جيش من رسل العلم

حنان سليمان

حنان سليمان

بقلم: حنان سليمان*

أذكر في المرحلة الثانوية والجامعية أننا كنا نخصص وقتا ثابتا للتطوع كل أسبوع أو كل شهر حسب التوقيت و”زنقة المذاكرة” لنقوم بنشاط إيجابي ما في اللعب مع الأيتام والخروج معهم أو في نشاط لمحو أمية الكبار أو اعطاء دروس تقوية في اللغة العربية أو الإنجليزية أو الحساب وغيرها لتلاميذ ابتدائي واعدادي أو معاينة حالات لبيان من يستحق المساعدة أو تعبئة مساعدات غذائية شهرية أو تنظيم معارض ملابس أو الترويح عن المسنين المنسيين في دورهم شبه المهجورة أو في تسجيل شرائط للمكفوفين بغرض الدراسة أو مطالعة الكتب صوتيا بدلا عن طريقة “برايل” أو ادارة منتديات اليكترونية هادفة تسمح بنقاش متحضر في موضوعات مختلفة سياسية واجتماعية وثقافية ودينية أو مناظرة أجانب في قضايا سياسية ودينية كبرى أهمها القضية الفلسطينية. كل ذلك وأكثر كان في مجالات اهتمامي وأنا في القاهرة.. العاصمة.. مركز الاهتمام.

 

اليوم ومع تغير ظروف عملي بالكامل ليكون الصعيد هو مركز اهتمامي، لمست الاحتياج الكبير لجيش المتطوعين الذي كنت جزءا منه يوما ما. ربما تكون بعض المجالات التي ذكرتها سابقا موجودة بالفعل في أي مجتمع حسب الاحتياج لها (مثل دور الأيتام ومحو الأمية والمساعدات الشهرية للمحتاجين) لكن مثلا دروس التقوية في اللغات والمواد الدراسية المختلفة التي اعتاد المتطوعون اعطائها في القاهرة، لا أظن أنها تقع ضمن اهتمام القائمين على الأنشطة التطوعية في الصعيد.

 

منذ عام ونصف تقريبا، كتبت الزميلة رشا علي تقريرا عن مشكلة تواجه مدارس المنيا نشر في بوابة المندرة. المشكلة هي نقص عدد المدرسين حتى أنك تجد أخبارا نهاية كل فصل دراسي تتحدث عن شكاوى لأولياء الأمور من قرب الامتحانات رغم أن أبنائهم لم يدرسوا ولو حصة واحدة في بعض المواد لعدم وجود مدرسين. أحسب أن المشكلة لا تقتصر على مدارس المنيا فقط، فهي كغيرها من محافظات الصعيد المحروم.

 

أتخيل لو اتفقت منظمات محلية في كل محافظة بل وفي كل مركز مع وزارة التربية والتعليم على توفير جيش من المتطوعين الشباب النابغين في مجالاتهم لسد عجز المدرسين في الصعيد في اطار مشروع مجتمعي للنهوض بالتعليم المدرسي في مراحله المختلفة.

 

أتخيل أن تدخل بيوت الشباب أو الجامعات شريكا في المشروع فتوفر للمتطوعين الوافدين إلى المحافظة مبيتا كريما في مقابل وقتهم وجهدهم الذي قبلوا أن يعطوه بحب ويتحملوا مشقة السفر لمنطقة كتب عليها أن تحرم من الكثير رغم الأموال الكثيرة التي تأتي للدولة باسمها من الخارج.

 

أتخيل أن يكون الاطار الحاكم منظمة أو شخصية لها خبرة طويلة في ادارة المتطوعين تدرب المنظمات المحلية الصغيرة على تحريك المتطوعين والاستفادة من خبراتهم والاضافة لهم فالعملية “هات وخد” ولا بد أن يكتسب المتطوع خبرات تضاف له. الاحتياج لهكذا منظمة أو شخصية تكون كالمايسترو الذي يتولي خط القاهرة – الصعيد وايفاد الخبرات الشبابية المطلوبة للتطوع في التدريس كما القاهرة. على ذكر المنظمة أو الشخصية، هناك مثلا منظمة “إنجاز مصر” المسجلة ضمن الجمعيات بوزارة التضامن الاجتماعي والتي لها تعاون بالفعل مع وزارة التربية والتعليم من خلال مشروعات سابقة وبرامج تطوعية في المدارس الحكومية منها مشروع لتعليم ريادة الأعمال اسمه “كن رياديا” وطبق في 6 محافظات مصرية. هناك أيضا شخصية مثل هشام الروبي ، المؤسس والرئيس التنفيذي لمنظمة “اتجاه” المعنية بقضايا الشباب والتنمية، وهو له باع كبير في ادارة المتطوعين حتى أنه ألف كتابا في الموضوع نفسه.

 

أتخيل في صيف كل عام ومع انتهاء السنة الدراسية اطلاق حملات تمويل جماعي لتبرعات مجتمعية تغطي مصاريف المتطوعين المسافرين من القاهرة للصعيد للتبرع بوقتهم وجهدهم لتعليم العشرات من التلاميذ مع بداية السنة الدراسية. وأتخيل خلية نحل تعمل على فرز المتقدمين من الشباب واختيار الأنسب منهم لسد النقص في الصعيد. أتخيل عملية فرز مرتين سنويا قبل كل فصل دراسي يدخل بعدها المقبولون في فترة تطوع مدتها فصل دراسي كامل لتدريس مادة أو أكثر في محافظة أو أكثر (تذكر أن الانتقال بين المحافظات يجب أن يكون سهلا ونفقاته مغطاة من ناحية المواصلات أما الإقامة فقد تكفلت بها بيوت الشباب أو الجامعة أو وفرتها وزارة التربية والتعليم بشكل ما).

 

أتخيل أن يتم “مذاكرة” المناهج من قبل المتطوعين سويا والاتفاق على الاطار العام لايجاد قواسم مشتركة بينهم وتوحيد الصف اذا ما تم التناوب بينهم في نفس المادة على نفس الفصل حسب الوقت الذي يمكن لكل متطوع أن يعطيه.

 

أتخيل أن منظمة بحجم “إنجاز مصر” يمكن أن تقود بالفعل نهضة تعليمية كبرى بخبراتها ومتطوعيها خاصة وأن لها علاقاتها الوثيقة بوزارة التربية والتعليم. وفيما عداها، فإنه سيكون أمرا غريبا أن يذهب متطوع أو جمعية ما لإحدى المدارس وتعرض التطوع في التدريس.

 

أتخيل أن هكذا مشروع سيكون عامل جذب لمئات الشباب القاهري الذي يرغب في مساعدة الأكثر حرمانا. يكفي أن تتاح له الفرصة فقط ليراهم وستجدونه يبذل الكثير راضيا وباسما. من أجل مصر.

 

*رئيسة التحرير

 

2 Responses to جيش من رسل العلم

  1. بهاء 11:57 مساءً, 6 أبريل, 2015 at 11:57 مساءً

    التطوع لوحده لا يكفي .. التعليم مشاكله كبيرة و أكبر مشاكله هو عدم تقدير المعلم و احساسه بالدونية على عكس مثلاً الضابط و الطبيب و المستشار .. الخ..
    لابد من زيادة ميزانية التعليم من أجل الآتي:
    1- بناء عدد اكبر من المدارس لتقليل كثافة الفصول.
    2- تعيين مدرسين جدد لسد العجز.
    3- تأهيل المدارس بأجهزة الحاسب و المواد العلمية المطلوبة.
    4- تدريب المدرسين تدريب جدي بالاتفاق مع شركة مختصة على أحدث طرق الشرح و استخدام اليوتيوب و الانترنت عموماً.
    5- تدريب المدرسين على كيفية زرع النقد و التفكير في عقل التلميذ بدل الحفظ و التلقين.
    6- تطوير الكتب بحيث تحقق البند رقم 5
    أما التطوع فهو لن يطور العملية التعليمية سوى بنسبة 10% لا أكثر ..

  2. مصطفى فرحات 12:43 صباحًا, 11 يونيو, 2015 at 12:43 صباحًا

    جميل… أنا أيضا أتخيل أن يتم التواصل مع هذه المجتمعات التي تفتقر لوجود مدرسين وهو أدنى ما يمكن توفيرة لإتمام العملية التعليمية، أتخيل أن نقوم بالتواصل معهم ودراسة إمكانية إدخال الإنترنت لمراكز الشباب لديهم أو أي مركز إجتماعي والعمل على توفير أجهزة كمبيوتر وبعض الهواتف الذكية على سبيل التبرع لكي يتمكن طلاب تلك المناطق من الدخور على المواقع التعليمية التي تطرح بدائل جادة وعملية لحل مشاكل التعليم التي نواجهها.

    وحتى ذلك الحين أدعوا جميع الطلاب وأولياء الأمور ممن لديهم القدرة على الوصول للمحتوى الرقمي على الإنترنت بالدخول على موقع نفهم التعليمي http://www.nafham.com والذي يقدم المناهج الدراسية الرسمية لكل مراحل التعليم من الابتدائي وحتى الثانوي.

You must be logged in to post a comment Login