بحيرة قارون بالفيوم.. كنز سياحي مفقود

**أستاذ دراسات سياحية: المحافظة لا تستغل البحيرة سياحيا.. ولابد من وضع خطة تنمية شاملة

**المحافظة: الدولة لا تهتم بالترويج للسياحة في الفيوم والتسويق قائم بجهود ذاتية

 

الفيوم: ولاء كيلانى

بالرغم من أن الفيوم ليست مدينة ساحلية، إلا أن الطبيعة لم تحرمها من أجمل الشواطئ، خاصة تلك التي تقع علي ضفاف بحيرة ، والتي تمنحك أجمل مشهدين لشروق وغروب الشمس، حتى أن الكثير من السائحين العرب والأجانب يأتون إليها ليستمتعوا بمشاهدة هذا الجمال النادر علي شواطئها وأمواجها الهادئة، التي تبعد 27 كيلو عن مدينة الفيوم.

 

المحافظة التي تجمع بين الشلالات والبحيرات السمكية، والرمال الذهبية النظيفة والناعمة، يطل المسافر عليها ليجد هواء عليلا قادما من أنقى هواء في المدينة من بحيرة قارون، فعندما يقف أمام هذه البحيرة العريقة، وتختلط عيناه بتصادم أمواج البحر بهوائها العليل، يُبهر بصفاء المكان.

 

وتعد بحيرة قارون من أقدم البحيرات في العالم، مرجعا تسميتها بهذا الاسم إلى مقولتين، الأولى تقول أنه يرجع إلى أن قارون المذكور في القرآن الكريم، وأنه كان موجودا بهذه المنطقة بقصر قارون، وعندما خُسف به وبدارة الأرض انشقت عليه المياه، وأنه مات تحتها، لذا سميت ببحيرة قارون، أما المقولة الثانية، فتقول أنه توجد بالبحيرة خلجان صغيرة، كانت تسمى قرون فعدلت إلى قارون، وأصبحت بحيرة قارون.

 

ينتقد الدكتور مصطفى محمود، الأستاذ بقسم الدراسات السياحية بكلية والفنادق بجامعة الفيوم، عدم استغلال محافظة الفيوم للبحيرة العريقة على الوجه الأمثل في ، مضيفاً “الفيوم في أفضل سنوات عام 2010 زارها حوالي 17 ألف سائح، أي ما يعادل أقل من 1% من مجموع السائحين، الذين زاروا مصر، حيث زار مصر في نفس العام 12,8 مليون سائح، وذلك رغم أنها تمتلك بحيرة قارون والعشرات من الآثار الرومانية القديمة، ومعابد ووادي الحيتان ووادي الريان، والشلالات، ومع ذلك لا تغري السائح لزيارتها”.

 

ويرجع أستاذ الدراسات السياحية السبب في ذلك إلى افتقاد الفيوم للعرض السياحي الجيد، لأن الزائر عندما يأتي لإحدى القرى السياحية ببحيرة قارون، لا يجد أماكن يمكنه زيارتها في الليل، كما أن محطات الرفع المفترض أن تصب عليها البحيرة المياه الزائدة عنها لا يوجد تطهير لترعة المصرف التي تصرف فيها بحيرة قارون المياه الزائدة، مما يتسبب في انسداد المياه، فأرقى فندق في الفيوم وهو الأوبرج يطل على منطقة غارقة الآن بالمياه بسبب عدم التخطيط الجيد.

 

ويطالب محمود بوضع خطة تنمية سياحية شاملة، لتنمية شمال بحيرة قارون، لكي يستفاد من البحيرة سياحيا، وبناء ألف غرفة فندقية وإنشاء مدينة ألعاب مائية ورياضة بحرية على ضفاف بحيرة قارون، تكون بها مسابقات تجديف وشراع ويكون هناك تنوع في الخدمات الترفيهية والرياضية، كما أنه من المفترض توافر حمام سباحة في كل القرى السياحية. ويتساءل مستنكرا:”هل يعقل ألا توجد حمامات سباحة في بحيرة قارون بأكملها، إلا في الأوبرج وفندق القوات المسلحة والبانوراما، وتبقى حمامات السباحة في هذه القرى السياحية الموجودة في بحيرة قارون غير نظيفة في الصيف، بسبب الضغط عليها، لقلة الصيانة والتغيير؟”.

 

ونتيجة لتردي أوضاع السياحة بالفيوم، يقول محمود إن عددا قليلا من أبناء المحافظة يعمل بالقطاع، فيما لا تشعر الغالبية بالانتماء لهذه الأماكن السياحية، قائلا:”حين يجد مواطن فيومي شخصا يلقي بمياه الصرف الصحي بالبحيرة أو يصطاد غزالة من المحمية، لا يتأثر لأنه لا يشعر أنها تعود عليه، أو أن رزقه مرتبط بحماية هذه الموارد، بعكس شعب الأقصر، مثلا الذي يحرص ويحافظ على الآثار في المدينة، لأنه يكسب منها، وعندما تزدهر السياحة بالأقصر فإن ذلك يعود بالنفع الرئيسي عليه”.

 

وتقع بحيرة قارون جغرافيا بجوار وادي الريان، الأمر الذي تسبب في بعض المشكلات في الاستثمار السياحي على البحيرة، لأن أي إجراءات من مباني أو أنشطة توقفها محمية وادي الريان بدعوى أن الأنشطة ستؤثر على الحياة البحرية وعلى هجرة الطيور. ويتطلب الاهتمام بتطوير البحيرة سياحيا تنسيقا عاليا بين هيئة تنشيط السياحة وإدارة البيئة والمحميات، للمحافظة على المحمية الطبيعية في نفس الوقت.

 

وتعتبر البحيرة من أقدم ثلاث بحيرات على مستوى العالم، تتعدى مساحتها 55 ألف فدان، ويصل طولها إلى 73 كيلو متر، وعرضها ما بين أربعة وثمانية كيلو متر، كما يصل عمقها إلى ثمانية أمتار، وتمتلك البحيرة ميزة لا تمتلكها أي محافظة سياحية أخرى، وهى قربها من القاهرة، وجو البحيرة يكون دائما مناسب طوال العام، فهو يشبه الجو الريفي المميز.

 

محمد حسن.. عامل بإحدى القرى السياحية في البحيرة، يقول إن غالبية الزائرين من مواطني الفيوم ونادرا ما يأتي إليهم سائحون أجانب، مرجعاً ذلك إلى أنه ربما لأن المكان ليس بنفس مستوى الأماكن السياحية الأخرى، مثل شرم الشيخ والغردقة من الإمكانيات والخدمات السياحية، رغم أنه يرى أن البحيرة لا تقل أهمية وجمالا عن الأماكن الأخرى التي تجذب السائحين. وتكون الحركة على البحيرة في فصل الصيف، فيما تكون خاوية تماما في الشتاء، لعدم وجود خدمات سياحية، كما في بقية الفنادق.

 

وتملك محافظة الفيوم برامج لتنمية البحيرة من الجانبين، الأول بالجانب الشمالي، والذي يبدأ من قرية قوتة شرقا إلى مدينة كوميشين غربا، عن طريق تخصيص طريق تنمية سياحي، تبنيه القوات المسلحة، يتعدى طوله 65 كيلو متر بتكلفة 25 مليون جنيه، بهدف التنمية المستدامة للساحل الشمالي بعمق ثلاثة كيلو متر عمق بطول الساحل. ومن المقرر بناء العديد من المطاعم السياحية والكافيتريات والقرى السياحية على هذا الطريق، لخلق حياة في المنطقة، وهو ما سيوفر تقريبا، بحسب دراسات الجدوى، ما يقرب من خمسة آلاف فرصة عمل للمجتمع الفيومي، ويزيد عمل أبناء الفيوم بالسياحة في بلادهم.

 

وبالنسبة للجانب الآخر من التنمية بالساحل الجنوبي، تعمل المحافظة على تنمية وتطوير الأماكن السياحية الموجودة على البحيرة، لتزيد عن التسع قرى السياحية الموجودة على ضفاف بحيرة قارون. يقول على شعبان، وكيل الإدارة العامة لتنشيط السياحة بديوان عام محافظة الفيوم:”وصلنا بقرية البانوراما السياحية إلى 4 نجمات، وقرية الواحة إلى 3 نجمات، وبالفعل وصل هلنان أوبرج الفيوم إلى 5 نجمات فندقية، كما نطرح الآن قريتي كنوز والأحلام للاستثمار السياحي، وكذلك أرض البافيون، وهي الأرض الموجودة على البحيرة بقرية شكشوك بمساحة 40 ألف متر”.

 

وعن المشكلات والصعوبات التي تواجه نشاط البحيرة كمكان سياحي، يقول شعبان إن أول هذه المشكلات هي مشكلة التسويق، فالترويج قائم بالجهود الذاتية وتعريف أهم شركات السياحة والسفارات والمكاتب السياحية بالسياحة في الفيوم، من خلال توزيع منشورات وإرسال مواد دعائية. ويضيف “لو اهتمت الدولة بالسياحة في الفيوم، كما روجت للأقصر وأسوان وللسياحة الشاطئية في شرم الشيخ وخليج نعمة، سيختلف الوضع كثيرا هنا”.

 

وفي إطار الجهود الترويجية، ذكر شعبان أن المحافظة تعمل على استضافة أي بطولة رياضية من بطولات الجمهورية، لأن الفرق الرياضية، ستجلب معها أعضاء وجمهور وضيوف يمكنهم أن يتعرفوا على المدينة خلال إقامتهم وقت البطولة. وأضاف أن هناك مشاورات تجري مع الاتحاد المصري للتجديف على إقامة دوري للتجديف على ضفاف البحيرة أو إقامة نادٍ للتجديف كنوع من التوافق مع الرياضة الحديثة التي تجذب السائحين.

 

ويشكو وكيل الإدارة العامة لتنشيط السياحة بديوان المحافظة من “سلوكيات المواطنين السيئة التي تساهم في نفور السائحين من التردد على المحافظة”، موضحا أن المحافظة تسعى لمواجهة ذلك بتوعية طلاب المدارس الإعدادية والثانوية بأهمية السياحة وكيفية التعامل مع السياح، لكن ربما تكون مشكلة المواصلات هي المشكلة الأكبر في عدم التردد على البحيرة لعدم وجود مواصلات مباشرة من خلال موقف محدد من الفيوم أو من القاهرة إلى البحيرة، مما يجعل الانتقال مقصورا على التعاقد مع شركة سياحية أو بالسيارة الخاصة”.

 

وبالنسبة لمشكلة ارتفاع منسوب البحيرة، وما يسببه من فيضان وغرق، يرى إن الحل يكون بتخصيص منطقة ميزان مائي لسحب المياه، لكن تكلفته العالية التي تتجاوز المليار جنيه، تقف حائلا أمام تنفيذه. ويضيف شعبان:”طرحنا في المحافظة حلا بديلا وغير مكلف، وهو إنشاء بحيرات صغيرة متوازية بطول الساحل الشمالي للبحيرة، تتدفق إليها المياه الزائدة عن البحيرة، وهي القادرة على التحكم فيها بسهولة، نظرا لصغرها، وفى نفس الوقت يمكننا الاستفادة من هذه البحيرات الصغيرة، من خلال استخدامها كمزارع سمكية”.

 

وإلى جانب الطبيعة الساحرة للبحيرة، التي تحتاج لمن يستغلها، تظل تساؤلات وجود كنوز قارون أسفل البحيرة من عدمها مطروحة، لأن التاريخ لم يحسم إن كان قارون قد عاش بالفعل في تلك المنطقة أم لا، وهل يوجد سبب مؤكد وراء تسمية البحيرة باسمه؟ بالإضافة إلى صدور العشرات من الدراسات والأبحاث التي تتحدث عن إمكانية وجود تلك الكنوز أسفل البحيرة، بل وجرت محاولات عديدة للبحث عنها بالفعل، لكن جميع المحاولات لم تسفر عن شيء.

 

You must be logged in to post a comment Login