جلسة سمر في رحاب محمود بدوي.. تشيكوف العرب

محمود بدوي

محمود بدوي

المندرة: مها صلاح الدين

نادرًا هو الإخلاص، وإن وجد يمكن أن يكون لشخص أو لوطن، بينما هو، أعلن إخلاصه للقصة القصيرة، هو محمود بدوي الذي ترهبن في محراب القصة القصيرة، ونأى بها بعيدًا عن عيون الفنون الأدبي الأخرى، وكذلك الأضواء, والإعلام، واستعذب خلوته حتى سلطت الضوء عليه ابنته ليلى محمود بدوي، حينما نشرت مذكراته، وألفت عنه العديد من الكتب بعد وفاته، فأتاحت لنا الفرصة لإجراء ذلك الحوار التخيلي معه.

 

كيف أثرت نشأتك الصعيدية على مسيرتك الأدبية؟

نشأت في قرية صغيرة بقلب الصعيد تقع على النيل مباشرة وقريبة من الخزان في جو تتجلى فيه الطبيعة بأجمل مظاهرها، الماء والخضرة ويسوده الهدوء، فعشت عيشة هادئة لم يعكر صفوها أي شيء، وليس في أسرة والدي من تعلق بالأدب من قريب أو بعيد، ولكن أسرة والدتي فيها أكثر من أديب عشق الأدب إلى حد الوله، ووجدت نفسي أتجه إلى الأدب، وأنا في مرحلة الدراسة الإبتدائية.

 

كيف أثرت الغربة في شخصيتك؟ وكيف تعايشت معها؟

ولقد عشت وحيدًا، ولست إجتماعيًا بطبعي، وقد جعلني الخجل الفطري أستطيب الوحـدة، وأحن إليها، وأنفر من المجتمعات والناس، ولكن الوحدة وسكني في الغرف المفروشة في القاهرة والسويس، جعلاني أعيش عن قرب مع خليط غير متجانس من البشر. وأفادتني هذه التجارب كثيرًا عندما سافرت بعد ذلك إلى الخارج وتجولت في كثير من البلاد.

 

ألم يكن هناك في غربك أي عزاء؟

بلا، فكان هناك ذهابي إلى دار الكتب يوميًا، فكانت الجلسة في دار الكتب مريحة وتساعد على طول المكوث، ونسيان المرء أوقات الطعام، وفى دار الكتب تعلمت من الحكمة المسطرة على الجـدران ” كل كتاب تقرأ تستفد”، فكنت أقرأ كل كتاب يقع تحت يدي، حتى ولو لم يكن هو الذي طلبته.

 

متى شعرت بالحزن؟

أحسست بالحزن لأول مرة في حياتي عند موت والدتي، وكنت في السابعة من عمري، ولأن جنازتها كانت مفجعة، كرهت من بعدها كل الجنائز وحتى الأفراح، كرهت كل التجمعات.

 

هل أثر فقدان والدتك على كتاباتك؟

نعم، فقدان الأمومة وحنانها يظهران من حيث لا أشعر في بطلات القصص وغالبيتهن في سن الثلاثين.

 

من أول أديب شغفت به وأثر في تكوينك؟

لما انتقلت إلى القاهرة في الدراسة الثانوية شغفت بالمنفلوطي، وكانت العبرات تثير في عيوني الدموع، ولقد سيطر المنفلوطي بروائعه على جيلنا كله، وكانت كتبه تتداول بين الطلبة، وتخفى في بطون الأدراج، لتقرأ خفية في حصص الجبر والهندسة.

 

ما هي القصة القصيرة من وجهة نظرك؟

ملمح إنساني يجتمع فيها روح الجذب والكفاية الذاتية، تقرأها وتكتفي بها كما تكتفي برواية طويلة، إن القصة القصيرة إذا كتبتها بروحانية وجاذبية وخلقت منها شيئا حيًا يتحرك فإنها تغنى عن الرواية.

 

وما هي مقومات القصة القصيرة الجيدة؟

القصة يجب أن يكون فيها روح، ويجب أن تكون لحظة التنوير فيها واضحة، ويجب أن تتمتع القصة بخاصية التركيز، وأن يبتعد كاتبها عن الاستطراد أو الإسهاب وكثرة الوصف، ويجب ألا أقرأ القصة الجديدة فلا أكاد أميز بينها وبين المقالة.

 

هل للقصة القصيرة قواعد محددة يجب أن يتبعها القاص وهو يكتب؟

المبادئ والمواصفات التي يدعو إليها أساتذة الأدب في الجامعات يجب ألا تسيطر على ذهن الفنان وهو يكتب, فهناك أستاذ جامعي وضع للقصة القصيرة 18 قاعدة، ولكنه لم يكتب قصة قصيرة واحدة ناجحة، لأن القاعدة كانت في رأسه وهو يكتب.

 

وماذا عن من يصنفون كتاباتك بالقصة الفلسفية؟

لا أكتب القصة للفلسفة، ولا لأنشر مذهبا إجتماعيًا معينًا، إنما أكتب بوحي السليقة، والإحساس بالقيم الأخلاقية متمكن منى لأقصى حد، وليس معنى ذلك أنني واعظ أو أرتقي المنابر أبدا، إنما معناه أنني أصور الناس بخيرهم وشرهم.

 

هل من المنطقي أن تكون كل النساء في قصصك جميلات؟

في كل قصصي أسعى إلى الحقيقة والجمال، وأكره القبح في كل مظاهره، القبح في الشكل، القبح في الطباع، وليست هناك مبالغة أن كل أنثى في قصصي جميلة، فهي جميلة أولًا.

 

ما الذي استطاع محمود بدوي إضافته للقصة القصيرة خلال مسيرته الأدبية؟

لا أكون مغرورا إذا قلت لك أنني أحببت القصة القصيرة وطورتها.. وأنا أركز على الشخص الواحد لأبرز للقارئ جميع طباعه، وليكون أسهل عند القارئ للفهم، ولا أنكر عنصر التشويق في قصصي، وبعض الأحيان الإثارة، وأظن أن من يقرأ لي أول قصة كتبتها في حياتي، كمن يقرأ لي الآن آخر قصة، فأنا أعالج في قصصي صنفا معينا من البشر، أكتب عن الناس المظلومين في الحياة، دائمًا أكتب عن هؤلاء الناس، وما أعبر عنه في القصة الطويلة بالتطويل والإفاضة، أستطيع أن أعبر عنه في القصة القصيرة بتركيز وإيجاز. وأعتبر أن ما يكتبه الأديب في القصة القصيرة يمكن أن يكون كافيا وضامنا لرواية طويلة من ألف صفحة، وكل ما يستطيع أن يقدمـه من أفكار، يقدمه في القصة القصيرة وهي تغنيه عن كتابة الرواية.

 

إذا كانت الرواية تتيح للكاتب توصيل أفكاره أكثر لاعتمادها على الإسهاب فلماذا اخترت مشقة القصة القصيرة؟

اخترت هذا الطريق لنفسي رغم ما فيه من متاعب ومشقة ولا أحب أن أغيره، فأشعر بعد كتابة القصة براحة وجدانية لا مثيل لها، رغم ما لاقيته في حياتي من صعاب ومشقة بسبب الأدب والتفرغ للقصة، فأشعر في أعماق نفسي بالرضا والقناعة.

 

وإلى ماذا كنت تطمح في مستقبلك الأدبي؟

لم أفكر إطلاقا وأنا أكتب لا في خلود ولا في ذكرى ولا في أي شيء من أحلام اليقظة، لكن أعتبر أنني حققت بجهدي المتواضع شيئًا، لابد أن يعيش ما عاش الأدب في محيطنا العربي.

 

وما هو تعليقك على إغفال وسائل الإعلام لأدبك؟

الشيء الذي يسعدني أكثر، أنه رغم أن كل وسائل الإعلام أغفلتني عن عمد وقصد، وكل النقاد الذين تخصصوا في هذا النوع من النقد رغم أنهم أغفلوني عن عمد، وأن بعض المحررين في الصحافة عندما كان يرد اسمي على لسان غيري كقصاص كانوا يحذفونه، رغم كل هذا فإني وكما قلت حققت لنفسي ما سيعيش ما عاش الأدب في الساحة العربية، ليس كل الكتب، ولكن القليل من هذه الكتب يكفيني، كما يكفى ديستوفسكى أنه كتب بستان الكرز، والجاحظ أنه كتب البخلاء، وابن المقفع أنه كتب كليلة ودمنه، والأصفهاني أنه كتب الأغاني، كل هذه الكتب فيها الصدق والحياة وبالحياة والصدق عاشت.

 

كانت بداياتك في فن الترجمة فمن أعجبت في الآداب العالمية والأدباء؟

كان محمد السباعي وعباس حافظ يترجمان كثيرًا من روائع الأدب الروسي فشغفت بهذا الأدب الواقعي، لأنه يصور الحياة بصدق ويصف حياة الإنسان المطحون الذي لا حول له ولا قوة، وبهرني تشيكوف، ودستوفسكى، ومكسيم غوركى، وبهرني الأخير أكثر لعصاميته وصلابته، ولأنه شق طريقه في الحياة بأظافره، وأيضًا تشـيكوف كان أستاذ كل من كتب القصة القصيرة وتفرغ لها، ومنـه تعلمـت أن أكتبها.

 

لماذا لم نجد لك أي دور سياسي على عكس أدباء جيلك؟

أنا بطبعي وتكويني الخلقي لا أحب السياسة ولا الأحزاب وأكرهها كره الأعمى للحفر في الطريق، ولا يمكن لإنسان يحب العزلة ليقرأ ويكتب أن يشترك مع الجماهير في ضجيجها وصخبها، على أي صورة من الصور، وحب الوطن ومن خدمه بإخلاص وأمانة من رجالنا الأفذاذ عبر التاريخ كله، سيظل محل الاحترام والتقديس ما دامت الحياة.

 

كيف ذلك وقد كان لك العديد من القصص الوطنية والتي تحكي الوضع السياسي في مصر؟

هناك فرق كبير بين الوطنية والسياسة، فحب الوطن في لحمى ودمى وعظامي أما السياسة فقد كرهتها وكرهت مشتقات الكلمة ولعنتها كما لعنها وكرهها الإمام محمد عبده.

 

You must be logged in to post a comment Login