“المجذوب” .. 3 قرون لجامع أسيوطي خلده الفرنسيون

**ضريح العارف بالله محمد المجذوب ملاذ المتبركين والسائلين

**أطلس الحملة الفرنسية يوثق المئذنة بريشة “دوترتر”

 

أسيوط: رشا هاشم

كعادة هذه الأماكن، تملؤ جنباتها أصوات تذكر الله ليل نهار دون انقطاع، ويغلب عليها الطابع الروحاني، ويأتي إليها الزائرون متمنين البركة والدعوة المستجابة مرددين “شي الله يا سيدي يا مجذوب”، فمسك السيرة العطرة، والنفحات الإيمانية يحيط بأرجاء جامع “المجذوب”، وضريحه، الذي يشهد عليه أكثر من ثلاثة قرون، وحظى تصميم مئذنته المميزة على توثيق بأطلس الحملة الفرنسية على مصر، حيث خلد الفنان الفرنسي “دوترتر” الجامع والمئذنة بكتاب “وصف مصر”.

 

يطل المسجد بواجهته الشرقية الرئيسية على ميدان “المجذوب”، الذي يحمل اسمه، بينما تطل واجهته الجنوبية على شارع بورسعيد، ويقع في غرب مدينة أسيوط، ولا يوجد ما يثبت تاريخ إنشاء الجامع، أو بانيه وصاحبه، ولكن هناك سجلات وقائع محكمة أسيوط الشرعية، التي ورد فيها حجة مؤرخة في ربيع الأول عام 1104 هجريًا، الذي يوافق 1695 ميلاديًا، وتشير هذه الحجة إلى بيع منزل لوقف العارف بالله الشيخ محمد المجذوب.

 

مئذنته العريقة تظل هي المميز الأول له، تقع خلف الجدار الشمالي للجامع، ومنفصلة عنه، حيث تبدأ من الأرض بقاعدة مربعة طولها 3 أمتار، يليها 3 طوابق، الأول، ثماني الشكل زُخرفت أضلاعه بدخلات مستطيلة، كما فتحت به نوافذ صغيرة مستطيلة للإضاءة، وينتهي هذا الطابق بشرفة خشبية، ثم الطابق الثاني، الذي تم تصميمه بشكل دائري، وفُتحت به عدة أبواب تؤدي للشرفة الخشبية، وفي نهايته، صف من المقرصنات، ليأتي الطابق الثالث أيضًا بشكل ثماني تتخلله نوافذ مستطيلة، وينتهي بصفمن المقرصنات، يليها الجوسق، ويعلوها قمة مخروطية الشكل.

 

ومن المئذنة إلى المسجد، الذي يقع على مساحة مستطيلة أبعادها حوالي 18 مترًا و 10 أمتار، ويتكون الجامع من أربعة بائكات (أعمدة لها عقود) ذات عقود مدببة تسير موازية لجدارها الجنوبي، وكل بائكة عبارة عن ثلاثة عقود من الحجر الجيري ترتكز على دعامتين من نفس الحجر.

 

واجهته الرئيسية، والشرقية أيضًا، تطل على ميدان “المجذوب”، وطولها حوالي 19 مترًا، أما محراب المسجد، فهو عبارة عن منحنى نصف دائري اتساعه متر ونصف، ويتوج هذا المنحنى طاقية معقودة بعقد مدبب، تتقدمها دخلة معقودة بعقد مدبب يرتكز على عمودين من الرخام تزينهما تيجان بصلية الشكل.

 

أما واجهته الجنوبية، المطلة على شارع بورسعيد، فطولها 12 مترًا، وتتكون من دخلتين مستطيلتين اتساع كل منهما أكثر من مترين، وتحتوي كل دخلة على شباكبن، يزين الواحد فيهما مصبعات من خشب الخرط تعلوها قنديلية بسيطة.

 

المنبر مصنوع من الخشب، ويتكون من ريشتين وصدر، وبالصدر باب المقدم، الذي يغلق عليه مصراعان من الخشب عليهما زخارف هندسية منفذة بأسلوب السدايب، ويؤدي باب المقدم إلى سلم ينتهي بجلسة الخطيب، يحيط بها جوسق تعلوه القمة على شكل قبة أعلاها هلال، أما الريشتان فتم زخرفتهما بأسلوب الحشوات المجمعة على هيئة أشكال هندسية وأطباق نجمية، وللمنبر “درابزين” من خشب الخرط.

 

تقع دكة المؤذنين بالطرف الغربي من الجدار الشمالي للجامع، وتأخذ شكل مربع طول ضلعه 3 أمتار، ويُصعد إليها بواسطة سلم خشبي، وترتكز الدكة على عمود من الخشب، وعلى الجدارين الشمالي والغربي، ولدكة المؤذنين أيضًا “درابزين” من خشب الخرط.

 

وبالمسجد، قبة ضريحية ما زال زوارها يأتون من كل حدب وصوب، فهي أولى ملحقاته، ويدخلها المريدون عبر مدخل بالجدار الغربي، وهي عبارة عن غرفة مربعة الشكل طولها حوالي أربعة أمتار ونصف، ولها بابان متقابلان بالجدار الغربي والشرقي، ونافذتان مستطيلتان بالجدار الشمالي والجنوبي، ويوجد بها قبر العارف بالله محمد المجذوب، تعلوه تركيبة خشبية خالية من الزخارف.

 

وكان قديمًا يحوي الجامع سبيل ملاصق لقبته، ويعلوه كُتاب لتعليم الأطفال، ولكنه اندثر الآن، كما يقع مزار دفن الأموات خلف الجدار الغربي للجامع، وكان معدًا لدفن الموتى، كما تشير إحدى الحجج القديمة.

 

ومر الجامع بتجديدات متعددة، وتوجد لوحة مستطيلة بالجدار الشمالي للجامع مصنوعة من الرخام، عليها نص مكتوب بخط النسخ بالحفر البارز، ويشير لقيام عثمان غالب باشا، مدير أسيوط، بتجدبد الجامع وقد بدأت تجديداته عام 1298هجريًا، وانتهت 1300هجريًا، ولاتوجد إشارة لنوعية هذه التجديدات ونص اللوحة كالآتي:

“بيت إلى الصلوات الخمس قد رفعت عماده وانجلي بالنور مبنهاه أنشأه عثمان باشا غالب، ودعا إلى التعاون من للأجر لباه، فساعد الكل في تجديده حرما على أساس من التقوى، زواياه تضوع من أرج الفردوس نفحته، وتشرح الصدر بالأنوار رؤياه، ولقد أناخ به المجذوب فى جارث أمست ملائكة الرحمن تغشاه فانظر إلى مسجد تزهو محاسنه وستنير بتاريخ محياه عثمان باشا بكسب البرجدده أحياه الله بيتا ثم أنشأه”.

 

You must be logged in to post a comment Login