‘‘حريم الثأر’’ في الصعيد.. متضررة دائما ومحرضة أحيانا

المرأة الصعيدية مُحرضة على الثأر أم إحدى ضحاياه

المرأة الصعيدية مُحرضة على الثأر أم إحدى ضحاياه

أسيوط: رشا حمادة

عبارة ‘‘مش هتبقى ابني ولا أعرفك إلا لما تاخد بالتار’’، كوسيلة تشحن بها المرأة الصعيدية ابنها أو أخيها أو أي من رجال أسرتها، على الأخذ بالثأر، وتنمي بداخلهم الوازع الانتقامي والعصبية حتى تترسخ الفكرة لتصيب الهدف، هي فكرة شوهت بها الدراما شكل المرأة الصعيدية، وألصقت بها تهمة التحريض على الثأر، مع سبق الإصرار، طيلة سنوات، لكن مع تعاقب الأجيال، والاهتمام بتعليم الفتيات، زاد احتمال أن تندثر تلك الموروثات، وهو ما حاولت ‘‘المندرة’’ التأكد منه، والتعرف على موقف المرأة بالصعيد حيال التهمة التي ألصقت لها عبر الأجيال.

 

داليا عبد الفضيل، فلاحة بقرية كوم المنصورة، مركز أبنوب بأسيوط، قالت إن المرأة لم تقم بالتحريض على الأخذ بالثأر، فالخصومة تستلزم شراء سلاح ونحن لا نملك قوت يومنا، أما (ح.هـ)، الشابة المتعلمة خريجة كلية الآداب قسم لغة إنجليزية، وتعمل موظفة بجامعة أسيوط، فغلب على فكرها التنشئة الصعيدية، فهي لديها شقيقين، وقُتل أبيه منذ سنوات، فأخذت تشحن أخيها الأصغر، وتدفع به ليأخذ بثأر أبيها، حتي جاء لها جثة هامدة، وعاشت سنوات طريحة الفراش في صمت أثر الصدمة، ولكن بعد أن عادت لحياتها الطبيعية، أكدت لنا أنها تريد من شقيقها الآخر أن يأخذ بثأر أخيهم، ولكن ليس الآن، فأبنائه صغار وليس لديهم رجل سواه في المنزل.

 

إصرارها على الأخذ بالثأر بعد أن فقدت أبيها وأخيها، كان لمجرد أن تشفي غليلها، وعندما سألناها كيف تفكر بهذه الطريقة، في حين أنها متعلمة، ضحكت بسخرية وتهكم على واقعها المرير، ثم قالت ‘‘لو عشتي عيشتي وتربيتي وضرب النار مبيفارقش باب بيتك، ولما تفقدي أبوكي وأخوكي في خمس سنين وأولاد عمك ياخدوا أرضك بالقوة، ساعتها هتعرفي كمّ الغل والظلم اللي جوايا رغم العلم!’’.

 

الأخ الأكبر لـ(ح.هـ)، رغم مرور سنوات على مقتل أبية وأخيه، إلا أنه في حالة نفسية بالغة السوء، ولا يخرج من بيته مطلقا، خشية من رصد الخصوم من أولاد عمومتهم، ومن نظرة الجيران، ويرى كل شيء من حوله ينزف دمًا من كثرة الغل الذي بداخله، فينوي الأخذ بالثأر حتى يهدأ، لكنه منتظر حتى يكبر أبناءه.

 

المرأة الصعيدية في نظر ‘‘حمدي’’، ابن مركز منفلوط، متضررة من الثأر وليست محرضة عليه،فهي تفقد أعز ما لها واحدا تلو الآخر في تسلسل زمني، فكثير من الحوادث تسفر عن مقتل اثنين وثلاثة وأربعة من نفس العائلة، وربما أكثر، في نفس الوقت، أو خلال شهر على الأكثر، فأصبح الأخذ بالثأر عادة يتبعها الناس حتى لا يتم معايرتهم وتصبح سيرتهم ‘‘كاللبانة’’.

 

طارق محمد، رأى أن المرأة لم تدفع رجالها للأخذ بالثأر، لكن التهافت على شراء السلاح وشيوعه، جعل الجريمة أمرا سهلا بضغطة زناد، ويليه مسلسل الثأر، وروى مشهدا عن فلاح يمشي حافيا بالشمس الحارقة، ويرتدي جلبابا ممزقا، ويحمل فوق ظهره سلاحا يتعدى ثمنه 10 آلاف جنيه.

 

اتفق محمد عبد المعتم، 23 سنة، مزارع قروي من عرب العوامر بأبنوب، مع سابقه، حيث قال إن تحريض النساء ليس هو الدافع وراء استمرار عادات الثأر بالصعيد، إنما الخشية من العار، والوصم الذي سيحلق بأهل القتيل، ونظرة المجتمع الريفي التي ستلاحقه، فلن يستطع أن يجلس في تجمع للرجال، ولا في مقهى حتى، ولا أن يرفع عينه في وجه أحد، وفي أقل مشادة كلامية يعايره الطرف الثاني بثأره قائلا ‘‘روح اتشطر على اللي قتل أهلك’’.

 

قضية الثأر لها أبعاد اجتماعية، قُتلت بحثا، لكنها لن تتغير أبدا، حيث أكد الدكتور أحمد عسكر، رئيس قسم علم الاجتماع بكلية الآداب بأسيوط، أن الأخذ بالثأر في الصعيد هو موروث فكري وسلوكي تتوارثه الأجيال، وهي ثقافة مجتمع من الصعب ان تتغير، موضحا أن تحريض المرأة الصعيدية ليس هو الدافع الأساسي وراء الأخذ بالثأر، وإنما يرجع لانتشار السلاح في الفترة الأخيرة، جراء الانفلات الأمني ودخول السلاح من عدة بلدان.

 

الدكتور منى المهدي، عضو منظمة الصحة العالمية وعضو مجلس الشعب السابق، ولديها مجهودات في المصالحات والمشكلات الاجتماعية بأسيوط، لكونها عضو بالعديد من الجمعيات الخدمية، كان لها رأي آخر، حيث أكدت أن تحريض المرأة الصعيدية، وخاصة الأم، على الأخذ بالثأر، واقع نعيشه، وأنها شاهدته بعينها وحاولت إقناع تلك الأم بعواقب التأثير السلبي على نفسية ابنها، وأنها سوف تندم عليه طيلة عمرها، ولكنها استشهدت بالآية الكريمة (ولكم في القصاص حياة يا أولي الألباب)، وأوضحت أن الناس تأخذها على محمل آخر، وهو أن القصاص واجب لا مفر منه حتى لو كان سيؤدي إلى المزيد من الدم.

 

You must be logged in to post a comment Login