“المندرة” تتجول في رحلة التحنيط عند قدماء المصريين

**عملية التحنيط عند الفراعنة تستغرق 70 يوما ووزن قلب المتوفى هو الذى يحدد مثواه في النار أو الجنة

**التحنيط في معبد الوادي والصلاة في المعبد الجنائزي ودفن الملوك في مقبرة وادي الملوك والعمال والفنانين في دير المدينة والأشراف في وادي النبلاء

 

الأقصر: أسماء أبو بكر الصادق

القدماء المصريون هم أول من مارسوا الطب والصيدلة على أسس سليمة, وذلك لإيمانهم بالبعث للحياة مرة أخرى ولانهم لا يحبون كلمة الموت ويعتبرونها انتقال إلى الشاطئ الآخر, مما جعل عملية التحنيط تعد المعجزة العلمية التى برعوا فيها.

 

حتمت العقائد الدينية فى مصر القديمة حفظ جسد المتوفى وإبقائه على شكله حتى يتسنى للروح أن تتردد عليه فى مقبرته, وأن عملية التحنيط كانت تجرى للمتوفى لمدة 70 يوما منذ الوفاة حتى الدفن, وكانت تدفن معه كل متعلقاته الشخصية, إيمانا منهم بالبعث للحياة مرة أخرى, وخاصة الملوك الذين كان يدفن معهم خدمهم ومتعلقاتهم الذهبية وحلاهم وقلادهم.

 

يشرح الدكتور رفعت موسى محمد، أستاذ الآثار بكلية الآداب في جامعة جنوب الوادي، في كتابه “فن المتاحف” عملية التحنيط التي وصفها لنا أيضا محمد شحاتة، مدير عام متحف التحنيط بالأقصر، عند القدماء المصريين وهى عبارة عن استخلاص ماء الجسم وتجفيفه تماما من السوائل حتى لا تتمكن البكتريا من الوصول إليه. وتتم عملية التحنيط بعد الوفاة مباشرة, حيث كان يحمل الجسد إلى مكان يسمى قديما باللغة الهيروغليفية “برعبد” ويعنى (بيت التطهير), أو “برنفر” وباللغة العربية (البيت الجميل), وكان يتم نزع كل ملابسه ويوضع على لوحة خشبية تشبة السرير المائل للبدأ فى عملية التحنيط, ويتم غسل المومياء بالكامل, ثم يوضع على الجسم “ملح النطرون الجاف” الموجود بوادى النطرون فى الفيوم والذى يمتص السوائل ويذيب الدهون. وكان النطرون مقدسا فكان يحفظ البشرة من التلف, وكان يستخدم فى أعمال كثيرة مثل تنظيف المنازل.

 

وتبدأ عملية التحنيط من خلال نزل المخ عن الجسد, لأن أنسجته سريعة التحلل والتلف والتعفن, ويتم استخراجه عن طريق فتحتى الأنف, بواسطة قضيب من النحاس أو البرونز يخترق قاعدة الجمجمة, ثم ينفذ لتجويفها ويهرس المخ الذى يفرغ بالطريقة نفسها.

 

وكانت تستخرج أحشاء الجسم لأن فضلات الطعام التى توجد داخل الأحشاء وكذلك الأنسجة الدهنية قابلة للتعفن سريعا, فيما لا ينزع القلب لأنه مركز الاحساس والشعور.

 

ويتم انتزاع الأحشاء عن طريق عمل فتحة من الجانب الأيسر من البطن بواسطة سكين طقس من حجر الصوان, وذلك تمسكا بالشعائر المتوارثة, وكانت الأحشاء تخرج من فتحة البطن وتحديدا الأمعاء والمعدة والكبد, أما الكليتين فكانوا يتركوا أحيانا, وأحيانا ينتزعوا مع باقى المحتويات.

 

ويتم عمل شق فى الحجاب الحاجز وتستخرج منه محتويات التجويف الصدرى, فيما عدا القلب والأوعية الدموية, حيث أن القلب هو الذى يتم وزن أعمال المتوفى على أساسه, فيوضع قلب المتوفى وتمثال اّلة “معت” على الميزان لمقياس وزن القلب, فإذا ثقل وزنه اعتبروا أن صاحبه اقترف ذنوبا كثيرة وحق عليه أن يدخل النار, أما إذا تساوى القلب وتمثال اّلة الحقيقة، اعتبروا أن صاحبه برئ من الذنوب وحق عليه أن يدخل الجنة.

 

بعد ذلك، يتم غسل فراغات الجسم بالماء (البطن والصدر), ثم يعقم بنبيذ النخيل, والذى يحتوى على 14% من الكحول, وبعدها يتم تحنيط الأحشاء ويوضع فوقها ملح النطرون لكى يجف تماما من السوائل لمدة 40 يوما, ثم يعالج الجسم بالزيوت العطرية ونبيذ النخيل, قبل أن يُحشي بلفائف الكتان المشبع بالراتنج ونشارة الخشب والمر والقرفة ومواد أخرى تكسبه رائحة طيبة.

 

وكانت الأحشاء توضع داخل أربعة أواني كانوبية من المرمر للمدعو “واح من نفرو ابن بسماتيك” لحماية الأحشاء وحفظها, وتسمى بالكانوبية نسبة إلى المكان الذي كانت توضع فيه هذه الأحشاء لحمايتها. وتأخذ الأواني الكانوبية أشكالا معينة, وتسمى بأبناء حورس الأربعة وهم “أمستى” وهو على شكل رأس اّدمى وكان يوضع فيه الكبد,”قبح سنو اف” برأس صقر كانت توضع فيه الأمعاء لحفظها,”دوا موت” على شكل ابن توضع بداخله المعدة و”حابي” برأس قرد توضع بداخله الرئتين.

 

وتبدأ عملية الحشو المؤقت بحشو فراغات البطن والصدر بلفائف الكتان, وبعد تمام الأربعين يوما، يزال ملح النطرون من على الجسم بالكامل ويتم استخراج الحشو المؤقت لأنه اذا ترك سيؤدي لإتلاف الجثمان. وتم العثور على بعض من الحشو بجوار المقبرة وهى التى ساعدت على اكتشاف عملية التحنيط.

 

والحشو المستديم يتم بعد استخراج الحشو المؤقت بعد غسل الجثمان بنبيذ النخيل, بلفائف من القماش بداخلها ملح النطرون ونشارة الخشب وايضا هناك المر والقرفة مغموسة بالراتنج المنصهر (الزفت), ثم يتم تخييط فتحة الجانب الأيسر، وفى بعض الأحيان كانت تسد الفتحة ببطاقة صغيرة من الذهب عليها صورة العين المقدسة “أوجات” اعتقادا منهم أنها تشفى الجروح.

 

ويدهن الجسم بأكمله بمواد عطرية مثل زيت الأرز وبعض الدهانات الأخرى, ويدلك سطحه بالمر والقرفة ليعطى ريحة طيبة,وأيضا يغطى الجسم بالكامل بالراتنج المنصهر ويعالج سطح الجسم بواسطة فرشاة عريضة لسد مسام الجسم حتى لا تتعرض أنسجته للرطوبة, حتى لا تمكن بكتريا التعفن من العيش على أنسجته ويلف الجسد بشرائط من الكتان المغموسة فى الراتنج مع تلاوة الشعائر.

 

يقول عبد المنعم عبد العظيم، مدير مركز تراث ، إن الجثمان فى نهاية مدة السبعين يوما وبعد غسله, يتم لفه بأربطة مقصوصة من قماش الكتان ومشبعة بالصمغ, وأن هذا العمل لكى يكتمل يحتاج مواد مختلفة لا تقل عن خمسة عشر مادة من بينها شمع النحل لتغطية الأذنين والعيون, وفتحة الأنف والفم والقطع الذى أجراه الجراح لفتح البطن وخيار شنبر, وزيت خشب الأرز وهو الناتج عن شجرة العرعر, والصمغ والحناء وثمار العرعر والبصل ونبيذ النخيل, عرق البلح, ونشارة الخشب والزفت والقطران, والنطرون حيث كان المادة الأساسية. ويصبح الجثمان بعد الانتهاء من هذه العملية هيكلا عظميا مكسوا بجلد أصفر اللون ويظل الوجه محتفظا بشكله الأصلي وعلى الرغم من الخدود الغائرة والشفاة الدقيقة, إلا أنه يمكن التعرف عليه, وذلك ما حدث عند اكتشاف مومياء سيتى الأول كيف كانت ملامح هذا الملك العظيم.

 

وبعد ذلك يبدأ كساء المومياء بتزيينها بالذهب والحلى والقلائد والتمائم وتوضع الأساور والصنادل والخواتم, مثلما عثر عليه فى مومياء “توت عنخ اّمون” حوالى 143 قطعة ذهبية من الذهب والحلى. وكان يوضع “جعران القلب” أيضا بجانب القلب أو مكانه بعد عملية التحنيط, وعلى الجزء الأسفل غالبا ما يوجد نص من كتاب الموتى يرجو فيه المتوفى قلبه بألا يشهد ضده فى العالم الاّخر أثناء المحاكمة أمام “أوزوريس”.

 

وتوجد أيضا لوحة المحاكمة التى تتكون من 42 قاضٍ حاضرين المحاكمة أمام “أوزوريس”, والذى يقيس وزن القلب أي اذا تساوى وزن “القلب” مع وزن “رمز الحياة” أصبح المتوفى برئ من الذنوب, وحق عليه أن يدخل الجنة, واذا لم يتساوى وثقل وزنه عن وزن “رمز الحياة”, اعتبر أنه ملئ بالذنوب ووجب عليه دخول النار.

 

وبعد إتمام عملية التحنيط بالكامل يتم تقسيم فتحة الفم بأداة تعرف باسم “ستب” وفيها يقوم الكاهن الأعظم بلمس فم المومياء بقضيب خاص, مرددا بعض التراتيل, ويقال إن هذه التقسيمة تمكن المتوفى من الحركة مرة أخرى,عند عودته للحياة مرة أخرى.

 

ويوضح أشرف عجمى، مرشد سياحى، إن عملية التحنيط كانت تتم بمعبد الوادى, ويصلى على المتوفى فى المعبد الجنائزى, ثم يدفن فى مقبرة وادى الملوك اذا كان ملكا, ودير المدينة اذا كان عاملا أو فنانا, وإن كان شريفا أو نبيلا يدفن فى وادى النبلاء, مع تلاوة الشعائر والتراتيل.

 

One Response to “المندرة” تتجول في رحلة التحنيط عند قدماء المصريين

  1. مصطفي حسن 2:34 مساءً, 6 سبتمبر, 2013 at 2:34 مساءً

    ان متحف التحنيط من اهم المتاحف الاثاريه في الاقصر

You must be logged in to post a comment Login