تاريخ الواحات.. آثار رومانية وسط بيوت مهجورة

معبد هيبس بمدينة الخارجة

معبد هيبس بمدينة الخارجة

 

**قبائل الأمازيغ أدخلت الإسلام لواحة الداخلة

**إعلان المسيحية الدين الرسمي في القرن الرابع الميلادي

المندرة: دعاء جمال

 

صحراء حملت رمالها آثار لأقدام أشخاص صنعوا تاريخها، ومن سكنوها استطاعوا التكيف معها بعدة أشكال، لتكن واحة الداخلة منبت لحرف وصناعات، ورغم النهوض بحضارتها، وجدت علاقة عكسية بينها وبين الحضارة على وادي النيل، فكلما ازدهرت الحياة على ضفاف وادي النيل واستقرت الأمور الاقتصادية هناك، عانت الواحات من إهمال كبير، حيث شرح كتاب “الواحات الداخلة: دراسة في التاريخ الثقافي والمأثورات الشعبية”، تأليف عبد الوهاب حنفي، ومن إصدار الهيئة المصرية العامة للكتاب، تاريخ الواحات على مر العصور المختلفة في النقاط التالية.

 

العصر الفرعوني للداخلة

تعتبر واحة الداخلة هي عاصمة الصحراء الغربية، في العصر الفرعوني حتى منتصف القرن التاسع عشر، وكانت تسمى وقتها، “تس تس”، بمعنى “اقطع”، ويرمز إليها بسكينين متجاورين، وذلك إشارةً إلى شق الأرض وحفرها على هيئة العيون، حيث تم اكتشاف مدينة أثرية على يد عالم الآثار الدكتور أحمد فخري، وتقع بالقرب من قرية بلاط، يحيطها سور طوله 200متر، وعرضه 150مترا، وتضم لوحات ومقابر لحكام الصحراء الغربية يعودوا إلى الأسرة الثامنة عشرة من حوالي 1400 سنة قبل الميلاد، كما عثر على لوحات لأسماء حكام من الأسرة السادسة، من حوالي 4000 سنة قبل الميلاد في عهد الملك بيبي الأول.

 

وعلى هذا النحو، تم العثور في منطقة بلاط على معبد “موط” بقرية البشندي، حيث قال الدكتور لطفي عبد الوهاب، أن تاريخ بنائه يرجع إلى حكم الأسرة الثامنة عشرة في عهد رمسيس التاسع، وعن الأثر الاقتصادي، تركت العصور الفرعونية للواحات الداخلة العيون المائية التي وصل عددها عام 1956، حوالي ألف عين.

 

التاريخ الروماني للواحات

كان نصيب واحة الداخلة من الحضارة الرومانية كبير، حيث دل على ذلك وجود الكثير من الآثار الرومانية، والآبار التي أنشئت في عصر الرومان وظلت إلى وقتنا الحالي، وازدهرت الزراعة في العهد الروماني بشكل ملحوظ، حيث تم العثور في خمسينيات وستينيات القرن الماضي، على بقايا جذور محاصيل الأرز والقمح، كما تحتفظ المنطقة بجسور والأحواض من العصر الروماني، ومن خلال ما وجد ترى حسن اختيار نقاط حفر الآبار، وأساليب الحفر، وضمان عدم تأثر بئر بأخر في منسوب وحجم تدفق المياه.

 

ومع اضطهاد الرومان للمسيحيين، كان ذلك بداية التدهور والاضمحلال الحضاري في الواحات، حيث دق جرس الإنذار في القرن الخامس الميلادي، مع بدء غارات القبائل الصحراوية البربرية ومنها قبائل البيميز، لتكن نتيجة هذه الغارات سحب الحاميات الحدودية من الواحات، وأخذ الأهالي كرقيق، كما هاجر المسيحيون تاركين ورائهم 169 كنيسة، يعتبروا من أقدم الكنائس، وظل الوضع غير مستقر، حتى القرن الخامس عشر، حينها بدأت الواحات في مرحلة ازدهار جديدة.

 

المسيحية في الداخلة

كان القرن الثالث الميلادي هو بداية انتشار المسيحية في الواحات، وعن تاريخ وصولها فقال علماء التاريخ المحدثون، أنه يرجع إلى أقدم وثيقة عثر عليها، في معبد قصر دوش، وتنتمي للقرن الثالث الميلادي، وهي تسجل خطابا شخصيا كتبه أحد رجال الدين المسيحي ويدعى “بسين أوزيريس”، ويتحدث فيه عن امرأة مسيحية تسمى “بوليتيكى”، نفيت إلى الواحات وماتت هناك، ومع اضطهاد الرومان للمسيحيين، فقد فروا إلى الواحات، ليكن أولى حركات الرهبنة هناك، كما وجدت حالات فردية من مسيحيين أتوا إلى الواحات في القرن الثاني الميلادي مع حركة تجارة القوافل النشطة على درب الاربعين إلى السودان.

 

وصارت المسيحية هي الدين الرسمي لمصر في القرن الرابع الميلادي، حيث تم تعيين أسقف لواحة الخارجة من قبل بطريرك الإسكندرية، لتأتي بعد ذلك فترات الخلاف المذهبي الذي وقع بين الفرق المسيحية المختلفة، وتم نفي بعض زعامات المسيحية، مثل: اثناسيوس، ونسطوريوس إلى الواحات، مما أدى إلى انتشار المسيحية في الواحات أكثر بسبب هؤلاء الزعماء.

 

الفتح الإسلامي للواحات

دخل الإسلام الواحات عام 50 هجرية، حيث أتى من الغرب مع قبائل الأمازيغ، كما أخذت قيادة الفتح قرية القصر مقرا للإدارة البلاد، ومع دخول الإسلام هاجر كثير من المسيحيين إلى الصعيد، فأصبحوا أقلية في الواحات، كانت الواحات تعاني قبل ذلك من ضعف وتدهور، بسبب نهب الغارات القبلية لها، وانتشار مرض الملاريا، وكان أول ظهور لهذا المرض في هذه الفترة.

 

وكان لهجرة المسيحيين من الواحات أثر في تحويلها إلى منطقة مهجورة وتوحش الحياة فيها، حيث دل على ذلك إحدى الوثائق التي عثر عليها في مقر حاكم القلمون “قاضى الشرع الشريف” بالواحات، وتحتوي على تفاصيل فض نزاع حدث بين عدد من الغزاة المستوطنين، وبين السكان الأصليين حول ملكية الأراضي في الواحات، قد فصل في النزاع عام 407 هجرية، وقسمت الأملاك بينهما، حيث يتبين من خلال هذه الوثيقة عدد العائلات المستعمرة، وعدد العائلات الأصلية، والذي يوضح أن الغالبية العظمى من سكان الواحات قد هجروها، وأن عدد العائلات المستعمرة 93 عائلة، بينما كان عدد العائلات الواحية الأصل 7 عائلات فقط.

 

أما عن الوضع الاقتصادي وقتها، اعتمد على الرعي في أعقاب فصل المطر، ولوحظ تدهوره بشكل كبير نظرا لإهمال الزراعة، وهجرة من يقوموا بدور التسويق الاقتصادي لمحاصيل الواحات.

 

You must be logged in to post a comment Login