‘‘المندرة’’ تنشر تفاصيل ‘‘فتنة الحب’’ بديرمواس في المنيا

التشديد الأمني بعد فتنة البدرمان

التشديد الأمني بعد فتنة البدرمان كاميرا – ريمون زكي

**علاقة عاطفية غير مؤكدة بين فتاة مسلمة وشاب قبطي تفجر الفتنة و الفحص الطبي يثبت عذرية الفتاة

**سقوط قتيل وأكثر من 10 مصابين وحرق ونهب المنازل.. والأمن يلجأ للحلول التقليدية

**ناشطون يستنكرون إخفاق الدولة في إدارة الأزمة وينتقدون الجلسات العرفية

 

المنيا: ريمون ذكي

قريتا ‘‘نزلة البدرمان’’ و‘‘البدرمان’’ بالمنيا، أعادتا إنتاج الشكل النمطي للفتنة الطائفية بين المسلمين والمسيحيين، بكل تفاصيلها التي طالما تكررت على مدار نحو خمس حقب زمنية، بينما استمرت الدولة، متمثلة في الحكومة والإدارة المحلية، في الظهور بصورة غير القادر علي إدارة الأزمة واتخاذ تدابير وقائية فعالة تجاه تداعيات مؤكدة تلوح في الأفق، لم تلبث أن تحققت وتصاعد الأمر كالمعتاد، حيث شهدت ‘‘نزلة البدرمان’’، التابعة لمركز ديرمواس، على مدار يومي الخميس والجمعة، صدامات طائفية عنيفة بين مسلمين ومسيحيين بالقرية علي خلفية ذيوع أخبار عن علاقة عاطفية بين فتاة مسلمة وشاب قبطي، سقط على إثرها قتيل و6 مصابين باليوم الأول، وأُحرقت عدة منازل.

 

الحادث وقع عصر الخميس الماضي، واكتفت الأجهزة الأمنية بتوجيه قوة أمنية للقرية، وغاب عنها أن الأمر لابد أن تمتد آثاره في المناطق المجاورة، وكان بمقدور الأجهزة الأمنية توجيه قوة من الجيش أو الشرطة لتطويق وتحزيم تلك القرى والاستعانة برؤوس العائلات وأصحاب الكلمة النافذة لإقرار صلح سريع وإزالة أسباب الاحتقان، إلا أن ذلك لم يحدث مُطلقا.

 

البداية كانت يوم الاثنين الماضي، الخامس والعشرون من نوفمبر، بتغيب فتاة مسلمة تدعى (أ.ج.م)، 20 سنة، عن منزل والدها دون علم الأسرة وجهتها، إلا أنهم توصلوا بعد ذلك إلى أنها لجأت لمنطقة ‘‘عزبة النخل’’ بالقاهرة، لدى شابين قبطيين من القرية هما (شنودة.ل.ح)، وشقيقه عيد، وتمكن والد الفتاة من معرفة وجهتها، فأرسل أحد أقاربه وأحضرها من منزل الشابين، وأكدت مصادر أمنية أنه كان هناك اتجاه لإخماد الأزمة في مهدها بتوقيع عقوبة أو غرامة عرفية علي أسرة الشابين خاصة بعدما تأكد بالفحص الطبي أن الفتاه لم تسقط عنها عذريتها وأنها مازالت بِكرا.

 

بداية العنف

رغم أن الأمر بدا وكأنه قد تم تداركه بإجراءات سريعة، إلا أن المفاجأة كانت عصر الخميس الماضي، عندما استهدف عدد من أقارب الفتاة بطلة القصة، منزلين لاثنين من أقارب الشابين القبطيين، وأحرقا المنزلين، فلجأ أحد الأقباط، ويعمل خفير نظامي، لإطلاق أعيرة خرطوش من بندقيته الميري ليصيب 6 من أقارب الفتاة، ويموت آخر متأثرا بإصابته.

 

أشارت التحريات الأولية لأجهزة البحث الجنائي إلى أن أقارب الفتاة الذين توجهوا إلى منزل الأقباط كان من بينهم، (جمال. م.ع)، 45 سنة، فلاح، والد الفتاة، و(هاني ج.م.ج)، 35 سنة، سائق، وأصيب برش خرطوش بالرقبة والوجه والصدر، و(فوزي.ف.ت)، 35 سنة، عامل، أصيب برش خرطوش بالرقبة والرأس، و(ناصر.ع.ع)، 32 سنة، سائق، أصيب برش خرطوش بالصدر، و(عمرو.م.م.ع)، 22 سنة، عامل، وأصيب برش خرطوش بالصدر، و(نصار.ع.ع)، 34 سنة، تاجر، وأصيب برش خرطوش بالصدر، و(عبد الغفار.ش.م)، 39 سنة، فلاح، وأصيب برش خرطوش بالصدر، و(حمادة صابر عبد الله خميس)، 31 سنة، سائق، وتوفي متأثرا بإصابته برش خرطوش بالصدر والرقبة.

 

الأقباط أصحاب المنزلين، كما أوردتهم التحريات، هما (لويس.ج.س)، 65 سنة، فلاح، وابن شقيقه (نادي.س.ج)، 23 سنة، عامل، أما (نبيل.س.ج)، 45 سنة، فهو الخفير النظامي من قوة مركز ديرمواس، والذي نسبت له التحريات إصابة المصابين والقتيل، وتحرر بتلك الوقائع محضر برقم 3803 إداري مركز شرطة ديرمواس.

 

بمجرد تصاعد الأحداث وسقوط القتيل والمصابين، شاع التوتر بالقرية، وبدأت وقائع إحراق منازل عدد من الأقباط، خاصة بعد التأكد من مصرع حمادة صابر، وبدأ الحرق بمنزل الخفير ومنزل مجاور له، لقبطي يدعى جابر خير شحاتة، 45 سنة، فلاح، ورغم توافد الأمن للقرية خلال نحو 50 دقيقة من الأحداث، رغم بُعد القرية عن مركز ديرمواس، إلا أن التواجد الأمني لم يخمد الفتنة التي ما لبثت أن اشتعلت من جديد بحلول ظهر الجمعة.

 

تجدد الفتنة

عقب صلاة ظهر الجمعة، تظاهر المئات من الشباب المسلم؛ اعتراضا على مقتل السائق، وإصابة آخرين من ذويه، واندلعت من جديد شرارة الأحداث لتطال هذه المرة قرية ‘‘البدرمان’’ المجاورة لـ‘‘نزلة البدرمان’’، واستهدف الثائرون من الشباب منازل الأقباط رغم تصدي الكثير من عقلاء المسلمين لهؤلاء الغاضبين، إلا أن حمية الشباب كانت الغالبة. وتطوع عقلاء من المسلمين لحماية الطريق المؤدي لكنيسة مار جرجس بقرية البدرمان، ونجحوا في حمايتها من الأذى، وأصيب ثلاثة من أبناء القرية.

 

أكد عدد من أهالي القرية، وشهود عيان، أن المتظاهرين استهدفوا واجهات منازل الأقباط بكرات لهب، بينهم منزل مواطن يدعى ‘‘بشري أقلاديوس’’، وأشار الأهالي لإصابة زاهر نجيب، 42 سنة، بنزيف بالأذن، و‘‘جميل أقلاديوس’’، 55 عامًا، باشتباه بكسر في الجمجمة، فيما أصيبت ابنة صاحب المنزل، إيفون بشري أقلاديوس، 14 سنة، بكسر بالذراعين، إثر سقوطها من الطابق الثاني لمنزلها، واتهم الأهالي المشاركين بالشغب بإلقائها من شرفة المنزل. تم نقل المصابين الأول والثاني لمستشفى المنيا الجامعي، حيث تتوافر إمكانات فنية تقنية أكبر لرعاية الحالات الحرجة، بينما نُقلت الفتاة لمستشفى ديرمواس العام.

 

إدارة الجهات الأمنية للأزمة، غاب عنها أن المنطقة لها تاريخ مرضي باِلإصابة بداء الفِتَنْ، فلم يمض شهر على استغاثة أقباط ‘‘نزلة البدرمان’’ من المجرم الذي لُقب بـ‘‘هولاكو الصعيد’’، وكان يفرض الإتاوات على الأهالي، وكانت نهايته عندما قرر خطف فتاة قبطية من جميلات القرية للزواج منها رغما عنها فلجأ أهلها لأجهزة الأمن، إلا أنهم لم يستطيعوا القبض عليه فتحرك أهالي القرية في اتجاهه وطالبوه بتسليم نفسه، وعندما رفض وقام بإطلاق النيران عليهم بادلوه بالنيران حتى لقي مصرعه، كما تقع القرية علي مقربة من قرية ‘‘دلجا’’ التي عرفت في الآونة الأخيرة بالتوتر الطائفي.

 

لا ناقة لهم ولا جمل

عدد من أهالي قريتي البدرمان ونزلة البدرمان، طلبوا عدم ذكر أسمائهم، ذكروا أن 18 منزلا بالقريتين تعرضوا للحرق والاقتحام والنهب، وهم منازل لويس حبيب حنا، ونبيل سليمان جاد، الخفير، كما تم نهب وتكسير منازل: جابر خير، وممدوح وليم، وفي تجدد العنف يوم الجمعة بنزلة البدرمان، أُشعلت النيران في 8 منازل، أغلبها حرق وبعضها نهب، وهم منازل حنا أديب، متعهد زيوت، وسعيد يونان يوسف، وسمير مجدي فوزي، ناشد يوسف، الذي تهدم منزله متأثرا بالحرق، ومنزل ميلاد أنيس، وشقيقه نادر أنيس، وخلف زكي مسعد.

 

وفي يوم الجمعة، تم تحطيم منازل الأشقاء الذين أصيبوا في الأحداث، وهم بشرى وإبراهيم وجميل أقلاديوس، وكذلك منزل زاهر نجيب، وعزت حلمي ميخائيل، بينما أكد العميد هشام نصر، أن الأمن تلقى بلاغات بتعرض 7 منازل للحرق والتلفيات في أحداث عنف الخميس والجمعة بالقريتين. وتمكنت أجهزة الأمن من ضبط 9 متهمين من الطرفين، بينهم المتهمين بالقتل، فيما فرضت أجهزة الأمن طوقا أمنيا مشددا حول قرى البدرمان ونزلة البدرمان بمركز ديرمواس؛ تحسبا لوقوع احتكاكات بين الطرفين.

 

من جانبه، قال هشام حسنين، عضو المكتب السياسي لحزب الثورة مستمرة، إن حادث قريتي البدرمان، تكرارا لشكل تقليدي للفتنة، وتابع ‘‘من أهم أسباب الفتنة استخدام تيارات متشددة للفتنة الطائفية كأداة من أدوات تعزيز وجوده بإدعاء أنه حامى للإسلام ولذلك ينشر الأفكار التي تستدعي الفتنة’’، مضيفا أن هذا التيار يستخدم شعارات الفتنة الطائفية للحشد والتأييد لنفسه ويحول المعركة السياسية إلى معركة طائفية يضع الإسلام فيها طرف والمسيحيين كطرف مضاد.

 

شدد حسنين على أن الحكومة لا تبذل أي جهد للقضاء على الفتنة الطائفية، فالداخلية تتعامل بيد مرتعشة، فإما أن تصل متأخرة أو تتواجد دون اتخاذ إجراءات حاسمة وقوية لردع المشاركين في الفتنة، وكثيرًا ما تتخلى عن دورها بحجة ترك الأمر لوساطات لا تنجح غالبًا في مساعيها.

 

بيت العائلة

مصدر كنسي بمطرانية ديرمواس للأقباط الأرثوذكس، قال لـ‘‘المندرة’’ إن القصة مفتعلة، وهناك أيدي تُذكي الفتنة لضرب الوطن في هذا التوقيت، وتساءل ‘‘كيف يكون هناك علاقة بين فتاة وشاب غير مقيم بالقرية منذ ثلاث سنوات ومقيم بالقاهرة، فمن المُلام إذا كانت الفتاة هي من توجهت للقاهرة وتم استعادتها من هناك!’’. وأشار إلي أن هناك من يريد أن يتسبب في هزة للوطن، وأنه ‘‘إذا كان هناك مخطئ لماذا لا يحاسب ونجد العقاب الجماعي والعنف تجاه الأقباط ككل’’.

 

وفي نفس السياق، أوضح القمص أغسطينوس إيليا، نائب رئيس مجلس إدارة ‘‘بيت العائلة’’ بالمنيا، إن هناك ثلاثة أسباب للفتن الطائفية، أولها عدم إعمال القانون، ثم الخطاب الديني المتشدد، يليه غياب المناخ الصحي للتعايش السلمي وثقافة قبول الآخر، وأشار إيليا إلى أن الدولة تخطئ دائمًا في التعامل مع الفتن الطائفية لأنها تهتم بالنتائج وتغفل الأسباب، فتبحث عن علاج للعرض دون أن تجتهد لاجتثاث المرض نفسه.

 

من جانبه، أكد الناشط الحقوقي محمد الحمبولي، رئيس مركز الحريات والحصانات لحقوق الإنسان بالمنيا، أن التقارير الحقوقية رصدت أن محافظة المنيا تقع بها 40% من الأحداث الطائفية بمصر، وأن الجلسات العرفية من ضمن أسباب انتشار المشاكل الطائفية، وأرجع الحمبولي السبب في تأجج الأحداث الطائفية بعد ثورة 25 يناير للاستقطاب الديني بداية من استفتاء 19 مارس 2011، والذي ظل يُمارَس طوال العامين الماضيين. وأضاف ‘‘لو طُبق القانون علي أي مخطئ مسلم كان أو مسيحي لن نسمع عن مسمى الفتنة الطائفية’’.

 

ومن الجانب القانوني، أوضح أن لمجابهة الفتن شقان؛ الأول وقائي، والثاني علاجي، بأن تكون هناك قوانين رادعة وتعامل الفتن معاملة الإرهاب، بالإضافة لتفعيل القانون وليس فقط سنّه، دون الالتزام به، مشددًا على أن السبب في تكرار الصدام الطائفي أحيانًا هو اللجوء للجلسات العرفية والتعامل مع بعض تلك القضايا كملف أمني يبحث له الأمن عن حل وقتي بعيدًا عن صحيح القانون.

 

You must be logged in to post a comment Login