بالفيديو: “المندرة” في عزاء “سلطان المداحين”

**ابن “التوني” الأكبر”: الأجانب يعرفون الإحساس بكلماته

**”الكساح” لقب لم يعرفه الكثيرين عن “التوني”

**الشيخ “يس التهامي”: سأقيم جلسة مدح واسعة بذكرى الأربعين بأسيوط

 

أسيوط: رشا هاشم

“ما يخرج من القلب يصل إلى القلب” هكذا اخترق” سلطان العاشقين” مسامع وقلوب جمهوره.. بجسده النحيل وبشرته السمراء.. ومسبحته التي لا تفارق يده.. ليصل التوني ابن قرية الحواتكة بأسيوط بآداءه المميز في الغناء الصوفي من المحلية إلى العالمية ليشب على يديه الكثير والكثير من التلامذة على رأسهم الشيخ “يس التهامي”.

 

نشأة التوني

ولد التوني عام 1934، ودرس بالكُتّاب وحفظ القرآن الكريم، ولما كان وحيد والديه فقد أراد والده أن يكمل دراسته ويصبح شيخاً بالأزهر، لكنه فضل مجال الإنشاد في حب رسول الله، وواكب التوني موجة التغيير حتى لا يأكل الزمن أغنياته فكان يغني في الخمسينيات والستينيات بدون موسيقى ثم بدأ يمزج أغنياته بآلتي الكمان، الناي، ثم أدخل الطبلة والرق، ثم مزجها مؤخراً مع موسيقى الفلامنكو الإسبانية.

 

تزوج الشيخ التوني أنجب خمسة أبناء، 3 أولاد وبنتين، وبعد وفاة زوجته الأولى، تزوج مرة أخرى وأنجب ولد وبنت.

 

وقد صرح “التوني”في إحدى اللقاءات لإذاعة فرنسية عن سر أدائه الباهر في الإنشاد قائلاً: “إنها الصفقة الممتعة أعطني الروح وسأعطيك السماء”… وفي حوار أخر سئل “التوني” من أين يبدأ غناؤه، فأجاب بإيجاز رائع: ” من الروح” ولكن ها هي الروح قد فارقت الجسد.. وتوقفت الأنفاس الهائمة بالذكر.. والصوت الذي لم يكف عن المديح، ليشيع أهالي قرية “الحواتكة” بمركز منفلوط بأسيوط جثمان “شيخ المداحين” يوم الاثنين الماضي، لتقام جنازته بمركز شباب القرية، بحضور العديد من الشخصيات كان على رأسهم أبرز تلاميذه “الشيخ يس التهامي”.

 

ويقول الشيخ يس التهامي، إن الشيخ التوني كان له بمثابة الأب والأخ والصديق، فهو شيخ المداحين، ويسبقه في مجال المدح بأكثر من ثلاثين عاماً، مشيراً إلى أن العديد من المنشدين علي مستوى الجمهورية سوف يحضرون واجب العزاء وأنه سيقيم جلسة واسعة من المدح واسعة بذكري الأربعين بأسيوط.

 

شاهد عزاء الشيخ التوني:

 

وتوجهت “المندرة” لأسرته لتعرف ماذا كان يقصد بالروح..

في البداية تحدث ابنه الأكبر، المنشد محمد أحمد التوني، قائلاً إنهم لم يفقدوا الشيخ بل محبينه من فقدوه، فالشيخ تركهم يتعلمون من المدد ليصبحوا بسطاء مثله، بعد أن طلب هو وشقيقه أن يعملا معه، فلم يكن أباً حازماً أو صاحب عمل متوتر ومضغوط بعمله لضبطه، بل على العكس كان يعمل بهدوء وسعة صدر حتى ذات مرة لم يحضر الموسيقي فغنى بدونه وكان الغناء دون موسيقى أمراً مجهداً خاصةً في مثل سنه. وعلى الرغم من ذلك، واصل الشيخ أحمد التوني الغناء ساعة ونصف كاملة ولم يعاقب الموسيقي أو يغضب منه، وقد كان لديه قدره علي الغناء 6 ساعات متواصلة، ففي مولد الشيخ التهامي ظل يغني من الساعة 12 مساء إلى الساعة 6 صباحا، مضيفاً أن لو لديه ربع ملكات والده لوصل للعالمية، فالشيخ له تكوين رباني بديع لن يتكرر في الارتجال، يأخذ جزء من هذا على ذاك دون إخلال بالمقام.

 

وعن اللقب الذي لم يعرفه عنه الكثيرون، قال ابنه “الكساح” وهو يعود إلى السبعينات حيث كان يغني من 4 إلى 6 ساعات متواصلة، مضيفاً أن الموهبة هي من ساقته إلى العالمية، وكانوا يتصلون به من مختلف البلدان ولم يسع هو للنجومية، وكان يتحدث معهم عن طريق مترجم، وعلى الرغم من عدم معرفة الغرب باللغة العربية ألا أنهم لا يعرفون سوى الإحساس وليس الكلام، وهو كان قادراً على توصيل الكلام لهم عن طريق الإحساس، فيأخذ من الحاضرين الروح ليصفوا ويؤدي ليجد الناس منسجمة فتعلو روحه، وحب الناس له أساس علو إحساسه، فانفعاله البديع يأتي من تفاعلهم.

 

وأين يكمن “رصيد الذهب”؟

وأضاف محمد أن والده كان يرى نفسه أقل شخص في المنشدين بدليل أن المنشدين الأقل من يتقاضوا أجورا أعلى منه، فأقل أجر لمطرب درجه ثانية أو ثالثة 5000 جنيه بينما الشيخ أحمد كان يتقاضى 2000 جنيه وكان لديه عروض محجوزة بالشهر، ولم تكن المادة فارقة معه فهو يحب الغناء، ومن شدة بساطته كان يفضل أكل قطعة “جبن” عن اللحوم، مشيراً إلى أنه رغم عدم إحساسه بالنجومية فقد كان يعلم قدره جيدا وإمكانياته فقد حكي ذات مرة أنه في بدايته كان يخرج مع الشيخ الشبيتى رحمه الله وهو من كبار المنشدين وقتها ويؤدي معه نصف ساعة، وبعد فترة بسيطة تفوق عليه وصار الطلب عليه أكثر من غيره، حيث يقول أن إمكانيات الصوت هي التي تعمل كل شيء.

 

وعن سر بداية حركة الإيقاع المرتبطة بالمسبحة والكأس، يوضح محمد أن الشيخ كان في أحد الليالي وقدم إليه أحد معجبينه الكأس فارغاً أثناء إنشاده وكانت السبح بيده بدأ يدق بها على الكأس ويضبط بها إيقاع الأغنية ومن وقتها وأصبحت “لازمة” معه لا تفارقه أثناء الإنشاد وأن لم يفعلها يطلبها منه معجبينه.

 

ثم دخلت “المندرة” إلى مكان عزاء السيدات، لتجد النساء من عائلته وجيرانه يخيم عليهم الحزن وعدم التصديق.

 

وقالت إحدى بناته، إنه كان أباً حنوناً، لم يفرق بين الذكور والإناث من أبناءه، وكان يتمنى أن يكملوا جميعاً تعليمهم لحبه للعلم، فهو علم نفسه بنفسه، كما تقول ابنته، وتأثر بصوت الشيخ مصطفى إسماعيل وصوت أم كلثوم، وكان محباً للبيت ويفضله عن أي مكان أخر، ويفضل خدمة ضيوفه بنفسه.

 

أما زوجته فقالت أنه كان يحب لقب “سلطان المداحين”، وكان المعجبين يقولون له “يا مولانا” ولا ينادونه بسيدنا الشيخ، ، مضيفة أنها لم تتدخل هي أو أبناءه في عمله، فلم يكن يأتي بسيرة العمل داخل البيت، وكان زوجاً حنوناً، يكره أن يرى الحزن على ملامح أحد من أسرته.

 

وبسؤالها عن تعليق صورة “حمدين صباحي”، المرشح الخاسر بانتخابات الرئاسة، بغرفة نومه، قالت الزوجة أن الشيخ كانه يحبه وكان حمدين من معجبينه حتى أنه زارهم بالبيت.

 

وعن أيامه الأخيرة، قالت زوجته إنه كان بكامل صحته وحيويته فيما عدا الشهر الأخير قبل وفاته، كان مريضاً وحركته محدودة، وينشد بالمنزل فهو دائم السماع للشيخ مصطفي إسماعيل وفي الأونة الأخيرة كان يستمع له بهيام شديد وانغماس، وفي يوم وفاته ظل يغني إلى الساعة السادسة صباحا “على بابك يا رسول الله، جايلك يا نبي، أنا جاي لنورك يا رسول الله”.

 

You must be logged in to post a comment Login