“بئر السبعمائة”.. عندما تموت الأسطورة ويحييها البشر

**حارسة البئر المقدس بعد جفافه: “الزير” هو الحل!

 

سوهاج: شيماء دراز

لكل مكان أسطورةٌ وخرافةٌ تتناقلها الأجيال، حتى تصير حقيقةً لا جدال فيها، وبالرغم من ارتفاع مستوى التعليم وانتشار الثقافة، تظل معتقداتنا وأساطيرنا الخاصة، قانونًا لا يحاد عنه.

 

ارتبطت الخرافة والشعوذة في صعيد مصر ببعض المعتقدات والآثار الغريبة، فدائما هناك قيمة روحانية ودينية للأثر محل الأسطورة، ثم تتطور هذه القيمة إلي مرحلة إضفاء هالة من القدسية، واختلاق الأساطير.

 

“بئرالسبعمائة” أحد معالم قرية غربى مدينة سوهاج، والتي تبعد عن المركز 7 كم، وبالرغم من أن القرية ترتفع بها نسبة التعليم، ولكن تظل لها معتقداتها الخاصة. يستطيع الزائر بسهولة أن يصل إلي بئر السبعمائة، ولكنه يفتح أبوابه فقط يوم الجمعة صباحًا حتى أذان الظهر.

 

يعود تاريخ البئر لما قبل الفتح الإسلامي لمصر، حيث كان أهل قرية إدفا يشربون منه، ويطلقون عليه “عين السماء”. ولأن القرية توجد علي تبة مرتفعة عما حولها، فقد استعصى علي المسلمين فتحها في أول الأمر، وبعد حصار طويل تم فتح القرية واقتحام حصنها وإضرام النيران فيه، فتحول تراب التبة لرماد توجد آثاره حتي الآن، وتظهر عند التنقيب لأي غرض كان. وقد استُشهِد من المسلمين فى هذه المعركة سبعمائة شهيد وقيل سبعة آلاف ولكن الأقرب للصواب سبعمائة، واختلطت دماء الشهداء بمياه البئر، حتى أن كثيرين بالعصر الحديث يؤكدون رؤيتهم للدماء بقاع البئر ممتزجا بالماء.

 

وقد سميت منطقة البئر فى ذلك الوقت بـ”الفجة” كناية عن إضرام النيران بها، إذ كان ينادى أثناء إضرام النيران “فجى.. فجى” أى “اشتعلى اشتعلى”، فسميت بالفجة لتتحول بعد ذلك إلى منطقة السبعمائة، بعد ظهور روايات عن ظهور كرامات لمياه البئر، فكما يقولون أن مياهها تشفى بإذن الله الأمراض الجلدية المختلفة، وما علي المريض سوى الاغتسال بها وكذلك زيارة البئر وشرب مائه.

 

ونُسِجَتْ كثيرٌ من القصص حول شهداء البئر السبعمائة، ورؤيتهم بالمنام فى قصص مختلفة وكرامات كثيرة لا يُعلم صدقها من عدمه، وظلت البئر تعمل عليها قديما إحدى عائلات البلد (الفراحات) يقومون باستقبال زائريها كل يوم جمعة مقابل مبلغ مالى، كما قام أهل البلدة ببناء مسجد مجاور للسبعمائة سمى بمسجد الشهداء كناية عن السبعمائة شهيد وأنشأ أهل البلدة جميعا سورا حول البئر لحمايته، إلا أن وزارة الأوقاف قامت بضم البئر لها بأمر ملكي في عهد الملك فارق، محدِّدة مساحته في ذلك الوقت بـ136 مترًا، ومندرة ملحقة به 136مترًا أيضًا.

 

“المندرة” من جانبها ذهبت فى زيارة للسبعمائة الحالية، حيث استقبلتنا سيدة تتجاوز الستِّين من عمرها، ذات ملامح ونبرة حادة، ساردةً علينا في البداية كراماتٍ وقدراتٍ خارقة للبئر، فمن شفاء الأمراض الجلدية إلي حل مشكلة تأخر الإنجاب أو حتي العقم، ثم دخلنا لزيارة الضريح المكوَّن من هيكل مغطى بالقماش الأخضر. بسؤال حارسة الضريح عما يوجد أسفل القماش، أكدت أنه “لا شئ”! .. وشدَّدت علي ضرورة الاعتقاد والإيمان بكراماته، وإلا ستصيبنا لعناته.. “الجميع يؤمن بكرامات الضريح.. فلماذا السؤال عما يوجد أسفله إذا؟!” هكذت ختمت العجوز إجابتها الحادة.

 

طلبنا رؤية البئر فتقدمتنا العجوز إلي “زير” قديم، دُفِن نصفه بتربة المقابر، للإيحاء بأن مياهه مصدرها البئر، وعندما اعترضنا أكدت العجوز أن البئر تم اغلاقه منذ سنوات وأنهم أقاموا بئرًا أخري لخدمة الناس، هو هذا “الزير”، مشيرة إلي أن المنطقة كلها هي منطقة السبعمائة وأي مياه توضع فيها لها نفس قوة مياه البئر!

 

غادرنا “السبعمائة الحديثة “لنجد على بعد أقل من خمسين مترًا مكان السبعمائة القديمة التابعة للأوقاف، وبها البئر القديم مغلقة منذ سنوات.

 

جواب العجوز وما لمسناه من تقديس الناس للبئر، وحتي تقديسهم للزير، أكد لنا أن الناس لما وجدوا أسطورتهم الخاصة ستضمحل، صنعوا أسطورتهم بأيديهم، وأضفوا عليها نفس صفات التقديس.

 

You must be logged in to post a comment Login