“زرزورة” رمز الجنة في المعتقد الشعبي

مثل الجنة في التراث الشعبي

مثل الجنة في التراث الشعبي

**جغرافيا المكان على المعتقد الشعبي في المدن المسحورة

**ملجأ الفاريين والهاربين من السلطة من يخرج منها يصيبه التيه

 

المندرة: ءالآء علي

البلورة السحرية تغطيها الأتربة.. تأتي الرياح فتمسحها عن بعض الأجزاء ليظهر ما بداخلها.. تتلاشي الأتربة من الخارج وتتلاشى الرمال من الداخل لتبدأ المدينة بالظهور شيئا فشيئا حيث الباب الخشبي القديم المتهالك يلمع خلفه الذهب والفضة والأحجار الثمينة، فيما تأكل الحيوانات من الزرع بالداخل دون وجود من يرعاهم، ولكن إن دارت البلورة من الناحية الآخرى سنجد أفعى كبيرة تجلس أمام الباب المتهالك فهى حارس البوابة.

 

تعد الواحة هى يوتوبيا الصحراء، المدينة الباطنة المستورة ذات الطلاسم التي يطلق عليها “مسحورة” وظهرت مع انتشار الصحاري المعزولة إلى جانب فترات الظلم الإجتماعي والسياسي. في واحة الداخلة بالصحراء الغربية، تسمى المدينة العجائبية “زرزورة” وتمتد حتى الصحراء الليبية.

 

أرض العزلة ومهجر الفاريين

جغرافيا المكان حيث التربة الرملية المتحركة من بحر الرمال الأعظم، والعزلة الجغرافية، والخوف من ارتياد مجاهل الصحراء خلق عددا وافرا من هذه المعتقدات. لا ينصاع أهل الواحة للسلطة المركزية للمكان بشكل كامل منذ قرنين فأصبحت ملجأ للفارين من السلطة في فترات تاريخية متباينة، وفرار بعض العمال المصريين من القائمين على جمع الخراج في القرون الأولى بعد الفتح الإسلامي.

 

كان العصر الذهبي للواحات هو الفرعوني واليوناني، حين كانت الطريق الآمن من بطش الآشوريين أثناء الحروب فسلكه الرحالة “حرخوف”، وأصبحت الواحات ملجأ للفارين والهاربين في عصر الشهداء من الاضطهاد الديني، ثم أهملت في عصر أبناء الصحراء، وأصبحت معزولة مهملة في العصر التركي، فأصبحت بعد أن كانت تستورد الرجال وتصدر الحبوب تصدر الرجال وتستورد الحبوب.

 

اختفت العديد من القرى بفعل الرمال وجفاف الأبار فهجرها أهلها، واتضح أن هناك أربع عزب كانت تتبع قرية القصر وهي الحمام وشكول والقلول وعنفيش. اختفاء هذه الواحات يؤثر على المعتقد الشعبي بما حل بها من خراب ومن هنا تتأكد فكرة الواحة المسحورة أو المفقودة، إلى جانب بعض الحيوانات التي كان يتم إستأناسها قبل اختفاء الواحات وأصبحت فيما بعد حيوانات متوحشة لا تجد من يستأنسها.

 

الماء والذهب

ترسم المخيلة الشعبية المدينة المسحورة في صورة مدينة يسترها الجان عن الأعين، تحكي حكايات عن المدن المختفية وكلها لها علاقة بالواحة الداخلة أو “زرزورة”. يقول المقريزي أن المدينة التي يسترها الجان لها أشكال متباينة فقد تظهر بشكل مفاجئ في الصحراء ليلا أو يدلف إليها التائه عبر بئر مهجور له باب قديم متهالك، بجانبه ثعبان نائم يحرسها. وتكون الأرض مهملة، وجريد النخل متروك، والحيوانات مثل الحية أو الثعبان ترعى في المراعي بحرية والمياة فائضة عن حدود الآبار. يسكنها الجان ويملكوها ويخفوها عن الأنظار وقد يمنح الجان من يرضى عليه من الإنس بالدخول إلى جنته، وهى الواحة المخفية، كثواب له عن أعماله الصالحة وصفاء نيته.

 

غاية سكان الصحاري تكون في الماء والكلأ، ومن ثم يترسخ المعتقد الشعبي بأنه حيثما كان النشاط الإلهي يتجلى في إحياء الأرض كان الماء الذي يعطيها الخصوبة ويهب الحياة لسكانها، فالماء رمز الطهارة لهذا أقيمت المعابد بجانب النهار والمياه لأن الماء يضفي رمزا قدسيا على المكان.

 

تحوي المدينة المسحورة الكنوز فالصحراء تنتشر بها العديد من المعادن، والذهب عند الفراعنة رمز للخلود، فتقول الأسطورة المصرية:”للآلهة عظاما من الفضة ولحما من الذهب” فهذا المعدن غير قابل للفناء ينجي صاحبه في الحياة الآخرة، والدليل على ذلك أطنان الذهب التي وجدت مع توت عنخ آمون، لكن الذهب الموجود في زرزورة لا يستطيع أحد الحصول عليه، فبمجرد دخولها يختلف الزمن ويصبح جزء منها فيصبح الذهب والمعادن مثل الحصى لا قيمة لها.

 

الخروج من الجنة

مثلما يتطلب دخولها إذنا، يتطلب أيضا الخروج منها إذنا آخر من حارسها وهو كائن غير مؤذٍ ليس بعفريت ولكن جان أو ملاك، فالمدينة المسحورة ليست فقط مكانا للطيبين الذين يحصلون على ما يستحقوه من جنة مفقودة، ولكنه أيضا مكان للأشرار الذين يحصلون على عقابهم من مضاداتهم. والخطيئة الوحيدة التي تجب الخروج من هذه الجنة هي إفشاء السر، والإكتناز وهو الخطيئة الثانية للخروج فالجميع يجب أن يأخذ حاجته فقط فالإكتناز حتى لو ليوم واحد نهايته الطرد من الجنة، كما طرد آدم، وإن خرج من دخلها فقد يصاب بالتيه فلا يعلم من هو، وأين يذهب، وقد يجده أهله جثة هامدة في الصحراء بعد فترة من الزمن.

 

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *