“المندرة” تقضي يوماً في مسجد العارف بالله بسوهاج.. نصب ودجل وشعوذة في بيت الله

سوهاج: كريمة مهران

“شالله يا عارف بالله” جملة تظل تتردد في الآذان منذ دخول مسجد العارف بالله بقلب مدينة سوهاج، حتى الخروج منه, العبارة تترد على ألسنة عشرات الزائرين، الذين حضروا من جميع أنحاء المحافظة تاركين أحوالهم، وحاملين كل ما استطاعوا، متجهين إلى المسجد، وبالتحديد إلى ضريح العارف بالله، آملين في تحقيق كل أمانيهم، وحل مشكلاتهم بدعوة مستجابة عند المقام أو بالنذر.

 

يسعى الحاضرون إلى التقرب من أحد الدراويش أو المجاذيب، الذين يحيطون بالمسجد من كل جانب، ويرتدون ثيابا غريبة ويلفون حول أعناقهم أشياء أغرب، وتبدو وجوههم وكأنها لم تلامس الماء منذ عشرات السنين ويجتذبون الزائرين بكلمات “حي.. مدد”, وينتابك عند الاختلاط بالزائرين شعور أنك في عالم غريب، وكأنهم يهونون على أنفسهم متاعب المعيشة بالمسح على المقام أو التقرب من هؤلاء الناس.

 

والعارف بالله هو لقب أطلق عليه كـ “ولي من أولياء الله الصالحين”، أما الاسم الحقيقي له هو إسماعيل بن على بن عبد السميع بن عبد العال اليماني، الملقب بحسين أبو طقية، والملقب أيضا بفحل الرجال, وولد بقرية دندرة بقنا، ثم انتقل إلى سوهاج، وهو من عائلة الأشراف، وله أشقاء ثلاثة، هم الشريف عبد الظاهر، وشهاب الدين، والشيخ عبد الكريم، ولكل منهم مقام بقنا.

 

قضت “المندرة” يوماً بالمسجد، لتشاهد ما يحدث به، وما يجعل المواطنين يذهبون إليه، وما يدور بأفكارهم. حضرت منى إبراهيم، إحدى الزائرات، إلى المسجد لأن زوجها طردها من البيت فجاءت تبكى وتترجى الشيخ العارف بالله أن يحل لها المشكلة، ونسمة التي لم تتعد العشرين سنة، جاءت إلى المسجد لكي تترجى العارف بالله أن يفك “نحسها” وينقذها من “كابوس العنوسة”، التي ترى أنها وقعت فيه منذ أصبح سنها سبعة عشر سنة.

 

وتقول “الحاجة أم السيد”، إنها تأتى كل جمعة لزيارة المقام، وتضع رأسها عليه وتشكو له أحوالها، بينما جاءت “أم صلاح” للبحث عن شيخ يقرأ لها “عدة يس”، في عم أبنائها، الذي ظلمها، وبكت عندما علمت أن “الشيخ” المتخصص في قراءة العدة توفاه الله، خوفا من عدم وجود من يقوم بالمهمة بدلا منه.

 

في مقدمة مصلي النساء، تقيم “أم عيد” التي تنتظر “نفحات” الزائرين من أجل أن “تمنحهم البركة”، وتختلف “النفحات” على حسب الحالة المادية للزائر، حيث تبدأ من جنيهين إلى مائتي جنيه، وترى أم عيد أنه كلما زاد المبلغ زادت “بركتها” على الزائر. تعلق في عنقها سلسلة بها مقص تستخدمه في قص شعر الأطفال، الذين يأتي بهم أمهاتهم، ويضعونهم أمام “أم عيد”، فتقرأ ما تقرأ في آذانهم، وبعدها تقص مقدمة شعر الطفل.

 

قالت إحدى السيدات، التي جاءت بابنها “أحمد”، والذي بكى من قسوة “أم عيد” عليه أثناء قص شعره، “أصل أحمد ولد على خمس بنات، واليوم اللي ولدته فيه ندرت إني أحلقله شعره في العارف على إيد الست الطاهرة دي”.

 

أما عامل المسجد، فقد ترك الصلاة وظلت عينه عالقة على الصندوق، الذي يجاور الضريح، ويضع فيه الزوار تبرعاتهم للمسجد، حتى وجد رجل وزوجته دخلا إلى المسجد متجهين إلى المقام حاملين “سجادة”، هدية للضريح, فهرول العامل وأخذها من الزوج، وفرشها أمام المقام، وقال “زغردي يا ست انتي وهى عشان الشيخ يقبلها”، وانهالت الزغاريد تدوي في جميع أنحاء المسجد, ولم يكد يخرج الرجل وزوجته حتى اختفت السجادة، حيث حملها العامل إلى الخارج.

 

وعند سؤال الزائرين عن نتائج هذه الزيارات، وهل بالفعل تحل مشكلاتهم، يكون الرد واحدا من قبل أغلبية الزائرين “حتى لو متحلتش المشكلة أنا بحس بعد الزيارة براحة نفسية, وبحس إن ربنا هيردهالي خير في أولادي”, بينما كان رد نسمة مختلف بعض الشيء، حيث قالت “كان فيه واحدة جارتي بتعاني من نفس المشكلة بس اتجوزت بعد زيارتها للشيخ العارف بشهر ونصف، قولت أعمل زيها يمكن ربنا يفك نحسي”.

 

وأثناء صلاة الجمعة بالمسجد، لا يسمع الكثير من المصلين صوت الخطيب، حيث تعلو أصوات بكاء الأطفال ولعب بعضهم، وفي بعض الأحيان يوجد رجل وسط مصلى النساء ينادى “بجنيه يا ترمس”، ونساء يتركن الصلاة لشراء الكشري للأطفال من أمام المسجد.

 

ويقام مولد العارف بالله في الثاني من أكتوبر من كل عام، أمام المسجد، ويأتي المواطنون من جميع أنحاء الجمهورية لحضور المولد, الذي يتم فيه عقد حلقات الذكر والإنشاد الديني, ويستمر لمدة ثلاثة أيام متواصلين.

 

ويعد مسجد العارف بالله من أقدم مساجد محافظة سوهاج، حيث يرجع تأسيسه للقرن الثامن الهجري, ويقع المسجد في قلب مدينة سوهاج وتم تجديده في عهد الرئيس الراحل جمال عبد الناصر، بتكلفة 20 مليون جنيه، وتزيد مساحة المسجد عن سبعة آلاف متر مربع, ويقصده بعض المسئولين أثناء زيارتهم لسوهاج, ويوجد ضريح العارف بالله بجناح ملحق بالمسجد، سمى باسمه، وللضريح بابين أحدهما من الخارج للرجال، والآخر من الداخل للنساء.

 

 

You must be logged in to post a comment Login