‘‘بسمة’’.. بنات مصر في حكاية

بنت مصرية

صورة تعبيرية

الفيوم: ولاء كيلاني

شاب ذو مؤهل فوق المتوسط، ولديه عدة محلات يديرها، ومتيسّر جدا ماديا، هو ‘‘عريس’’ لا يمكن لأي فتاة في أوائل العشرينيات من عمرها أن ترفضه، خاصة عندما يدخل لها من مدخل رومانسي، ويعدها بحياة جميلة وهادئة، وأن تُكمل دراستها التي لم تنهها بعد، وأن تعمل في أي عمل إن أرادت، فهي من المؤكد لم تكن تعلم أن الحياة ستدير لها ظهرها، وأن الرجل الشرقي الحقيقي المختبئ خلف الرقة والرومانسية، سيظهر بعد بضع سنوات، وهو سيناريو يتكرر مع نسبة كبيرة من بنات مصر.

 

بسمة (م.ع)، فتاة في العشرينيات، من مركز إطسا بمحافظة الفيوم، تعيش كل يوم من أيام حياتها على أنه أسوأ يوم في حياتها، وكأنها تُعاقب على ذنب ارتكبته، وكان ذنبها أن وافقت على ‘‘أغنى’’ عريس تقدم لها، ونظرت إلى المال دون أن تهتم بالشخصية، وانخدعت في الوسامة والرقة، لتجد نفسها تعيش مع إنسان متسلط لا يعرف معنى الرحمة، ويعتبرها كائن ضعيف يمارس عليه كل أنواع التسلط لكونه رجل، فكان يحبسها بالأيام دون طعام أو شراب، بعد أن كادت تعتاد الضرب والإهانة.

 

منذ خمسة سنوات تزوجت بسمة، وكانت في آخر عام بكلية التجارة، ووافقت على الشاب الذي يمتلك أكثر من محل تجاري يديرهم، وشعرت أنه سيحقق لها أمنياتها، فتزوجته وكان زواجا تقليديا، وفي بداية الزواج كان يعاملها معاملة طيبة، حتى أنجبت له ابنة جميلة، وبعد ذلك وجدت وظيفة مناسبة عن طريق إحدى صديقاتها، في شركة قطاع خاص، ومرتبطة بمجال دراستها، فرفض بحجة أن الطفلة صغيرة وتحتاج إلى رعاية والدتها، بالرغم من وعوده المستمرة لها قبل الزواج بأن يتركها تعمل كما تشاء.

 

بسمة تقول ‘‘زوجي تغير تماما بعد الزواج، أو ربما كانت هذه طبيعته، ولكني لم أستطع أن أعرفه لأنني تزوجت خلال شهرين، وبعدما أنجبت طفلي الثاني، والتحق طفلي الاثنين بالحضانة، طلبت منه أن أعمل، ولم يكن هناك من سبب يمنع، ولكنه رفض، وقال لي إنه لن يتركني أعمل وأتساوى به، وأن الست مكانها البيت تستنى زوجها وتشوف خدمته، وده لأنه كان دائما بيحس بالنقص لأني أعلى منه في المؤهل، فكان عايز يحبطني ويقلل مني، ويقول دائما أن شهادتي ملهاش أي قيمة وأني مش بفهم حاجة، وأنه غلطان لما تزوجني’’.

 

من الناحية المادية، التي كان متيسرا فيها إلى حد كبير، كان لا يعطيها أي نقود بشكل شخصي، فلا تملك لنفسها جنيها، وفي كل فصل جديد، تنتظره طويلا حتى يشتري لها وللأولاد ملابس جديدة، وإذا كان بينهم أي خلافات، لا يشتري لها شيئا، وفي مره أخذت من والدتها ثمن ملابس شتوية لها، وعندما عرف نهرها وضربها أمام أطفالهم، وعندما كانت تقول له إنه لا يصح أن يراهم الأولاد يتشاجرا وأن يضربها أمامهم، كان يقول لها ‘‘”كده هايتربوا ويخافوا أنهم يغلطوا’’.

 

بعد هذا الموقف، حرم عليها زيارتها لأهلها، والآن يكون قد مضت سنة لم تر فيها والدتها، وحينما تعترض على ذلك، تنال أقسى أنواع الضرب والإهانة، لدرجة الضرب بالعصا على كل أجزاء جسمها، وأصبحت عندما تريد شراء أي شيء تطلب من ابنتها أن تعطيها من مصروفها، مبررة ‘‘عشان اشتري كارت شحن أكلم ماما وإخواتي’’.

 

انتظرت بسمة طويلا على أمل أن يتغير زوجها، وعندما يئست من ذلك، لجأت لأهله واستغاثت بهم، ولكنهم لم يستطعوا إنقاذها، فعندما واجهوه أنكر كل ما يفعله، وقال ‘‘أنا بشقى وبتعب طول اليوم عشان أصرف على بيتي وولادي ومش ناقصهم حاجة، ودي مراتي وأنا حر فيها’’، وأنهى الموضوع على ذلك، فلم يملكوا إلا أن يوجهوا له النصيحة، لكنه لم يأخذ بها، فضرب بسمة بعدما غادروا ضربا مبرحا، لأنها اشتكته.

 

الزوجة بسمة صامتة على كل ما تتعرض له، لأنها الآن أصبحت ‘‘الأم بسمة’’، التي خشيت حتى أن تطلب الطلاق، خوفا على أولادها من الأثر النفسي أولا، وثانيا لأنها إذا طُلقت وعاشت في بيت العائلة القديم، لن تقدر على مصاريف أبنائها، فوالدها توفى وليس لأسرته معاش، ولن تتمكن الآن من إيجاد عمل، بعد أن أضاعت الفرص التي كانت متاحة أمامها عندما كانت حديثة التخرج، بخلاف أنها لا بد أن ترعى طفليها لأن والدتها امرأة كبيرة، بالإضافة إلى أن العمل، إن وجدته، لن يوفر لها ربع مصاريف أبنائها، الذين اعتادوا على أن تكون كل طلباتهم مجابة، وبالطبع إذا طلبت بسمة الطلاق من زوجها، لن يمنحها ولو جنيها، بل وسيأخذ منها أبنائها كما يهددها دائما، لأن له علاقات واسعة، ويستطيع أن يؤذيها بطرق عديدة.

 

اليأس.. والصبر الذي لا أمل فيه.. وقلة الحيلة.. هي مُلخص حياة بسمة، لكن بسمة لا تعبر عن نفسها فقط، إنما عن شريحة كبيرة من النساء المصريات، اللاتي لم يستطعن تغيير نظرة المجتمع الدونية للمرأة، ومواجهة العنف الذي يُمارس ضدها على كافة أشكاله وأنواعه، وما روته بسمة ما هو إلا ملمح واحد من ملامح العنف ضد المرأة، الذي اتُخِذ اليوم، يوما عالميا لمناهضته.

 

You must be logged in to post a comment Login