‘‘المندرة’’ في أول قطار من قنا.. عودة الرزق والابتسامة

قنا: سعيد عطية

قطار الذي رقصت فيه هند رستم، وغنى به فريد الأطرش، وأُلِفَت من أجله العديد من الأغاني التراثية، والذي يعتبره الكثيرون أكثر وسائل السفر أمانًا، وأريحها أيضًا، تسببت عودته للعمل، بعد انقطاع دام خمسة شهور، في فرحة كبيرة سادت بين أهالي قنا، عايشتها معهم ‘‘المندرة’’ في رحلة على قطار 887، القادم من أسوان متجها إلى القاهرة، وداخل كابينة القيادة.

 

خمسة أشهر توقفت فيهم مصالح الناس، ورحلاتهم، وظل الكثيرون ينظرون إلى محطة السكة الحديد بحسرة، ليستقبلوا عودة عمل القطارات بحفاوة بالغة، بكلمات مثل ‘‘كفارة.. والله بعودة.. وأخيرا’’. ‘‘المندرة’’ في رحلتها، تعرفت على قائد القطار، عبد الرازق حسين، 55 سنة، من القاهرة، ويعمل سائق على خط الصعيد منذ أكثر من خمسة عشر عاما، ويقول إنه أثناء توقف القطارات ‘‘كنا زي البيت الوقف’’، على رأي المثل الشعبي.

 

عبد الرازق كان يذهب إلي العمل ليوقع الحضور والانصراف، ثم يتوجه إلى البيت، ويظل دون عمل، ويتقاضى راتب، يقول إنه لا يشعر بلذته، ليستقبل خبر العودة بفرحة غامرة لا تكاد توصف، لأنه لم يألف النوم في البيت، ولم يتوقف عن العمل في حياته حتى لفترة قصيرة.

 

وفي أول يوم عمل، استقبل عبد الرازق القطار كالأب الذي عاد له ابنه بعد اختفاء وانتظار، فله في القطار ‘‘ذكريات وحواديت’’، وقضى أمام أزرار تشغيله فترة أطول من التي يجلسها في بيته مع أبنائه.

 

باعة القطارات، كانوا من أكثر الناس تضررا من توقف الحركة، لأن البيع في القطارات مصدر قوتهم الوحيد، فلا مرتب حكومي يصرف لهم، ولا مكان آخر ليبحثوا فيه عن لقمة عيشهم، وهو ما يعبر عنه حسين محمد، 23 سنة، دبلوم زراعة، بائع شاي، وأحمد طلعت، 20 سنة، دبلوم صناعي، ويبيع ‘‘قمع العسل’’ أو ‘‘الجلاب’’ كما تعرف في قنا، وهو أحد منتجات قصب السكر، مؤكدين على أن التوقف كان بالنسبة لهم ‘‘خراب بيوت’’، وكانت أنباء عودته واقتراب تشغيله التي تطلقها الحكومة مرة تلو الأخرى ثم ترجع عنها، ‘‘تلعب بقلوبهم’’.

 

أحمد إبراهيم، من أبناء نجع حمادي، 27 سنة، يعمل مدرس، ويعد رسالة الماجستير في العلوم، كان مقترحه أن يتم استقبال عودة حركة القطارات بـ‘‘المزمار البلدي’’، فالقطار هو وسيلة النقل الرئيسية للطلبة والطالبات على وجه التحديد، مشيرا إلى أن بعض الأهالي كانوا يعيشون ليالي من الرعب؛ لسفر الفتيات إلى القاهرة بالأتوبيس، مناشدا كل الجهات الأمنية بأن لا يصدموا المواطنين بقرار توقف الحركة مرة ثانية، مثلما حدث من قبل.

 

الفرحة التي غمرت الأهالي على محطة نجع حمادي، أفسدتها وفاة سيدة تبلغ من العمر 67 عاما، إثر نوبة سكر أصابتها على رصيف المحطة، وهي في انتظار القطار، وأودت بحياتها في دقائق.

 

في مركز قوص، وعندما احتكت عجلات القطار بالقضبان التي لم تلمسها منذ مائة وثمانون يوما، أطلقت إحدى الراكبات ‘‘زغرودة’’ بهجة وفرح، ما أثار حالة من المرح على رصيف محطة قوص. أما في مركز أبو تشت، استقبل طلاب الجامعات عودة القطارات بأغنية ‘‘تسلم الأيادي’’، والتصفيق الشديد مع وصول أولى عربات القطار إلى الرصيف.

 

ولوقت طويل، انتظر ركاب مركز دشنا، قدوم القطار الذي طال غيابه، ومر أمامهم جرار دون قطار في البداية، حتى أطلق أحد المنتظرين مُزحة قائلا ‘‘ابتدت تندّع والفرج جاي’’.

You must be logged in to post a comment Login