الزمان والمكان الأسطوري في الحكاية الشعبية

جبال وبحار وحدائق.. المكان في الحكاية الشعبية

جبال وبحار وحدائق.. المكان في الحكاية الشعبية

**اضطراب البحر واستقرار الجبل موطنا الغموض

**الخيال الشعبي يخلق أماكن غريبة تدور فيها الحكايات مثل الجاموسة والبطيخة

 

المندرة: ءالآء علي

تمشي على الطريق السريع بين الجبال ليلاً، الخوف يسيطر على المكان، تتمنى لو أن الطريق ينتهي ولا يتتبعك القمر، وترى الشمس وتصل إلى البحر قبل أن تراك جنية البحر أو النداهة، حيث تجد الصيادين والسفن والمصطافين فتصبح جزءا منهم لا تخاف سوى من أن يسرق أحدهم ملابسك أثناء استحمامك بالبحر، ولكن القمر ما زال يتتبعك، والطريق لا ينتهي، تشم رائحة اليود، تنتشي، تقترب من النهاية يختفي القمر يظهر اللون الأزرق في الأفق.. ولكن تأتي الرياح بما لا تشتهي السفن.. وتستيقظ من النوم لتجد نفسك حالما ونائما على سريرك بغرفتك المغلقة أسفل لحاف وبطانية يكتمون أنفاسك.. تتمنى لو تنام مرة أخرى وترجع للحلم بخوفه لتصل لنهاية الطريق.

 

تلعب الأحلام تلعب دورا هاما في الأسطورة التي هى تعبير عن حكايات الأزمنة السحيقة والتي قد تكون وقعت بالفعل، أو أنها من الخيال الشعبي، فهى قصة حاول الإنسان البدائي تفسير كل ما احتار فيه عقلة البدائي، فاتفق العلماء على تقسيم الزمن إلى ماضي وحاضر ومستقبل، أما الفلاسفة فقد اختلفوا فهناك من يرى منهم أن الصدارة للحاضر، وآخرون يرون أن الصدارة للمستقبل، وآخرون يرون أن الصدارة للماضي.

 

تشير أسماء عبد الرحمن في كتابها “الحكايات الشعبية في أسيوط” إلى اختلاف الراوي الشعبي، فالتقسيم الزمني يرجع إلى ما يعنيه ويميل له قلبه وعقله في آن واحد، ويميل للتقسيم الذي يسد حاجاته ويشبع رغبات جمهوره. قد يتخطى الراوي في ذلك حدود الزمن المعروف، حيث الزمن الممتد الذي ليس له بداية ونهاية، الزمن الذي لا تتحكم فيه القواعد الزمنية، فمثلا في حكاية “الوزير والصياد” طلب الصياد من الخاتم السحري أن يبني له عمارة أفضل من عمارة الملك، وبالفعل بناها في أقل من ثانية. وبالتالي هذا الزمن معروف ومحدد رغم أسطوريته.

 

وهناك أزمنة متلاحقة لا يفصل بينها مسافة زمنية، فبمجرد نطق القول يتم الفعل مثل حكاية “أدب والأستاذ” حيث قدرة الأستاذ على إخفاء ولدها ثم زوجها ثم أبيها وأمها وإعادتهم للحياة مرة أخرى، وتتخلل تلك الأحداث الخرافية أزمنة خرافية أيضاً، فالقول والفعل والفاعل لا يفصل بينهم أية مسافة زمنية.

 

البحر والجبل والحديقة

علاقة الإنسان بالمكان هى علاقة وطيدة، بدأت مع بداية الإنسان نفسه، ووجد نفسه مضطرا لإنشاء هذه العلاقة للتعايش معها، وإدراك الإنسان بالمكان إدراك محسوس وواعِ بعكس الزمان، فهو شئ مجسد نستطيع لمسه وإدراك محتوياته.

 

للمساحات المائية كالأنهار، والبحار، والآبار نصيب كبير من الأسطورة، ففي الماء تعيش عروس البحر، وهناك اعتقاد شائع في مصر أن “للبحر ملاكاً طاهراً” لهذا بالغ القدماء في تقديسه، وإليه تنسب جنيات وحوريات البحر، وينتسب له الجزء الخيالي حيث السمكة التي ببطنها خاتم سليمان، والبحر هو وسيلة تحقيق حلم البطل فالشاطر راشد لا بد وأن يعبر البحر ليفوز بالفتاة التي يريد الزواج منها كما في حكاية “الشاطر راشد”.

 

أما الجبل فله قسط كبير من الأسطورية لا يقل عن الماء، فقد تضم مغارة بالجبل الخير أو الشر للبطل، فالشاطر محمد يواجه المغارة التي احتضنت مائة لص بداخلها، ولكنها مغارة مسحورة لا تفتح إلا بموت اللصوص المائة وقد استطاع تنفيذ هذا الشرط لأسطورية المغارة وأسطورة البطل أيضا فهو ليس بطلا عاديا فقد استطاع أن يقتل مائة لص وحده.

 

الحديقة أيضاً مكان أسطوري ففيها العنب الذي “يكفي العنقود منه الدنيا والدين”، والحبة الواحدة “تزيد من عمر آكلها”، فهذه الحديقة ليست من صنع مخلوق عادي، فهى من صنع جنية تدعى “مليكة” كما في حكاية “القردة والملكة”. هذا النوع من الأماكن متعارف عليه، فيما خلق الخيال الشعبي أماكن أخرى وتفنن في وصفها، وأعطاها تفاصيلا خاصة، مثل: حكاية “التلت ولاد” التي تدور حولها أحداثها في قلب بطيخة، حيث سقطت سكينة بداخلها، وبالبحث عنها نفاجأ بوجود جماعة تبحث عن جاموسة مفقودة بداخلها، وأيضا في حكاية “القردة والملك” التي تدور أحداثها داخل بطيخة آيضاً.

 

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *