الموت والإرهاب والضبابية.. ضيوف مهرجان أسيوط

**رصد معاناة المواطن من خلال عروض مسرحية

**العميان وجيفارا يحاربان الثورة المضادة والتقليد الأعمى

 

أسيوط: رشا هاشم

تبدلت ملامح الموسيقى في فنونهم، وارتدت أغلب عروضهم المسرحية وشاح الموت المادي والجسدي، فهم مجموعة من الشباب الموهوبين الذين استطاعوا إخراج مهرجان ‘‘أحمد بهاء الدين’’ بقصر الثقافة بأسيوط في أجمل صورة.

وخلال جولة ‘‘المندرة’’ بين نغمات موسيقى العروض بقصر ثقافة أسيوط، تكرر عرض فكرة الموت في أكثر من عمل مسرحي مثل ‘‘الحلال’’، ‘‘ليلة مصرع جيفارا’’، ‘‘واقع خرافي’’، ‘‘أخبار أهرام جمهورية’’ و’’مأساة الحلاج’’ .

 

غلب طابع الضبابية والتعتيم والبحث عن اليقين والحقيقة والدليل، على بعض العروض التي قدمها المهرجان مثل عرض ‘‘العميان ‘‘، ‘‘الكلمات المتقاطعة’’ و’’لم تعد المرايا تعكس أشياء’’.

 

أخبار أهرام جمهورية

‘‘رافض أموت لو حتى قلتولي البدع..عاشق الحياة وليه يموت فيها الجدع’’ هكذا ارتسمت معاني الحزن عل وجه الشاب علي وهبه خلال العرض المسرحي ‘‘أهرام أخبار جمهورية’’.
سرد العرض مأساة بائعي الجرائد بوصفهم ‘‘أموات معنويا يرتدون الأكفان ويبيعون الصحف للبسطاء الأموات معنويا أيضا الذين بدورهم يرتدون الأكفان ينتظرون يوميا قراءة نعيهم وسط كم الأخبار السلبية التي تخص حياتهم’’.

 

وفسر العرض عدم ورود نعي للبسطاء في الجرائد بأنهم موتى من الأساس فكيف يموتون؟، ويدور خلال القصة العديد من الأحداث التي تؤكد الرؤية وتختتم المسرحية للبائعين وقراءة أخر خبر بعنوان ‘‘قريبا وفاة جميع العرب’’.
وكانت أروع لقطات المسرحية، عندما صعد ‘‘العفريت’’ من المصباح الذي عجز عن تحقيق طلبهم بـ’’أن يفهموا ويشاركوا، مؤكدا لهم أن طلبهم صعب للغاية لتوضيح أن أبسط حقوق المواطن في الفهم والمشاركة عجز الجن عن تحقيقها للمواطن البسيط.

 

ومن جانبه، قال عادل العدوي المخرج المسرحي للعرض، أن الهدف منه مناقشة مشاكل ‘‘الشو الإعلامي’’ المسخر للسلطة واحتواء الجرائد المختلفة على أخبار سلبية ومغايرة للواقع، مثل، خاصة فيما يتعلق بالثورة فقد نقلت الصحف القومية أن الميدان وقتها كان خاليا، كما أن القنوات الفضائية صوتها غير مسموع حتى إن بعضها لايصل للمحافظات ويهتم بالمركزية والبعض الأخر مسخر لخدمة النظام الحاكم فقط.

 

حصل العمل المسرحي ‘‘أخبار أهرام جمهورية’’على جائزة المركز الثالث في الإخراج، وحصلت بطلة العمل الفنانة إنجي أسامة على المركز الأول في التمثيل خلال المهرجان.

ويعد مؤلف المسرحية الكاتب إبراهيم الحسيني، من الكتاب ذوي المذاق الخاص ترجمت له أعمالا بأوربا وأمريكا، كتب هذه القصة في سنة 1998 وقدمها على مسرح الغد، وعندما طرحت حاليا بقصر ثقافة أسيوط طرحة بإضافة رؤية معاصره وهي إنتاج فرقة ‘‘قوص الحرة ‘‘ بمحافظة قنا .

 

ليلة مصرع جيفارا

الشاب الثائر ‘‘جيفارا’’ طريقة لاسترداد الوطن المغتصب والذي دائما ما يسال الدم لاسترداده، هكذا لمست مسرحية ‘‘ليلية مصرع جيفارا’’ جرح المواطنين، حيث جسدت ‘‘العدالة’’ أو‘‘الوطن’’ في فتاة مغلولة الأيدي مقيدة الأعين، والقصة من تأليف ميخائيل رومان وإخراج أحمد ثابت بفرقة تفانين محافظة أسيوط.

كانت رؤية العمل أن القاتل لا يعرف لماذا يقتل وأن هدفه الأساسي هو الربح من وراء جريمته، بينما يستغل المغيب والجاهل والمحتاج ليأكل العرب جميعا بعضهم بعضا.

وخلال العرض، قالت العدالة ‘‘ مش بلقمة عيش هتقهروني’’، وأن الدول العظمى عندما قال الشعب ‘‘هنشتري بالدعم’’ ردت عليهم بأن ‘‘الدم هو عملة دعاة العنف ونحن نمتلك الذهب وكل العملات’’.

 

وقال ‘‘جيفارا’’ رمز الشعب الثائر، أنه من السيئ إطلاق الرصاص على الثائرين كـ’’المسعوريين’’ وأنه قديما كان المجرمون يحاكمون حتى لو المحاكمة صورية، فقالت العدالة ‘‘كان دم البني أدم وكرامته له قيمة’’.

وكررت العدالة في الختام صرخات مدوية تقول فيها ‘‘مفيش دم بيروح هدر بعد 100 بعد 1000 بعد 1000000 سنة’’.

 

أما المخرج أحمد ثابت، مخرج العمل المسرحي ‘‘ليلية مصرع جيفارا’’، أكد أن المسرحية تمثل الواقع المعاصر باستخدام ‘‘مسرح القسوة’’ الذي يقوم بعملية التطهير وأن ‘‘جيفارا’’ قصة واقعية وعالمية لأقدم ثورة استطاعت أن تنقل الثورة من الكوبا إلى الأرجنيتين.
وقالت وفاء بطلة العرض، أنها كنت متأثرة بما تقوله وخشيت أن تقع على الأرض لأن دورها حتم عليها أن تبقى أغلب الوقت مقيدة الأيدي والأعين.

 

الحلال.. الحلال

‘‘الحلال’’ اسم العرض المسرحي الذي تحدث عن أعمال الجهاد والتكفير والإرهاب مستخدمين في العرض فيديوهات لبعض الأعمال الإرهابية الآثمة، وحصلت على المركز الثاني بالمهرجان، من إخراج وتأليف أشرف حسني وتأليف فرقة صلاح حامد بالفيوم.

 

وقال أشرف حسني مخرج العمل المسرحي ‘‘للمندرة’’، أن تجربة مسرحية ‘‘الحلال’’ تجربة مهمة بالنسبة له وأنه يحبها أكثر من أي عمل أخر أخرجه، مؤكدا أنه حاول خلال العرض إبراز شعور المواطن مع تلك التفجيرات التي يستيقظ عليها كثيرا.

 

وأشار المخرج أن العرض يوضح ما ينتج عن تلك الأعمال الإرهابية من صراع وتخوين وطرح بعض المسميات الجديدة على المجتمع منها ليبرالي وعميل وطابور سادس وإخواني وغيرها، مضيفا أنه لم يقصد فصيلا جهاديا محددا فمنهم العديد في العراق، سوريا، ليبيا ومصر.

 

وناقش العرض الفهم الخاطئ للقرآن الكريم والناسخ والمنسوخ يبررون أعمال القتل والعنف بتكفير المجتمع، وتتناول قصة المرأة التي تعيش في جبل ‘‘الحلال’’ والتي فرض عليها أفعال هي غير مقتنعة بها وليس لها حرية التعبير أو الرأي وكانت النتيجة في النهاية أنها هربت.

 

العميان

وقال المخرج كريم الشاوي صاحب العمل المسرحي ‘‘العميان’’، أن سبب فكرة العرض تسلط الضوء على ‘‘التوهان’’، وهم مجموعة من العميان يدلهم كاهن وعندما تاه الكاهن بدأوا يتحسسون شعاع الأمل عن أي دليل يدلهم على الطريق مثل صوت عصافير أو ماء أو خطوات، وفي النهاية يكتشفون أن الكاهن قد مات والرسالة أن البني أدم يبحث ويسعى وراء الأمل حتى لو تعرض للموت أو الإصابة بالعمى فقد يكون العمى معنويا فقط.

 

ودعا المخرج بقوله ‘‘لا نترك أحد يدلنا علي الطريق أو يمسك بأيدينا ونعتمد عليه اعتمادا كليا’’، والعرض المسرحي ‘‘العميان’’ إخراج كريم الشاوي وتأليف موريس ميترلتك كاتب بالجيكي تابع لفرقة ‘‘بكرة مسرح’’ بالأقصر.
أيضا، قدم المهرجان عرض مسرحي بعنوان ‘‘لم تعد المرايا تعكس أشياء’’، يدور حول فكرة الحالة السيئة التي وصل إليها الوطن والمواطن الذي يبحث عن مخرج من أزمته والمخرج الحقيقي داخلنا ولم نراه، من إخراج وتأليف محمد موسي فرقة أناكوندا بقنا.

 

الكلمات المتقاطعة

وأما العرض المسرحي ‘‘الكلمات المتقاطعة’’ الذي فاز بجائزة المركز الأول في ملتقى الثقافي الثاني، هو مدلول لرؤية أن كل الأشياء في حياتنا أصبحت معكوسة مثل الكلمات المتقاطعة، فبعض الرجال تشبه بالنساء والعكس.

 

وأكد العرض على أن ظاهرة الجنس والتحرش بالمجتمع؛ ظهرت نتيجة للقمع والكثير من الأوضاع الحياتية المعكوسة، وفضل عن تسليط الضوء على تقيد الرقابة وفقا لرغبة السلطة في ذلك، وهو من إخراج إيهاب محفوظ وتأليف نجيب سرور بفرقة سوناتا بأسيوط.

 

واقع خرافي ومأساة الحلاج

وفي العرض المسرحي ‘‘واقع خرافي’’، كشف عن صراع بين الأموات والأحياء، وفكرته أن الميت على نفس أسمه يريد الشهادة ولكي يستشهد لابد من عودته للحياة وهو رافض؛ معبرا بجملة ‘‘المرشد عايز كده’’، مما أعتبره النقاد مراهقة سياسية، والعرض من إخراج أحمد السلاموني وتأليف علي عبد الله الزيدي فرقة مسرح للأبد محافظة الفيوم.

 

أما العرض الأخير’’مأساة الحلاج’’ من إخراج أحمد الغول وتأليف صلاح عبد الصبور فرقة ميراج أسوان، كانت رؤيته عن التكفير والموت، علي الرغم من توجيه النقاد لاستخدامهم شاشات الديجتال في العرض، إلا أنهم أثنوا على المجهود الواضح لفريق التمثيل.

 

ومن ناحية أخري صرح المخرج عادل بركات وعضو لجنة التحكيم بمهرجان ‘‘أحمد بهاء الدين’’ أنهم شاهدوا تسعة عروض مسرحية من مختلف محافظات الصعيد أسوان والأقصر والفيوم وسوهاج وأسيوط وقنا.

 

وأشاد بالأفكار والرؤى وتعامل المخرجين مع النصوص بما يتناسب مع الموهبة والمستوى التمثيلي للشباب الذين استعانوا بالغناء والعزف، متسائلا لماذا تسيطر أفكار الموت واليأس على معظم العروض وهم شباب في مقتبل عمرهم؟، أما البعض الآخر الذي نجح في تقديم حلول تقترب من الواقع في شكل أكثر نضجا مثل ‘‘الكلمات المتقاطعة’’ و‘‘المرايا لم تعد تعكس أشياء’’.

 

كانت هذه الفعاليات في إطار ملتقى الصعيد الثقافي الثاني الذي أختتم أعماله أمس الأربعاء، نظمته جمعية أصدقاء أحمد بهاء الدين الثقافية بشراكة مع المؤسسة الثقافية السويسرية والهيئة العامة لقصور الثقافة والهيئة القبطية الإنجيلية ومحافظة أسيوط.

One Response to الموت والإرهاب والضبابية.. ضيوف مهرجان أسيوط

  1. عادل بركات 12:59 صباحًا, 6 أبريل, 2014 at 12:59 صباحًا

    مقال محترم وتحليل جيد وتغطية رائعة لعروض المهرجان وهو مقال دال علي وعي نابه وفهم لصاحبة المقال رشا هاشم ، كل التقدير ومزيد من النجاحات لها ولجريدة المندرة ، شرفت بالتعامل والتحاور معكم واتمنياتي بلقاءات ومهرجانات قادمة ان شاء الله .

You must be logged in to post a comment Login