إرهاب رأسمالي على قصر مكرم عبيد في ذكرى ميلاده

**التراث الثقافي يلفظ أنفاسه الأخيرة والجميع يتخلى عن القصر

 

قنا: سعيد عطية

وسط مدينة قنا، بين مديرية الأمن ومبنى المحافظة، يقع القصر الذي تبلغ مساحته 800 متر مربع، والذي بناه صاحبه مكرم عبيد باشا، وزير المالية المصري الأسبق، عام 1924، ثم توفي في 1961 وتركه ليقضي فترة من وجوده كتراث ثقافي له قيمته، حتى نالت منه يد الإرهاب الرأسمالي، وسقط في قبضة الإهمال.

 

القصر، الذي تعرض لعمليات حرق متتالية مؤخرًا، تسببت في سقوط بعض أجزاءه الرئيسية، استغلته وزارة التربية والتعليم لفترة، حيث كانت تؤجره كمقر لمدرسة سيدي عمر الابتدائية، ثم باعه الورثة الأصليين للوزير الراحل، وهم أحفاده، لكن المشترون لم يتمكنوا من استرداده من الوزارة، فباعوه بنصف الثمن لمجموعة من المستثمرين، الذين تمكنوا من إخلاء المدرسة من القصر، بمعاونة أصحاب النفوذ، في عهد اللواء عادل لبيب، محافظ قنا السابق، بعد موافقة قسم التخطيط والمتابعة والمباني بمديرية التعليم، بحجة أن المبني آيل للسقوط.

 

حصل المستثمرون بعد ذلك على خطاب من هيئة الآثار، يفيد بأن القصر لا يخضع لقانون حماية الآثار، وغير مسجل كأثر، إلا أن الهيئة أكدت في خطابها أن عدم تسجيل القصر لا يعني التصريح بهدمه إلا بعد الرجوع للجهات المختصة، فحاول المستثمرون الحصول على ترخيص من الوحدة المحلية لمركز ومدينة قنا، بإنشاء برج سكني في موقع القصر بعد هدمه، وباءت محاولاتهم بالفشل، بعد رفض الوحدة المحلية الموافقة على الهدم، نظرًا لأنه أحد القصور الأثرية التي يحظر هدمها.

 

عقب ذلك، بدأ مجهولون في القيام بأعمال حفر في أساسات القصر، وفور علم مجلس مدينة قنا، تم تقديم بلاغ رسمي، وإلقاء القبض على العمال الذين كانوا يقومون بأعمال الحفر، ومازال التحقيق جاري معهم، ويُذكر أن النيابة وجهت لهم تهمة التنقيب عن الآثار. على إثر ذلك خاطب اللواء عبد الحميد الهجان، محافظ قنا، المجلس الأعلى للآثار، لدراسة إمكانية ترميم المنهار من القصر بعد تشكيل لجنة عاجلة لفحصه، وتم وضع القصر تحت الحراسة.

 

في عام 2000، صدر قرار يعتبر القصر تابع لوزارة الثقافة، التى كانت تشرف على قطاع الآثار حينذاك، تحت رقم 231/200، بعدها قامت مجموعة من المحامين برفع قضية أمام محاكم قنا، انتهت بعدم النظر في الدعوى التى كانت تطالب بعدم إشراف وزارة الثقافة عليه.

 

اللجنة التي شُكلت في عام 2002، من رئيس الوزراء، أقرت بأن القصر ضمن المباني ذات الطراز المعماري الخاص، والتي مر على انشائها قرابة القرن، إلا أنه رغم قرار اللجنة، لم يتم إدراجه حتى اللحظة بشكل رسمى .وفي عام 2010 أعلنت وزارة الآثار تخليها عن القصر .

 

تعرض القصر لعملية حرق في أغسطس الماضي، في محاولة من الفاعلين لإخراجه من قائمة القصور الأثرية بقنا، لكن قوات الدفاع المدني تمكنت من إنقاذه، وفي السابع عشر من الشهر الجاري، استيقظ الأهالي على حريق آخر شبّ في واجهة القصر وأبوابه الخشبية الخارجية، وتمكنت القوات مرة ثانية من السيطرة على الحريق.

 

في اليوم التالي لمحاولة الحرق الثانية، انهارت أجزاء كثيرة ورئيسية بالقصر، حيث سقطت الواجهة الجانبية بالكامل، وسط اتهامات بوقوف مجموعة من المستثمرين خلف محاولات الحرق، حيث نشرت إحدى الجرائد القومية خبرًا في 20 أكتوبر الجاري، يفيد بأن تحريات الجهات الأمنية بقنا كشفت عن ضلوع ضابط شرطة سابق في المحاولتين الأولى والثانية مقابل 3 ملايين جنيه من أصحاب القصر، وأمر اللواء محمد إبراهيم، وزير الداخلية، بتشديد الحراسة حول القصر، وسرعة التوصل إلى مرتكبي الواقعة.

 

وعن أسباب انهيار أجزاء من القصر بعد ذلك، فهناك روايتين، الأولى تقول إن تجمُّع الماء، الناتج عن إخماد الحريق، في المناطق الجانبية من الأدوار العليا، تسببت في التلف والإنهيار، لكن ما يشكك في صحة ذلك أن قوات الدفاع المدني استخدمت الطفايات الصغيرة واليدوية في عملية الإطفاء، بينما الرواية الثانية تقول إن هناك من قام بفتح مصادر الماء داخل القصر، مما تسبب فى التصدع والإنهيار، لكن الجهات الأمنية ما زالت تباشر التحقيق.

 

الغريب أن جميع الجهات المنوط بها حماية القصر تخلت عنه، فهيئة الآثار بقنا أكدت عدم تبعية القصر لها، وأصدرت وزارة الدولة للآثار بيانًا أنكرت فيه علاقة القصر بها، وقالت إنه غير أثري، وهو مايخالف القرار الذي أشرنا إليه مسبقًا، أما محافظة قنا، فأكدت أن مهمة البحث عمّن حرق القصر وهدمه ترجع لمُلاكه، وأنها لاعلاقة لها به من أي جانب، رغم أنه لا يبعد سوى 300 متر عن مبنى المحافظة.

 

الأمل الأخير لقصر مكرم عبيد، كان حزب الوفد، الذي انضم صاحبه للحزب عام 1919، وشارك مؤسسه، الزعيم سعد زغلول، في كفاحه ضد الإستعمار حتى تم نفيه، وفي عام 1935 أصبح سكرتيرًا عامًا للحزب حتى عام 1942، إلا أنه بعد وفاة رفيقه في الكفاح، والاختلاف بينه وبين مصطفى النحاس باشا، ترك عبيد حزب الوفد وشكّل مع المجموعة التى استقالت من الحزب، ما يعرف باسم ’’الكتلة الوفدية‘‘، وشغل بها موقع الرئيس، وكان رد حزب الوفد الآن أن تجاهل عمليات الإرهاب الرأسمالي التي يتعرض لها القصر.

 

بنى مكرم عبيد باشا قصره من طابقين، وبدروم، وحديقة خلفية، وترك قطعة أرض فضاء أمام مدخل القصر، وزيّن جدرانه من الداخل بلوحات لفنانين أجانب، إلا أن القصر تحول الآن لصورة من صور التخريب والإهمال.

 

تأتي تلك الأحداث، تزامنًا مع ذكرى ميلاد وزير المالية الأسبق، الزعيم الراحل مكرم عبيد، في الخامس والعشرين من أكتوبر عام 1889.

 

One Response to إرهاب رأسمالي على قصر مكرم عبيد في ذكرى ميلاده

  1. مقداد أبوالجريد 3:15 مساءً, 25 أكتوبر, 2013 at 3:15 مساءً

    أصبحت حكوماتنا تهتم بما ستجنيه من أموال وما يئول للمستثمرين ولم نعد نهتم بتراثنا ولا ثقافتنا ولا حتى عاداتنا وتقاليدنا التي ورثناها… نهتم بإفتتاح مول او مركز تسوق او اي شيء آخر أما عن متحف او قصر أو أي أثر تاريخي او تراثي…الإمارات العربية المتحدة تهتم كل الإهتمام بأي شيء يعود تاريخه إلى عشرون عاما!!! ونحن نهمل آثارنا وحضارتنا وتراثنا.

You must be logged in to post a comment Login