من الإسكندرية.. النوبة “قلب مصر النابض”

متحف النوبة وجهة السائحين

متحف النوبة وجهة السائحين

** معرض الإسكندرية للكتاب يتحدث باستفاضة عن تاريخ النوبة

** الباقر: النوبة هي الباب “الملكي السحري الذهبي” لمصر

**علم الوراثة يثبت أن النوبيين لهم علاقة وراثية بالأفريقيين

الإسكندرية: أميرة داود

“التماثيل الموجودة في مصر لو نفخ فيها الروح فلن يفهمها إلا النوبيين”..هكذا وصفها فهي “قلب مصر” الذي ينبض بعبق تاريخها، فلا يوجد من لا يعشق بلاد النوبة، ولذلك اهتم بالحديث عنها الدكتور صابر عبده جاهين الأستاذ بكلية الزراعة جامعة كفر الشيخ.

 

ولعبق تاريخ النوبة، أفردت مكتبة الإسكندرية، ندوة خاصة بها خلال الدورة العاشرة لمعرض الكتاب الذي أقيم بين أروقتها، بعنوان “النوبة قلب مصر”، تحدث فيها علماء عن تاريخ النوبة، ورصدت “المندرة” من خلالها مدى عشقهم لترابها.

 

إكسير الحياة

وأوضح أن “إكسير الحياة” بالنسبة لمصر هو نهر النيل والسد العالي وبحيرة ناصر الواقعة في جنوب أسوان، والتي يطلق عليها أيضاً “بحيرة النوبة” لأن جزءا منها يقع في شمال السودان.

 

وأكد أن أهالي النوبة حافظوا على النيل نظيفاً طوال السنوات الماضية، وكانت هناك مخاوف من أن الزراعة في النوبة الجديدة ستلوث النيل بالكيماويات، وهذا لم يحدث، مضيفا أن المنطقة الحدودية الواصلة بين مصر والسودان وهي النوبة لم يحدث بها خيانات قط، ولم يكن هناك أي خطر منها على الأمن القومي أو المائي أو البيئي.

 

وأكد جاهين على أن النيل يمثل للمواطن النوبي “الهوى والهوية”، فالقرى النوبية كلها قبل التهجير كانت تتميز بالطول الكبير والعرض القليل وكانت بيتا أو بيتين على الأكثر، والحكمة في ذلك أن كل الأبواب الرئيسية لكل المنازل يجب أن تطل على النيل مباشرة، وهذا لارتباط الإنسان النوبي بالنيل، فهو أول شيء يراه عندما يستيقظ وآخر شيء يراه قبل أن ينام.

 

وأوضح أن هذا الارتباط يظهر جليا في العديد من المناسبات النوبية منها مراسم الزواج، المأخوذة عن التراث الإنساني منذ عهد الفراعين إلى العصر الإسلامي، وتعميد الأطفال، والجنازات،التي كانت تخرج من النيل ثم إلى المقابر.

 

الباب الملكي لمصر

يؤمن الأستاذ بكلية الزراعة، بأن النوبة والنوبيين هما “الباب الملكي والذهبي والسحري لمصر”، وعلم الوراثة يثبت أن النوبيين لهم علاقة وراثية بالأفريقيين، ومن أكثر السمات المميزة للإنسان النوبي سهولة حب الناس له، مطالبا الحكومة المصرية بأن يكون ممثلو مصر في الدول الأفريقية من النوبيين.

 

ووصف أن المعبد النوبي كما أن له باب رئيسي ودهاليز ناحية اليمين والشمال، ثم يدخل على باب كبير يصل منه إلى قدس الأقداس، فيشبهه بشكل كبير البيت النوبي الذي يتكون أيضاً من باب كبير رئيسي ودهاليز على اليمين والشمال، ثم باب يؤدي لحوش ندخل منه بعد ذلك على غرف، كل غرفة بها “حاصل” يوازي قدس الأقداس في المعابد، وتسمي الغرفة الكبيرة داخل المنزل بـ”الديواني” وتعتبر من الغرف المميزة.

 

وأشار جاهين إلى أن حياة النوبيين قديماً كانت في الشرق، حيث كان يُطلق على الجزء الشمالي من أبناء النوبة “ماتوكيا”، و”ماتو” تعني الشرق و”كيا” تعني الأرض، وبالتالي فهي تعني سكان الشرق، مضيفا أنه لم تكن هناك أية قرى في الغرب قبل بناء خزان أسوان فيما عدا قرية “توماس”، التي كانت بها قبيلة “غربياء” ليسوا نوبيين في الأصل، لأن هذه القبيلة في تحركت ما بين ليبيا ووادي النيل، ثم دخلوا الصحراء الغربية وهكذا إلى أن استقروا.

 

النوبة بين الجغرافيا والتاريخ

ومن جانبه، أفرد الدكتور حمزة الباقر أستاذ الجغرافيا وأحد المهتمين بتاريخ وتراث النوبة، حديثا عن النوبة بين الجغرافيا والتاريخ والاستعمار، مؤكدا أنه لا يقصد النوبة المصرية فقط ولكنه يقصد النوبة ككل، فالنوبة هي قلب وادي النيل، ومن يتطلع من القلب الأفريقي لحضارة البحر المتوسط شمالاً لابد له أن يعبر على النوبة.

 

وأكد أن الأوروبيين الذين يتطلعون لكنوز أفريقيا، لابد أيضاً أن يعبروا على أرض النوبة، وبالتالي فالنوبة هي الوسيط الحضاري والتجاري والثقافي، وأيضاً الحضارة التي نشأت في بلاد النوبة وامتدت شمالاً وجنوباً.

 

وقال الباقر إن النوبة التي تبدأ من جنوب أسوان وتستمر جنوباً على وادي النيل شرقاً وغرباً، إلى أن تصل لبلدة “الدبة” في أقصى شمال السودان، لها امتداد جيولوجي وثقافي وحضاري، فحضارياً تمتد إلى أن تصل إلى مجموعة من البلدان داخل أفريقيا وصولاُ لغرب أفريقيا ومناطق عديدة في أوروبا.

 

التهجير وفضل النوبيين

وعن تاريخها، سرد الباقر أن امبراطور فرنسا “نابليون الثالث” عندما تعذر في إخماد “تمرد” معارضيه، طلب من سعيد باشا والي مصر في ذلك الوقت، المساعدة، فأرسل له كتيبة وصلت إلى المكسيك واستطاعت أن تخمد التمرد، وكانت الكتيبة من النوبيين، حيث كانوا يمارسون حياتهم العادية في المكسيك، وأخذ المكسيكيون الكثير من هذه الحياة.

 

وأشار إلى أنه لم تكن هناك دواعِ إلى تهجير النوبيين مع بناء السد العالي، خاصة أنه حينما وضع الإنجليز الحدود السياسية عند النوبة؛ ليفصل بين الشمال والجنوب، كان التواصل بينهما مستمر.

 

وتابع: ضحى النوبيون بهذا المكان من أجل رفاهية واقتصاد الوطن الأم، وبالطبع كانت هناك رغبة كبيرة من الاستعمار الإنجليزي في تهجير النوبيين إلى مصر والسودان؛ لكي تنقطع الصلة بينهما، خوفاً من أن تلتقي مصر بخصوبتها وقوتها البشرية مع السودان بقوته وخصوبته الأرضية، فهذا الالتقاء بين البشر والأرض يشكل قوة اقتصادية وتشكل عنصر ضغط في السياسة العالمية، وبالتالي كان يعمل الاستعمار على الفصل بين مصر والسودان؛ لأن في ذلك تمزيق وبعثرة لأهالي النوبة شمالاً وجنوباً.

 

ووصف النوبيين بأنهم نبتة حضارية تستطيع تنمية وتطوير مناطق تحتاجها كلا من مصر والسودان، وقد وصل الشتات النوبي بعد عملية التهجير لدرجة أن الرجل النوبي كان يمشي يتلمس حوائط منزله، والمرأة تجمع رفات الموتى لتأخذها إلى المهجر الجديد، وهذا ما حدث في أرض السودان أيضاً.

 

وأوضح حمزة الفارق في التهجير بين مصر والسودان، ففي مصر كان هناك نوع من التدليس بعد وعد النوبيين بأن المهجر الجديد سيكون مثالي للمعيشة، وجدوا أنه تم تهجيرهم إلى مناطق كانت مازالت تحتاج لكثير من التنمية، في حين أن الجزء السوداني قد انتقل في صورة حضارية جدا وبشكل دقيق وفي مواعيد محددة، وقد ادعى وقتها المسئولون في مصر أن هذه العجلة في النقل نتيجة لقرب تحويل مجرى النيل.

 

تراث وعراقة

وعن التحديد الجيولوجي للنوبة، أكد أنها كانت تتميز بتكوينها الصخري من الخرسان النوبي والحجر الجيري، الذي يمتد من شمال الخرطوم إلى جنوب أسوان، كذلك التحديد البشري الذي يمتد داخل النوبة من جنوب وغرب أسوان وصولاً لبلدة الدبة، والتحديد الثقافي الذي يصل لمناطق كثيرة من أفريقيا، أما التحديد اللغوي الذي يمتد ليصل للنيل الأزرق لبلدة إسينار، التي تقع على حافة النيل الأزرق شرق السودان.

 

واستطرد أن بلاد النوبة لها تراث يصل في عمق التاريخ إلى ما يقرب من 10 آلاف سنة، فممالك النوبة القديمة كانت لها سند قوي في مساعدة ملوك مصر الفراعنة عندما كان التتار يغزون مصر، حيث كانوا يطلبون المساعدة من النوبيين ليصدوا الغزاة.

 

كما أن ملوك النوبة القدماء كانوا أصحاب فكر سياسي ودبلوماسية راقية مثل دبلوماسية الأتقياء ودبلوماسية الحكماء، وهي رسائل كان يبعثها ملوك النوبة إلى جنودهم حينما اتجهوا إلى مصر

You must be logged in to post a comment Login