جلسات عرفية تكسو الصعيد بالتسامح خلال 2013

المندرة: مها صلاح الدين

إذا قابلت الإساءة بالإساءة، فمتى تنتهي الإساءة.. هكذا قال الزعيم غاندي، حرصًا منه على السلام وترسيخًا لمبدأ التسامح، لهذا أقرت الأمم المتحدة 16 من نوفمبر من كل عام ليكون يوم للتسامح العالمي، منذ عام 1996، دعمًا منهم لمبدأ التسامح، وإقرارًا بحرية الرأي والتعبير والتعاون بين الدول الأعضاء.

 

وفي سياق متصل، استمرت عادة في المجتمعات الصعيدية محاولة منهم للتصدي الثأر، الذي طالما شق بحور الدماء بين العائلات الصعيدية، والذي يعد أيضًا من أهم العادات القبلية المتأصلة فيها، ألا وهي جلسات الصلح العرفية التي انتشرت ملفت للنظر في محافظات ، والتي جعلت صفحات الجرائد تشيع قصة جلسة صلح بشكل يومي تقريبًا، بمختلف الوسائل والشروط، والتعويضات، وفقًا لرغبة تلك العائلات، فمنهم من يكتفي بالتعويض المادي وحضور المسئولين وكبار رجال المحافظة لإتمام الصلح، والبعض الآخر لا يكتفي بذلك، بل يطالب بتقديم الكفن من قبل الجاني لينال منهم وعد بغلق صنبور الدماء المفتوح بين العائلتين، ومنهم من يصر على إتمام عملية الأخذ الثأر، والإقبال على الصلح بعد ذلك، خوفًا على الأجيال التي لا ذنب لها.

 

عني المسئولين بحضور مثل تلك الجلسات التي طالما أنقذت الدماء الصعيدية من النزيف المستمر، وقد رصدت المندرة أهم جلسات الصلح التي تمت في محافظات الصعيد خلال عام 2013.

 

خطف.. قتل.. صلح

هكذا كان التسلسل في جلسة الصلح التي تمت بسوهاج بين عائلة رمزي من محافظة قنا، وعائلة الخطيب من محافظة سوهاج في يناير الماضي، والتي بدأت الخصومة فيها حينما تم اختطاف فتاة من العائلة الأولى على يد أحد أبناء العائلة الثانية، فنشبت مشاجرة بين العائلتين خارج سراي محكمة نقادة أسفرت عن مقتل شخص من عائلة الخاطف، وإصابة أربعة آخرين، ومن ثم استطاع محامي الجناة استقطاب اتفاق مع أسرة المجني عليهم من عائلة الخطيب بسوهاج بشأن جلسة صلح، بشرط تقديم الكفن بقرية بني حميل في مركز البلينا بمحافظة سوهاج، مسقط رأس المجني عليه.

 

أقصر خصومة ثأرية

حرص محافظ سوهاج أيضًا على حضور جلسة صلح أقامتها جمعية اليسر الخيرية بقرية الشيخ زين في مركز طهطا بين عائلتي التعالبة وشوكت، في سبتمبر الماضي، والتي نشأت بينهم خصومة ثأرية لمدة 30 يوم فقط، هي أقصر خصومة في كتاب تاريخ الثأر في محافظات الصعيد، والتي قد نشأت إثر شجار بين أفراد العائلتين قتل خلاله على أبو زيد يونس، الذي ينتمي إلى عائلة التعالبة، وقد قدم شقيق الجاني “القودة” أي الكفن لعائلة المجني عليه، فتنتهي الخصومة الثأرية في وقت قياسي، بعدما اقتنعت عائلة المجني عليه بكلمات مقتضبة من المحافظ وكبار رجال القرية بشأن مستقبل رجال العائلتين إذا استمرت الخصومة.

 

وعلى هذا النهج أيضًا تم الصلح بين عائلتي القراوي وهبل في قرية بلصفورة التابعة لمركز سوهاج بسبتمبر أيضًا، تمت المصالحة بنظام “القودة” في حضور المحافظ ورئيس لجنة المصالحات بالمحافظة، والذي تباهى بأن محافظة سوهاج احتلت المركز الأول في عقد جلسات الصلح على مستوى محافظات الصعيد، وأنها لم يتبقى بها سوى 32 خصومة ثأرية فقط على مستوى المحافظة، علمًا بأن تلك الخصومة استمرت عام كامل، سقط على إثرها قتيل من كلا العائلتين.

 

إجراءات أمنية وولائم

لم تسلم صلة القرابة من الخصومة في محافظة الأقصر، فها هي جلسة صلح بين أطراف عائلة بني هلال في أكتوبر الماضي، حيث قامت مشاجرة بين بيوت العمومة آل صابر، وآل عبد الفتاح أفضت عن مقتل أحدهم، والذي قوبل بعد ذلك بمقتل فرد من الطرف الآخر،بسبب النزاع على قطعة أرض، وقد تولت الجهات الأمنية مبادرات الصلح بينهم، فهيأت جميع الظروف المشروطة من كلا العائلتين، بشأن الإجراءات الأمنية المشددة وتأمين القرية، وإعداد الولائم، وتوفير اسطوانات الغاز واللحم، وتقديم كلا الطرفين الكفن للطرف الآخر عما بدر منه، في حضور كبار المسئولين والرجال في المحافظة.

 

وشهدت أيضًا منطقة الكرنك في آخر أكتوبر جلسة صلح كبرى في حضور محافظ الأقصر، ومدير أمن المحافظة وعدد من رجالات الدين الإسلامي والمسيحي، وأهالي الكرنك القديم والجديد، كشهود على إنهاء الخصومة بين عائلتي الهلايل والهشوشة، والتي وقعت في رمضان القبل الماضي وأسفرت عن مقتل فرد من كلا العائلتين وآخر غريب عن طريق الخطأ.

 

وجرت اشتباكات بين عائلتي آل حزين وآل سالم بنجع البركة، أسفرت عن مقتل 6 أشخاص من كلا العائلتين وعشرات المصابين، مما دفع شيوخ وعُمد قرى غرب الأقصر للتدخل، وعقد جلسة صلح تحت إشراف الشيخ محمد الطيب، شقيق شيخ الأزهر الشريف، بديوان طايع سلامة بالقبلي قامولا في أغسطس الماضي، وجدير الذكر أن سبب الخلاف كان إنشاء مطب صناعي من قبل إحدى العائلتين، قابلته الأخرى باستخدام السلاح الآلي والجرونوف.

 

أشقاء الوطن أعداء الغربة

وفي واقعة لم تستخدم مبدأ “أنا وأخويا على ابن عمي، وأنا وابن عمي عالغريب” قتل الشاب العشريني محمود محمد حسن برغوت، ابن عائلة البراغتة ببني سويف، إثر مشاجرة نشبت في ليبيا بينه وبين أحد أبناء عائلة السلاطنة بأسيوط، بطعنات السكين، علم بعدها أهل المجني عليه بمقتل ابنهم على يد ابن بلده، فسعت القيادات الأمنية على إتمام جلسة الصلح العرفية بين كلا الطرفين في إجراءات مشددة وفي وسط حشود هائلة من كلا العائلتين في سبتمبر، لضمان إتمام الصلح، وفي حضور مشايخ الأزهر والكنيسة والقيادات الأمنية والمحكمون العُرفيون قام خالد صلاح إبراهيم شقيق الجاني بتقديم كفنه لوالد المجني عليه، وتعهد الأخير بقبول الكفن وإنهاء الخصومة.

 

وفي اشتباكات بالأسلحة البيضاء بين أفراد عائلة القاوية التابعة لمركز البداري وآخرون من عائلة الناحل التابعة لمركز الفتح، بسبب استقرار عربة الفاكهة الخاصة بأحدهم أمام مطعم خاص بالآخر، نتج عنها مصرع هاني حسن من عائلة القاوية، وقد أُرهقت أجهزة الأمن ولجنة المصالحات بأسيوط لإتمام عملية الصلح بين العائلتين في يناير الماضي، بتقديم أحد أفراد عائلة الناحل نفسه لعائلة القاوية دليل على اعترافه بخطئهم، حيث أنهم رفضوا الحصول على أي فدية نظير دم ابنهم، وقد حضر الصلح السيد محافظ أسيوط، ومدير أمن المحافظة، وأعضاء من حزب الحرية والعدالة الحزب الحاكم آنذاك.

 

وشهدت قرية بني محمد التابعة لمركز أبنوب بأسيوط أكبر جلسة صلح لهذا العام بعد جهود مضنية من أجهزة الأمن بالمحافظة لإبرام عقد تسامح بين العائلتين أولاد سند وشف الحجارة في يوليو الماضي، التي أسفرت خصومتهما عن مقتل نجل لكل من العائلتين، وقد غمرت الفرحة والراحة القرية وسكانها بعدما انتهت تلك الخصومة، بتعهد كلا العائلتين بدفع غرامة مليون جنيهًا، إذا ما تعدى أحدهما على الآخر، وقد تمت المصالحة بدوار عضو مجلس الشعب التابع للقرية آنذاك، في حضور المحافظ، وجميع أطراف أجهزة الأمن.

 

وبعد خصومة ثأرية دامت 10 سنوات إثر مشاجرة بين عائلتي اللدغة وأبو غدير، بقرية الواسطة التابعة لمركز الفتح، بعد مقل فرد من عائلة أبو غدير وإصابة آخر، وتجددت الخصومة حينما أصيب أحد أفراد عائلة اللدغة. سعت أجهزة الأمن إلى إنهاء الخصومة بين العائلتين قبيل تفاقم الوضع، وعقدت جلسة الصلح في حضور كبار رجالات أسيوط في سبتمبر الماضي، ليشهدوا على تعهد كلا العائلتين بعدم التعرض للآخر.

 

وانتهت الخصومة الثأرية بين أبناء العمومة في قرية أولاد إلياس بصدفا، بأسيوط، آل حامد وآل عبد الفتاح، الذين ينتمي كليهما إلى عائلة أولاد نصر بسبتمبر الماضي، التي نشبت إثر اختلاف في الشراكة التي تجمعهم في تجارة الورق بالقاهرة، راح ضحيتها واحد من كل بيت، لتعقد بعدها جلسة الصلح بجهود أجهزة الأمن لجمع شمل العائلة التي شرختها الخصومة الثأرية.

 

ومن نفس النوع، انتهت خصومة أبناء العمومة بعائلة نوار التي نشأت إثر خلاف على تقسيم الأرض الزراعية،واستمرت أربع سنوات في مارس الماضي، قتل خلالها شادي حسني رياض، وقد قام المتهم بعد خروجه من السجن يتقديم كفنه إلى أولاد عمه، لوقف نزيف الدم من العائلتين، في جلسة صلح أبرز سماتها البكاء والتهليل من كلا الجانبين احتفالًا بالسلام المولود مجددًا.

 

صلح يولد الثأر

لم تكن جميع جلسات الصلح في قنا والمنيا ناجحة كما ما سبقوها في سائر محافظات الصعيد، فها هي جلسة صلح بدشنا بين سائقي التوك توك بأغسطس الماضي، يسفر عنها مقتل 10 أشخاص بينهم طفل صغير، بعد هجوم مسجل خطر على جلسة الصلح لمنع إتمامها، مطالبًا بمزيد من بحور الدم.

 

وانتهت جلسة الصلح بين عائلتين النوحة والغطاطسة بقرية أبو حنس التابعة لمركز ملوي بالمنيا، والتي كانت تهدف إلى تهدئة الوضع بعد الخلاف على تقسيم الأراضي الزراعية في أكتوبر الماضي بمذبحة كبرى، راح ضحيتها 9 أفراد من كلا العائلتين، ولا تزال الخصومة مستمرة.

 

وداعًا الطائفية

وطغت جلسات الصلح التي عقدت بمحافظة المنيا في شأن الفتنة الطائفية التي جرت بقرية بني أحمد الشرقية والقرى المجاورة في أغسطس الماضي، والتي أسفرت عن إصابة 17 شخص وحرق 9 منازل و7 سيارات ومحالات تجارية، ولكن بعد عدد من الجلسات العرفية في حضور الجماعة والإسلامية والكنيسة، اتفق الطرفان في حضور جميع الجهات الأمنية والأطياف السياسية بالمحافظة على وقف نزيف الدم،بشرط جزائي 2 مليون جنيه على من يكسر الصلح، وطرده من المحافظة أي كان وضعه المادي أو الإجتماعي أو منصبه.

 

جدير بالذكر، أن الكنيسة الأرثوذوكسية قد رفضت جلسات الصلح العرفية التي تتم بشأن حوادث الفتنة الطائفية التي تمت في محافظة المنيا، وطالبت قوات الأمن بتقديم مرتكبي تلك الجرائم للعدالة، أيًا كان الجاني من كلا الطرفين.

 

وأخيرًا شهدت محافظة قنا صلحًا بين عائلتي” العتامنة والجروات” من قبيلتي العرب والهوارة بمركز دشنا. ذلك الصلح، الذي تدخل فيه أعضاء مجلس الشعب من القبيلتين، ومن أغلب مراكز شمال المحافظة في مارس الماضي، وتعرض أحدهما إلى محاولة قتل في أحد مواكب العزاء، وقد شهد الصلح إجتماعات أحادية الزعامات، وفشلت جلسة مشتركة بين الجانبين في إنهاء الأزمة التي استمرت على مدار عدة شهور.

 

وتصاعد فيها الخلاف على نزاع حول بناء منزل على حدود أرض تخصهم. وتبادل الطرفان إطلاق الأعيرة النارية في الهواء لعدة أيام، وهو شيء معتاد في مثل تلك الأزمات، لإثبات قوة كلا القبيلتين وقدرة كلاهما على الرد، وتسبب ذلك في تنامي حالة الاحتقان بالمنطقة، وبدأ كل طرف في حشد رجاله وعتاده من السلاح تحسبا لأي معركة قبلية قادمة.

 

وكثرت الاجتماعات السرية للزعامات القبلية من الطرفين، وقد احتمى كل طرف بعصبيته وراح كل منهم يمارس نفوذه في كل مكان حتى في وسائل الإعلام لدفع الداخلية لفعل اللازم، وقد استطاع عدد من نواب الدائرة وبعض من زعماء القبائل والشخصيات العامة بالمحافظة، عبر عدد من الجلسات العرفية أن يمتصوا غضب العائلتين، وأن يحقنوا الدماء بينهم.

 

You must be logged in to post a comment Login