اللواء محمد الفاتح كُريّم.. قاهر جبل المرّ الذي سُمِي على اسمه

اللواء محمد الفاتح كُريّم

اللواء محمد الفاتح كُريّم

**صعد الجبل في قرار انتحاري بصحبة 26 جنديًا

**نال نجمة الشرف العسكرية.. وحرب فلسطين طريقه إلى الحربية

 

المندرة: هدير حسن

الصعيدي الذي أدى مهمته التي كُلف بها في 4 ساعات، وهو يقود 26 جنديًا، ولد واللواء أركان حرب محمد الفاتح كُريّم مهني في 18 نوفمبر 1932 بقرية الشيخ تمي، التابعة لـ “أبو قرقاص” المنيا، والتحق بالكلية الحربية عام 1949، التي تخرّج منها عام 1952.

 

قبل أن يترك بصمته في حرب أكتوبر 1973، التي ما زال أبطالها كُثر، وما زالت صفحات التاريخ مقصرة في حقهم، كان للواء محمد الفاتح مشوار طويل مع الحربية المصرية، فهو ابن القوات المسلحة، وأحد أفراد الجيش المصري، الذي قرر أن ينضم إلى كتيبته بعد أن هاله الفاجعة التي ألمت به بعد حرب فلسطين 1948، ففي العام التالي انتسب إلى الكلية الحربية، وتخرّج منها وقت إندلاع ثورة يوليو، ليشهد اللواء محمد نجيب يوم حفل تخرجه بدلًا من الملك فاروق، الذي زال عرشه عن البلاد قبلها بأيام.

 

شارك بعمليات حرب 1956، وقت العدوان الثلاثي، وكان وقتها ملازم أول، وضمن الكتيبة الحامية لغزة، ولكن شاءت الأقدار أن يقع في الأسر من قِبل القوات الإسرائيلية، ليعود إلى صفوف الجيش مرة آخري بعد عملية تبادل أسرى لاحقة، كما شارك في حرب اليمن التي ناصرت فيها مصر القوات التابعة للجمهورية العربية اليمنية ضد القوات الموالية للمملكة المتوكلية، واستمرت 7 سنوات.

 

وتأتي النكسة عام 1967، في ظل انعدام الجاهزية لدى الجيش المصري، كان اللواء محمد الفاتح عائدًا من فوره من اليمن، وقبل أن يهم بالمشاركة في القتال، وجد القيادة العليا تأمر بالانسحاب دون خطة واضحة، وفي خرق مستنكر لكافة القواعد العسكرية، وشعر، وقتها، وزملائه بالحسرة، فلا هم أثبتوا قدرتهم على مواجهة العدو، ولا هم استطاعوا أن يموتوا في سبيل وطنهم، ويتذكر اللواء، أحداث هذه الهزيمة، وكيف كان على استعداد للموت قبل أن تعبر دبابات العدو القناة؟

 

وإن كان للهزيمة فائدة، فهي ما ظنته القوات الإسرائيلية عن الجيش المصري، الذي اعتقدت أنه بلا نفع، ولن يقوى على مجابهتها مرة ثانية، إلى جانب ما زرعته داخل قلوب جنود الجيش المصري وقاداته، فجاءت حرب 1973، والكل يرى النصر أمامه، واللواء محمد الفاتح، كان كمَنْ قرر أن يأخذ بثأره، ويثبت أن إرادة الحرية والتحرر أقوى من إمكانيات العدو، فكان جبل المرّ، هو سبيله لتحقيق ذلك.

 

قهر “المرّ”

البداية كانت بعد عبور القوات المصرية من غرب القناة إلى شرقها، وكان اللواء محمد الفاتح قائد للواء الثاني مشاة ميكانيكي بالفرقة 19 للجيش الثالث الميداني، ينتظر أمر القيادة لتحرير جبل المرّ، الذي يبُعد عن القناة 15.5 كيلو متر، من قبضة القوات الإسرائيلية، وللجبل، الذي يبلغ طوله 8.5 كيلو متر، وارتفاعه 117مترًا، أهمية كبرى، فالقوات الإسرائيلية كانت تقصف مدينة السويس والمقاومة الشعبية من خلاله، وتهاجم القوات المصرية العابرة للقناة.

 

صبيحة يوم التاسع من أكتوبر 1973، وفور صدور الأمر بالتحرك لتحرير الجبل، اتجه محمد الفاتح يقود لواءه، غير الكامل، فقد تعرضت عدد من أفراد الكتائب للقتل، وأعاقت القوات الإسرائيلية أفراد آخرين، وقرر رغم ذلك أن يقاتل وصولًا إلى الجبل، الذي تحوطه الكثبان الرملية من كل جانب، وفي طريقه أصابتهم صواريخ القوات الإسرائيلية، فحتى يتجنبها ترك المدرعات واستقل وجنوده العربات الجيب، وكان هناك كتيبة قد سبقتهم في الاقتراب منه، ولكن ظلت القوات الإسرائيلية تقصفها حتى دمرت 22 دبابة، وقتها، شعر اللواء محمد الفاتح بالحسرة، فهو لم يحارب، وكان متقدمًا نحو هدفه بعد أن ترك مدرعاته خلفه، وكان يوشك أن يبلغ القيادة بفشل المهمة والتراجع، ولكنه قرر أن يخوض الحرب لآخر نفس.

 

بعد أن وصل اللواء محمد الفاتح قرب الجبل، ووجد بقايا الكتيبة التي سبقته، قرر أن يشحذ الهمم، ويتخذ قرار بالسير مترجلًا نحو الجبل، وظل يردد على مسامع جنوده:

 

ولست أبالي حين أُقتل مسلماً

على أي جنب كان في الله مصرعي

وذلك في ذات الإله وإن يشأ

يبارك على أوصال شلوٍ ممزعِ

 

ونحو قمة الجبل اتجه القائد، في قرار يعد في الأعراف العسكرية انتحار، وحوله 26 عسكريًا وضابطًا، صائحًا: “الله أكبر والعزة للعرب.. الله أكبر والعزة للعرب”، وبعد مائة متر اتجهت نحوهم دبابتان تابعتان للقوات الإسرائيلية، فتجنبهم اللواء وجنوده بالاتجاه شرقًا، ولكن صادفتهم بعد حوالي 500 متر 12 دبابة آخرى، وحلقت الطائرات الإسرائيلية فوقهم، فلجأ اللواء محمد الفاتح إلى الأر بي جي، وأمر أحد جنوده، البارع في التصويب، باستهداف أول دبابة وآخر واحدة، ليحدث ربكة في سير الدبابات، وهو ما كان، وقتها، كانت القوات الإسرائيلية المتمركزة فوق الجبل، قد أوقفت صواريخها.

 

وبعد صعود الجبل، كان يتهيأ اللواء محمد الفاتح للاشتباك مع القوات الإسرائيلية المتمركزة فوقه، ولكنه وجده خاويًا على عروشه، ولا أثر لهم، فلقد فروا هاربين تاركين وراءهم عدادهم وعتادهم، وفور إبلاغ قيادة الجيش الثالث الميداني، صاح اللواء عبد المنعم واصل: “عملها الصعيدي”، ثم زار موقع الجبل، وسأل الجنود عن الاسم المناسب للجيش، فهتفوا جميًعا: “الفاتح”، ومن يومها، وبعد موافقة الرئيس الراحل السادات، أصبح جبل المرّ هو جبل الفاتح.

 

وحصل على إثر هذه المعركة، التي أظهر خلالها موقف بطولي، على العديد من الأوسمة والنياشين، أهمها وسام نجمة الشرف العسكرية، فهو القائد الذي لم يأمر جنوده، ولكنه سبقهم إلى موقع القتال، ليرحل عنا جندي من خير أجناد الأرض، نشأ في الصعيد، وصنع مجد بلاده في سيناء، في 28 مارس 2013.

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *