تجميد أموال الجمعيات الخيرية.. الموت البطيء للفقراء

 

أحد المراكز الطبية للجمعية الشرعية

أحد المراكز الطبية للجمعية الشرعية

**الجوع مصير الآلاف بعد قطع الإعانات الشهرية وحياة المرضى مرهونة بقرار بنكي

 

الفيوم: ولاء كيلاني

المنيا: رشا علي

قنا: سعيد عطية

سوهاج: شيماء دراز

البدرشين: هدير حسن

بني سويف: حمدي سليمان

ذهبت ‘‘الحاجة سكينة’’ إلى مقر الجمعية الشرعية في الفيوم، في موعدها الأسبوعي، لتحصل على المبلغ المخصص لها كإعانة على ظروف المعيشة، فجاءها رد القائمين على صرف المساعدة بأنها لن تحصل على أي شيء، وكان تفسيرهم لما حدث مفاجأة غير مفهومة بالنسبة لها، فحينما قالوا إن ‘‘الدولة جمدت أموال الجمعية’’، لم تفهم شيئا، فهي امرأة أمية لا تقرأ الجرائد ولا تتابع التليفزيون، وكل ما عرفته وقتها أنها لن تجد ما تنفقه حتى انقضاء الأزمة.

 

كان لقرار تجميد أموال الجمعيات الخيرية، التي تمثل نحو 70% من إجمالي الجمعيات العاملة على الساحة المصرية، و30% منها موجود بالصعيد، (تعرف على التفاصيل من تغطية المندرة)، أثرًا قويًا على المستفيدين منها، حيث جاء القرار ليحرم الفقراء والمساكين والأيتام، بالإضافة للأطفال المبتسرين ومرضى الغسيل الكلوي وغيرهم من محتاجي الإعانات الشهرية والأطعمة اليومية والمراكز والمستشفيات، التي كانت تقدم لهم خدماتها بالمجان أو بأسعار زهيدة، ورصدت ‘‘المندرة’’ بعض الحالات من أهل الصعيد.

 

حصار القدر

في الفيوم، كان القرار إغلاقا لمصادر رئيسية للدخل بالنسبة لكثيرين، من يبينهم ‘‘الحاجة سكينة’’، المرأة الخمسينية التي لم يسبق لها الزواج، فتعيش وحيدة بعد أن تركها أشقاءها، فمنهم من توفاه الله ومنهم من شغلته ظروف الحياة، وتسكن بإحدى الغرف المتواضعة بمركز الفيوم، وتعيش بالثلاثين جنيه الذين تصرفهم من الجمعية، وتقول عن ذلك ‘‘بيقضوني أكل وشرب وربنا بيقضيها’’.

 

ازدادت المأساةُ مأساةَ عند ‘‘أم محسن’’، ربة منزل من مركز أبشواي بالفيوم، حيث توفت شقيقة زوجها وتركت لهم طفلة رضيعة عمرها خمسة أشهر، وسافر والدها إلي ليبيا للبحث عن عمل، وانقطعت أخباره ليتولى خالها تربيتها، لكن الحالة المادية للخال متدنية، فلديه 6 أبناء بخلاف تلك الطفلة، وكانت الجمعية الشرعية بالمركز تصرف لهم مبلغ 150جنيه شهريا، كفالة لليتامى، بالإضافة إلي علبة ‘‘لبن بودرة’’ شهريا، حتى تم حجب كل ذلك بقرار التوقف، وتقول أم محسن ‘‘مين هيكفل اليتيمة دي دلوقتي.. ده احنا محتاجين اللي يكفلنا’’.

 

خيبة أمل

في ميت رهينة، التابعة لمركز البدرشين بالجيزة، كانت من أبرز الجمعيات التي تم تجميد أموالها، الجمعية الطبية الإسلامية، والتي يتبعها مركز الرحمة الطبي، ويخدم أكثر من 75 مريض بالفشل الكلوي، على مستوى المركز، ويقول محمد سعد، 55 عاما، العائل الوحيد لأسرته، وبناته الثلاث: شعرت بخيبة أمل بعدما ذهبت إلى المركز كعادتي لعمل جلسة الغسيل ففوجئت بتوقف المركز عن العمل بحجة أن الحكومة جمدت الأموال.

 

اعتاد سعد الذهاب للمركز ثمان سنوات متواصلة لتلقي جلسات الغسيل، وليس أمامه مكان بديل الآن، وناشد المسئول عن القرار في الحكومة بالعدول عن القرار أو توفير بدائل للمرضى.

 

وتشكو أم صلاح، والدة أحد الأطفال المرضى بمستشفى الجمعية الطبية الإسلامية، من أن نجلها كان يعاني من التهاب رئوي، فذهبت به إلى مستشفى الحوامدية العام، فلم تجد مكانا لحجزه وعلاجه فلجأت إلى مستشفى الجمعية لتجد ملاذها، ‘‘فكيف يفعلوا ذلك بمرضى المستشفى.. طب أنا والناس الغلابة هانروح فين!’’.

 

ومن جانبه، أكد عادل الصرفي، رئيس فرع الجمعية الشرعية بالحوامدية، أن استمرار غلق الجمعية لمدة شهر واحد فقط سيؤدي إلى بطالة ما يقرب من 200 ألف موظف يعملون بفروع الجمعية الشرعية، وتوقف الإعانة الشهرية لـ 27 ألف طفل يتيم، من المنيب إلى البدرشين، لذا ناشد المسئولين بسرعة التدخل رأفة بعمال وموظفي تلك الجمعيات التي تم إيقاف أنشطتها وتجميد أموالها.

 

‘‘البلد دي ما بتجيش غير على الفقرا’’، بهذه الكلمات استهلت ‘‘سيدة محمد’’، إحدى المستفيدات من مساعدات الجمعيات الخيرية بالمنيا، معترضة على القرار، مؤكدة ‘‘مافيش قدامنا أي حد تاني يساعدنا، غير الكرتونة اللي كنا بناخدها شهريا من الجمعية’’. وهذه الحالة واحدة من 300 حالة مشابهة أُلقت في وجهها أبواب المساعدة، خاصة عن طريق كراتين المساعدة الشهرية من جمعيتي عثمان بن عفان والجمعية الشرعية.

 

‘‘نوايا تسند الزير’’

كانت جمعية الشبان بقنا تصرف مبلغا شهريا لربة منزل في فرشوط توفي زوجها وترك لها أربعة أبناء، في مراحل التعليم المختلفة، وكان المبلغ ‘‘قليل لكنه نوايا تسند الزير’’، كما وصفته الأرملة، إلا أنه توقف تماما، فعتدما ذهبت لتصرفه، قالوا لها ‘‘كل شهر وانتي طيبة، ممكن الشهر الجاي متلاقيهوش’’، وعندما استفسرت عما قالوه أوضحوا لها السبب، فتسائلت ‘‘ليه يحرموا العيال الصغيرة من الرزق اللي كان جايلهم، إيه ذنبهم’’.

 

أما أحمد عبد السلام، فقد نصحه أحد أقاربه بتحويل أوراقة من جمعية عمر بن الخطاب إلى مكان آخر، يتولة نفقات علاجه، حيث يعاني من مياه بيضاء على العين، أدت إلى ضعف شديد في الإبصار بالعين اليسرى، وكانت الجمعية تقدم له علاجا حتى إجراء عملية كان مقررا لها نهاية فبراير.

 

تحديد مصير

وبعد تجميد نشاط الجمعية الشرعية ضمن 118 جمعية خيرية في سوهاج، والتي كان يتعدد نشاطها بين كفالة أيتام وإعانات زواج وتقديم علاج للمرضى، تقول (صفية.م)، ربة منزل، إن الجمعية كانت تصرف لها إعانة شهرية، بخلاف بعض الأجهزة الكهربائية لمساعدتها في إتمام زواج ابنتها. وما كان حال مرضى الفشل الكلوي أكثر حظا، فيقول (محيي.ك) إنه لا يعلم مصير جلسات علاج والده، فهل ستستمر بعد تجميد نشاط الجمعيات، أم أنها توقفت.

 

وفي بني سويف، وان كان الأمر مماثلا لباقي مدن الصعيد، حيث تم تجميد 78 جمعية كانت هي المتنفس الوحيد للعمل الخيري من كفالة يتيم وعلاج وإعانات شهرية، إلا أن ثمة اختلاف كان لدى جمعية الرحمة، التي كانت تجمع تبرعات لبناء معهد أزهري بمدينة سمسطا، ووصلت لجمع 60 ألف جنيه، تم وضعهم في أحد البنوك في حساب الجمعية، للإنفاق على أعمال الإنشاء، إلا أنه بمجرد صدور قرار التجميد توقف العمل، وهو ما أثار سخط المواطنين، فراحوا ينددون بالقرار في أنحاء المدينة.

 

وكان الدكتور هاني مهنا، المستشار الإعلامي لوزير التضامن الاجتماعي، قد قال في تصريحات للإعلام إن الدكتور أحمد البرعي، وزير التضامن الاجتماعي، أصدر قرارًا بتشكيل لجان على مستوى الجمهورية بالتنسيق مع لجنة مركزية في الوزارة لإدارة الجمعيات الأهلية التي تم تجميد أرصدتها في البنوك، وأضاف أن هذه اللجان من صلاحيتها الإنفاق على الأنشطة وصرف مرتبات العاملين بالجمعيات وغيرها من الأنشطة المشروعة التي تقوم بها هذه الجمعيات، مؤكدا حرص الحكومة على عدم تضرر الأسر الفقيرة، وأن هذه الإجراءات متعلقة بإعمال القانون وتطبيقه على الجميع.

 

وفي آخر ديسمبر الماضي، تداولت وسائل الإعلام أن البرعى يدرس نقل أنشطة الجمعيات إلى مؤسسة ‘‘مصر الخير’’، التي يترأسها الدكتور على جمعة، مفتى الجمهورية السابق، وأنه ربما يقرر نقل نصف الجمعيات المجمدة إلى ‘‘مصر الخير’’ وتعيين مفوضين من الوزارة لإدارة النصف الآخر، وذلك لأنها تعمل في نفس الأنشطة الخدمية والإنسانية وتقديم المساعدات لفقراء مصر.

You must be logged in to post a comment Login