تنديار سمير.. طبيبة صعيدية خسرت جنينها فسعت للنهوض بممرضات مصر

تنديار سمير

تنديار سمير

 

** تنديار: عملية الإجهاض التي تعرضت لها كانت اللحظة التي قررت فيها النهوض بالتمريض

** عملت تنديار على إصدار قانون يلزم بخضوع الممرضة لعامين تحت التمرين بعد الإعدادية

** تنديار تدخل خدمة “الهوسبس” إلى القاهرة الكبرى

 

 

المندرة: هدير حسن

تنديار سمير، طبيبة نسائية صعيدية، وواحدة من أربعة حصلوا على زمالة أشوكا للمبدعين، التي كانت قد فتحت أبوابها لاستقبال مبدعين جدد للحصول على زمالاتها خلال شهر أغسطس الجاري، والتي أيضًا بصدد تنظيم احتفالية يوم 26 من أجل تقديم مبادرة جديدة لدعم النساء المصريات.

 

حصلت تنديار وفريقها على الزمالة عام 2003، حيث تقول الطبيبة النسائية إن برنامج أشوكا ساعدها على تطبيق الفكرة بمنهجية سليمة، والتشبيك مع نقابة التمريض والجمعيات والمراكز المفيدة لمشروعها، وتقنين وضعها، فضلًا عن تواصلها مع أصحاب تجارب مشابهة من الدول العربية.

 

لم يتوقف نجاح مشروع تنديار عند زمالة أشوكا وحسب، بل فاز أيضًا بالجائرة الأولى من برنامج الخليج العربي لدعم منظمات الأمم المتحدة الإنمائية “آجفند”، من بين 83 مشروع.

 

ومع بدء انتقال المشروع من الصعيد إلى القاهرة بمستشفى أبو ريش، وفي محاولة لنقل خبرات التدريب إلى الممرضات في كل مكان في مصر، قامت تنديار بتوثيق خطوات المشروع في كتيب صغير يشمل التحديات والمعوقات والنجاحات، التي أحاطت بالمشروع، كمرجع لأي شخص يريد أن يكمل ما بدأته وينهض به ويطور منه.

 

 

جلسة تثقيف صحي

من أسيوط حصلت تنديار على شهادتها من كلية الطب، ومن قنا وأسوان بدأت أولى تجاربها في تطوير مهنة التمريض وأداء الممرضات، وفي القاهرة أدخلت خدمة “الهوسبس” لأول مرة في مصر.. هكذا كانت محطات الطبيبة، التي سعت من خلالها إلى تطوير قطاع الصحة في مصر بشكل عام.

 

في بداية عملها أخصائية أمراض نساء بقرية “حجازة” بقنا، في أوائل التسعينيات، لم تشعر تنديار أنها تقدم شيئًا يخدم المجتمع، ورأت أن لها دورًا آخر عليها أن تؤديه، فكانت تقوم بتقديم معلومات طبية حول صحة الأم وأطفالها بشكل مبسط لسيدات القرية أثناء زيارتهن للوحدة الصحية لتطعيم أطفالهن، وذلك عبر تجميعهن قبل موعد التطعيم بدقائق، ومدّهن بطرق إسعاف الأطفال من خلال وصفات بسيطة يمكنهن عملها بالمنازل.

 

كانت هذه الدقائق أشبه بجلسة تثقيف صحي للسيدات، حيث تشرح تنديار: “المرحلة دي كانت حجر الأساس بالنسبة لي، ونقل نفسي من الطب إلى التركيز على احتياجات المجتمع”.

 

 

لحظة فارقة

لاحظت تنديار أن المنوط بهم تثقيف الأهالي بهذه المعلومات الصحية البسيطة هو طاقم التمريض، غير أنه لم يكن مؤهلًا لذلك، بخلاف وجود حاجز بين المجتمع وبين الممرضين، موضحة: “الممرضة المصرية لما بتسافر بره بتبدع وبتكون على رأس مقدمي الخدمة الصحية، بينما في مصر الممرضات دايمًا متهمة بالإهمال والتقصير، والمريض غير راضي عن أدائها”.

 

من خلال اختلاطها بالممرضات والنقاش معهن، وجدت تنديار أن مدارس ومعاهد التمريض يلتحق بها الطالبات الحاصلات على مجموع قليل، وهدف الالتحاق هو ضمان الوظيفة.

 

ولمست الطبيبة تنديار مع مرور الوقت مدى أهمية دور الممرضة، وإلى أي مدى يُمتهن حقها، وكيف كانت الفتيات يتخرجن في مدارس التمريض وأعمارهن لا تتعدى الـ16 عامًا، أي أنهن في نظر القانون أطفال، ما جعلها تتسائل: “إزاي نطلب من طفلة أنها تكون مسئولة عن حياة إنسان”.

 

كل هذه الأمور جعلت تنديار تنشغل بمسألة التطوير والنهوض بأداء الممرضات، إلى أن كان تعرضها للإجهاض هو المحرك الأساسي للبدء في هذا التطوير بشكل عملي، حيث تقول: “لما تعرّضت للإجهاض، اللي ساعدني وعلمني كتير كانت ممرضة، وقدمت لي نصيحة بعد الإجهاض، ده غير الدعم النفسي الكبير اللي ادتهولي، اللحظة دي كانت نقلة في حياتي، وقتها حسيت أنها دفعة من ربنا عشان أقف بجانب قطاع التمريض”.

 

 

“الرحلة”

رأت تنديار أن عملية التطوير أكثر إلحاحًا في صعيد مصر، لما لاحظته من نقص في عدد الممرضات، وكانت أولى خطوات هذا الطريق، من وجهة نظرها، هو تحسين الصورة النمطية لدى المجتمع الصعيدي عن الممرضات، والعمل على تزويد عدد الملتحقات بمعاهد ومدارس التمريض، وأن يعتمد التحاقهن بهذه المدارس على حصولهن على درجات علمية مرتفعة.

 

وكانت دراسة أجرتها وزارة الصحة عام 1996 قد أوضحت أن هناك نقصًا حادًا في أعداد الممرضات؛ ففي صعيد مصر كل 10 آلاف مواطن يقابله 14 ممرضة فقط.

 

ومن أسوان عام 1999 بدأت “الرحلة”، كما تصفها تنديار، فما تتمنى تحقيقه كان يتطلب تعاونًا وتفاهمًا وتغييرًا في قوانين قبول الطالبات بمدارس ومعاهد التمريض، ومن هنا كان العمل مع مديرية الصحة وفرع نقابة التمريض بأسوان، بخلاف الجمعيات الأهلية، الذين يعملون جميعًا من أجل تحسين صورة الممرضة والنهوض بقطاع التمريض.

 

ولمواجهة صغر سن الممرضات عند التخرج، عملت تنديار من خلال فريق عملها على المطالبة بإعداد الممرضة نفسيًا للتعامل مع المرضى، وأن تخضع لسنتين من التدريب حتى تصبح مؤهلة للتعامل مع جميع الحالات المرضية، وبالتعاون مع نقابة التمريض استطاعت تنديار أن تسعى لإصدار قانون يُخضع الطالبة لسنتين من التدريب بعد المرحلة الإعدادية، أو الدراسة لمدة خمس سنوات.

 

 

مجهودات أخرى

إلى جانب ذلك، عكفت تنديار على تصميم برنامج لتدريب وتأهيل الممرضات قامت بتطبيقه في قنا وأسوان، ومنهما إلى مستشفى أبو الريش في القاهرة، وطوال هذه “الرحلة” كانت دومًا ما تُقابل مجهوداتها باستنكار من جانب زملائها، الذين رأوا أنها لابد أن تركز على عملها كطبيبة فقط، ولكنها لم تكترث لهم، حسبما قالت.

 

كذلك ترأست تنديار مؤسسة جوساب للتنمية، التي تعمل على تقديم خدمة الهوسبس؛ أي رعاية الحالات المرضية المتأخرة المشرفة على الموت، وتهدف هذه المؤسسة، التي تعمل في نطاق القاهرة الكبري، إلى الحفاظ على كرامة وآدمية الإنسان حتى آخر يوم في حياته، حسبما تصف المؤسسة نفسها.

 

وتتعاون المؤسسة مع 5 مستشفيات حكومية وجامعية، وذلك في إطار إرسال الحالات التي ينتهي دور الطب في علاجها، وتصبح حالة مرضية متأخرة تنتظر الموت، ليأتي دور المؤسسة في هذه الحالة أن تعين المريض وأسرته على تحمل قسوة انتظار الموت.

 

وتحكي تنديار عن هذه التجربة، فتقول: “محدش فينا يعرف هيموت إمتى، والمؤسسة هدفها الحفاظ على كرامة المريض، وتقدم له دعم نفسي واجتماعي مجانًا، وبدون أي مقابل مهما كان مستواه الاجتماعي والاقتصادي”.

 

وتقوم المؤسسة بدراسة احتياجات المريض، وتوفير أطباء لعلاجه، ومساندته وأسرته ماديًا، إذا كان في حاجة إلى ذلك، وفي حالة وفاته تقوم بدوره لمدة 6 أشهر، إذا كان المتوفى هو رب الأسرة، كما تقوم بتسديد جزء من ديونه، وتبتكر أنشطة ترفيهية له ولأسرته، وقد عملت المؤسسة مع 132 حالة منذ 2011؛ لم يتبق منهم سوى 18، بينما توفي الآخرون.

You must be logged in to post a comment Login