقية وزيادة يحلمون بها، فـ‘‘كيف يكون شكل الحياة حينئذ؟!’’.. هذا هو السؤال الذي تطرحه ‘‘المندرة’’.

 

تبدأ أسماء عملها منذ الساعة الثامنة صباحًا، فتترك طفلها ذي الست سنوات في مدرسته، وتذهب إلى الحضانة بالجمعية الخيرية حيث تعمل، أحيانًا تحضر معها بعض الطعام الذي تتناوله على الإفطار، وأحيانا أخرى قد لا تسعفها الظروف المالية، عندما ينفد مرتبها، 110 جنيهًا، فتقوم بتدريس حصة اللغة الإنجليزية للأطفال، ثم اللغة العربية، فالرياضيات، فالقرآن الكريم، فهي تُدرّس أربعة مواد، بنفس المقابل المادي.

 

تقول الأقصرية أسماء إن ‘‘تعليم الأطفال مش سهل إطلاقًا، والمرتب حتى ما بيكفيش أجيب فطار عشان أقدر أواصل الشغل، بس مضطرة أفضل في الشغلة دي لأن زوجي مش هيقدر على مصاريفنا لوحده، نفسي ألاقي كمان وظيفة جمبها عشان أصرف على ابني كويس ومخليهوش محتاج حاجة’’.

 

تَعلَم مُدرّسة الأطفال أن الجمعية يأتي لها تبرعات مادية كبيرة، إلا أنها لا تعلم ‘‘أين تذهب تلك التبرعات’’، لدرجة أن الإدارة لا تتمكن من رفع مرتبها حتى لـ200 جنيه.

 

بالنسبة لامرأة مُطلّقة، تعول طفلها الصغير، 3 سنوات، لا يساعدها طليقها على مصاريف الطفل سوى بعشرات الجنيهات فقط إذا مرِض الطفل، كان العمل ضرورة لا مفر منها، حتى ولو كان براتب شهري 100 جنيه.

 

عديلة أحمد، 26 سنة، من المنيا، تعمل في إحدى مكتبات الأدوات المدرسية، لأنها لم تجد بديلًا آخر، فالمكتبة قريبة من منزلها، وتسمح لها برعاية طفلها بين الحين والآخر.

 

تعمل عفاف في هيئة محو الأمية وتعليم الكبار بالمنيا، وتتقاضى عن ذلك مبلغ يتراوح بين 90 و 100 جنيه شهريًا، بخلاف الحواجز التي لا تزيد عن ربع المبلغ، وإجمالي المبلغ لا يساعدها في سد إحدى خانات المعيشة، وأبسطها الدروس الخصوصية لأبنائها، حتى اضطرت لفتح ‘‘بقالة’’ داخل المنزل.

 

المائة جنيه، لا تحصلها ‘‘أم محمد’’ كاملة، فهي تتقاضى أجرها باليومية، بواقع 6 جنيهات في اليوم، حيث تعمل ‘‘فرّاشة’’ في إحدى المدارس الحكومية بالفيوم، منذ حوالي 15 عاما، ‘‘وياريت باخدهم كاملين، كل يوم والتاني يتخصملي 10 أيام’’، بسبب تعنت المدير معها، وتحكي موقفًا من ذلك التعنت قائلة ‘‘كنت مرة بمسح الحمام ومخلصة تنضيف الحوش، والمدير كان معدي لقى فيه زبالة، معرف شجت منين، راح خاصملي 10 أيام’’.

 

التأخير عن العمل في حياة ‘‘أم محمد’’، يعني خصم عدة جنيهات كانت ستُصرف في سد حاجة هامة، قد تكون الطعام والشراب في يوم ما، فهي امرأة تجاوزت الخمسين عامًا، وتعيش وحدها بعد أن تزوج ابنها الوحيد منذ خمس سنوات، ويعيش بالقاهرة، ويرسل لها مبلغًا ‘‘على القد’’ كل فترة، يكفون بالكاد الطعام والشراب.

 

المرأة المسنّة تقوم بمسح الحمّامات وتنظيف الفناء والفصول، وتبيت لياليها في المدرسة أيام الامتحانات، دون أي أجر إضافي، فقط بعض المساعدات البسيطة، جنيه أو أقل، من الطلاب، معتبراهم ‘‘ولادي وأحفادي’’.

 

وعن ثلاثة عشر ساعة من العمل في محل ملابس بالفيوم، تتقاضى إيمان 120 جنيهًا، حيث تعمل من الساعة الثامنة صباحا حتى التاسعة مساءً، تقضيها على قدمين قائمتين طوال النهار، متحملة كل ذلك فقط لأنها أرملة، ولا تطمح سوى لتربية طفلتيها، دون معاش عن زوجها الذي يعمل حدادًا.

 

‘‘بدل ما أتسول أنا وولادي، اللي هيديني النهارده مش هيديني بكره’’، هكذا قالت إيمان معبرة عن قلة حيلتها، فشقيقها يساعدها بالمستطاع على قدر ظروفه الضيقة، ويعطيها وبناتها الملابس القديمة التي كانت لبناته، ويدفع لها إيجار الغرفة التي تسكنها وبناتها، بخلاف مساعدة إحدى الجمعيات الخيرية لها، عن طريق حضور بناتها الدروس الخصوصية هناك.

 

مع دخول موسم المدارس، وزيادة حاجات البنتين، اضطرت إيمان للعمل في خدمة البيوت أيام الجمعة، لفترة كبيرة، لكن صحتها الآن لم تعد تسمح بذلك، وتفضل الجلوس بقرب بناتها في يوم أجازتها الوحيد، واختتمت حديثها قائلة ‘‘استغنيت عن القرش الزيادة اللي داخل لي عشان أقعد مع بناتي وأعمل لهم أكل وأخدمهم يوم الجمعة، هنعمل ايه، ربنا بيقضيها’’.

 

You must be logged in to post a comment Login