‘‘المندرة’’ تقتحم معاقل ‘‘عرب الصف’’.. عالم مُنغلق على عادات دموية

**حياة بدائية وغياب تام للمرافق والرعاية الصحية نوع من الترف

**الأهالي: ‘‘الحكومة تقدر تجيب النمل ولا تجيبنا.. والسُمعة السيئة جعلتنا لا نُبالي’’

**المسيحيون ممنوعون من بناء الكنائس أو التواجد بين مسلمي العرب

**سُكان الصف: عرب الحصار سبب مشاكلنا ويعيشون على البلطجة و‘‘لازم يتلموا’’

 

الصف: آيات عبد الباقي

تتأرجح المدينة بين تصنيفين، العرب والفلاحين، حيث يقطن العرب في الخط الأبيض منها، وهو الصحراء، بينما يتجمع الفلاحون في الخط الأسود، وهو المنطقة الحضرية الزراعية. ‘‘العُربان’’ أو عرب الصف، مركز يتكون من مجموعة قبائل تسير عكس التيار، فلا تعرف مواكبة العصر سوى في بعض وسائل الاتصال البسيطة بينهم.

 

هم اثنتا عشر قبيلة، تعيش في مناطق مختلفة بمدينة الصف، فمنهم من يحاول الاندماج مع الواقع مع احتفاظهم بعاداتهم الأساسية، وآخرون آثروا معيشة الجبال وتشبهوا ببدو الصحراء، لا ترجع أصولهم للمدينة أو المحافظة بأكملها، فم جماعة من اللاجئين جاءوا من بلاد شتى؛ هربا من الفقر أو القتل أو غير ذلك، فمنهم من أتى من فلسطين والعريش والسعودية.

 

تكونت أولى قبائل العرب منذ ما يزيد عن قرنين، وتوارث أبناء القبائل أراضي أجدادهم التي أقاموا عليها في الصحراء بنظام ‘‘وضع اليد’’، وما زالوا يحمونها ويعيشون فيها حتى يومنا هذا، وهو ما أكده أبو أحمد بن العامرين، بقوله ‘‘عمري كله عيشته هنا، أصلنا من السعودية، لجأنا لمصر بعد ما عانينا الفقر هناك من مئات السنين’’.

 

تضم معاقل العربان، كما يطلق عليها أهل الصف، قبائل مختلفة من حيث الأصل واللغة أحيانا، إلا إنهم متشابهين في معظم العادات، وهم عرب أبو ساعد، تقع شمالا على طريق الأوتوستراد، وعرب الشرفا، ويقيم أهلها بالمنطقة الصحراوية، وعرب غمازة الكبرى، وعرب أبو عريضة، وعرب أبو طماعة، وعرب الترابين، وعرب الحصار البحرية، وعرب الشيخ صالح، وعرب الحصار القبلية، وهي من أكبر عربان منطقة الصف، وأغزرها سكانًا.

 

وهناك عرب العمارين قبلي، وسكان هذه المنطقة ما زالوا يحتفظون بغالبية سمات العربان كاللغة والملبس وحياة البداوة وحرفة رعي الأغنام، وكذلك عرب أسكر وعرب القميعي، وهي آخر بلاد العربان بمركز الصف، والبوابة الجنوبية للمنطقة.

 

تختلف اللغة بين قبائل العرب، فمنهم من يتحدث البدوية، ويكون في الغالب من أصل عربي، وفريق آخر يتحدث لغة قريبة للغة أهل الصف، وبعضهم يتحدث العربية بلكنات مختلفة، ويقول الشيخ ‘‘أبو أحمد’’، أحد أبناء العمارين، ويعمل حارسا لأحد المناطق الجبلية التابعة لقبيلته، إن العرب يتحدثون لغة واحدة في الغالب وهي القريبة من لغة البدو.

 

المرأة ‘‘عيب’’

ما زالت المرأة في عادات العرب هي المخلوق الذي يستحيل أن يتساوى مع الرجل في كل شيء، فتظل في عرفهم حبيسة المنزل وتربية الأبناء وطاعة الزوج، لها حق الخروج من المنزل في حدود ضيقة، وليس لها الحق في العمل أو التعليم العالي في معظم الحالات، ومجبرة في صغرها على عمليات الختان.

 

ويقول ‘‘أبو أحمد’’، إنه من العيب أن تسير المرأة أمام الرجل، وإنها مهما كانت لا تتساوى مع الرجل أبدا، ويوافقه الرأي علي عامر المحرق، من أبناء قبيلة مطير التابعة لعرب الحصار، وعضو جمعية شباب العروبة، الذي يرى أن ذلك ليس تقليلا من شأنها، وأن حقها مُصان في الميراث.

 

أكثر مادة مرفوضة عند العرب، والتي يعتبرونها ‘‘خطًا أحمر’’ هي المساواة بين الرجل والمرأة، وفقًا لعامر، ويرى أن ‘‘قيمتها في بيتها لكن لا تتساوى مع الرجل’’.

 

التعليم بحدود

ليس للتعليم حظًا بين العربان، فليس شرطا أن يتعلم الشاب أو الفتاة القراءة والكتابة، بقدر ما يتعلم عادات القبيلة ويطبقها، ونادرا ما يلتحق أبنائهم بالتعليم الثانوي، أما تعليم البنات، فهو أمر ثانوي يتوقف على رغبة الرجل الذي ستتزوجه الفتاة، فالزواج هو الأولوية.

 

وعن طبيعة المدارس التي يلتحق بها أبنائهم، قال المحرق، أحد أبناء عرب الحصار وعضو جمعية شباب العروبة المتحدثة باسم عرب الصف، ‘‘كانوا بيروحوا مدارس الصف، لكن حصلت مشاكل بيننا وبين قبائل الأقواز وفصلنا ولادنا عنهم، وجبناهم في مدارسة هنا لوحدهم’’.

 

حياة العرب جافة، مليئة بالجبال والرمال والطرق الوعرة، لذلك فهم يستعينون بأنواع خاصة من السيارات لتقلهم من الجبل إلى وسط المدينة والعكس، ومنها ما يطلقون عليه ‘‘القطمة’’، وكذلك يستخدمون ‘‘بيجو’’، لأنهما سيحملان قسوة الطريق، على حد ذكر أهالي المكان.

 

ياخدها التمساح ولا الفلاح

أما عادات الزواج عند عرب الصف، فهم يرفضون تزويج بناتهم من خارج القبيلة، مهما كانت مميزات المتقدم للزواج، فهو بالنسبة لهم ‘‘فلاح’’، وهم يسيرون على المثل السائد بينهم ‘‘ياخدها التمساح ولا ياخدها الفلاح’’. ويشير المحامي شعبان نجدي، الناشط في مجال حقوق الإنسان، إلى أن العرب يعتقدون أنهم مميزون عن غيرهم من الفلاحين والصعايدة.

 

الأكثر تميزا بين عادات عرب الصف، هو احتفالهم بليالي الأفراح، حيث يقيمون سهرات السمر مع دقات الدف والأغاني البدوية الجميلة ورقصات السمسمية المعروفة، وفي الغالب يحتفلون بالحنة والدخلة فقط. أما ‘‘شوار العروسة’’، أو الجهاز، فيتكلف الرجل بكل شيء فيما عدا الأجهزة الكهربائية وأدوات المطبخ، والمهور ليست ثابتة بل حسب العائلات والاتفاق، ولا يعترف أكثرهم بـ‘‘القايمة’’، لأن كلمتهم ‘‘عقد’’.

 

تتسم ملابسهم بالبساطة الشديدة، وتعتبر ‘‘الجلابية’’ والشال الملفوف على الرأس، هو الزي الرسمي للرجال، أما النساء فيرتدين ‘‘عبايات’’ سوداء، وطرحة سوداء كبيرة تغطي نصف وجوههن عدا العين والأنف، وللفتاة التي لم تتزوج حرية ارتداء الجلباب الملون، ثم يحدد زوجها مصير زيها الرسمي، فالمحرق يقول إنه ألزم زوجته بالملابس السوداء بعد أسبوع من الزواج.

 

حياة بدائية

الرعاية الصحية في ذلك المكان تعاني أزمة كبيرة، فالصيدليات غير موجودة سوى بالمنطقة الحضرية، وأقرب مستشفى لعرب الصف تبعد عن منازلهم بحوالي 100 كم، يفصلهم عنها جبال وأودية، ويستغرق الطريق إليها حوالي نصف ساعة بالسيارة، لذلك يعتمدون على الطب البديل أو الأعشاب.

 

ومثل ملابسهم، فبيوتهم أيضا تتسم بالبساطة والبدائية، فأقصى ارتفاع للمنازل طابقين، وشكلها بسيط للغاية، ويقول المحامي شعبان نجدي، ناشط في مجال حقوق الإنسان، إن العرب يعيشون تحت خط الفقر، حياتهم معدمة، ولا يتمتعون بالخدمات المقدمة لغيرهم إلا بالنذر اليسير منها، فتجد شوارعهم ومناطقهم شديدة الظلمة بعد غروب الشمس، وبيوت كثير ممن يسكنون الجبل ليس بها دورات مياه، ويقضون حاجتهم خلف الجبل كالبادية.

 

‘‘إحنا الحكومة’’

يقول أبو أحمد إن ‘‘الحكومة ما بتتدخلش بيننا أبدا لما يكون فيه جريمة أو حادثة، لأن احنا العرب أصحاب كلمة، بنعمل جلسات عرفية نحل فيها أي حاجة، وكل عيلة ليها كبير يتكلم باسمها’’، فأهالي عرب الصف كانوا قديما يطبقون القصاص ولا يرضون بغيره، واعترفوا مؤخرا بتقديم الكفن كوسيلة لتجنب الدماء.

 

ولم يكن العرب يعترفون بالعزاء إلا إذا كانت الوفاة طبيعية، وسوى ذلك يجب الأخذ بالثأر أولا، أما الآن فيعقدون مراسم العزاء عقب تقديم الكفن من أهل القاتل ودفع الدية، ويكون ثلاثة ليالٍ، في منزل المتوفى دون نصب صوان للعزاء. أما المدافن فهي على جانب الطريق، ويتبع العرب الطريقة الشرعية للدفن وهي اللحد’’، ولا يبنون حوائط حول القبر، بل يستعينون بقبة مرتفعة بعض الشيء عن الأرض.

 

ولأن غالبية الأخبار في الإعلام عن عرب الصف ترتبط بالعنف والبلطجة، اقترنت بهم تلك النظرة، ويقول المحرق: في ميدان التحرير أيام ثورة يناير، عرض البعض لافتة مدون عليها ‘‘لو عايز سلاح أو مخدرات من عرب الحصار أو الصف’’، وبعدها بأسابيع وفي نفس الميدان لافتة أخرى مدون عليها ‘‘اللي ضايع له عربية يدور عليها في عرب الحصار’’، مستنكرا ‘‘هل أصبح العرب ستارًا يعلق الكل عليه جرائمه’’.

 

ولشدة حساسية تلك النقطة، امتنع الكثيرون عن توضيحها، إلا أحدهم، طلب عدم ذكر اسمه، قال ‘‘الحكومة متقدرش تقف قصاد عرب الصف، وقتها هتقع خسائر كتير، لأنهم يقدروا يمسكوا النمل ولا يمسكوا واحد من العرب، لأن احنا مش بنستسلمش خاصة بعد السمعة الوحشة والسيئة اللي عمت على الكل’’.

 

ممنوع الكنائس

يدين معظم أهالي عرب الصف بالإسلام، ورغم وجود أقلية من المسيحيين، إلا أن عامر المحرق يؤكد أنه من المستحيل بناء كنيسة، وآخر محاولة لبنائها قوبلت بالحرق، وحول التعاملات الشخصية، يقول إنه من المستحيل أن يجلس مسيحي بينهم يأكل ويشرب ويتحدث، ‘‘صحيح أن لهم احترامهم وحريتهم لكن مش بين العرب’’.

 

بجانب البيوت تجد بحيرات صغرى من الصرف الصحي، وسط ظلام دامس بعد غروب الشمس، وداخل البيوت مياه عكرة لا تصلح للاستخدام الآدمي، فالمرافق هناك في حال مأسوي، ويعتمدون على نقل المياه من المركز إلى بيوتهم بالسيارات.

 

أهل العرب لم ينفصلوا عن الأحداث السياسية يوما، حيث شاركوا في معظم الأحداث وآخرها الاستفتاء على الدستور، ويقول المحرق ‘‘في الاستفتاء كنت هنزل وأقول نعم لكن ميلي للإخوان وحزني عليهم منعني من الموافقة على الدستور، مع أني مش إخواني، ومعظم الناس هنا صوتت بنعم’’.

 

الغريب مرفوض

زائر مناطق العرب يشعر بالغربة الحقيقية متجلية في نظرات المحيطين به، وشكهم الدائم في حقيقته، وعدم ثقتهم في أي غريب، وتختلف القبائل فيما بينها في معاملة الغريب، يقول أبو أحمد ‘‘بعض القبائل إذا وجدوا غريبا في المنطقة وليس بجواره عربي يسير معه، أوقفوه وسرقوه وإن وصل الأمر لاختطافه ومن معه لطلب فدية لفعلوا’’.

 

أما قبيلة العمارين فتحترم الغرباء وتتعامل معهم معاملة خاصة، فلا يجوز أن ترد إساءته أو ألا يكرم في أرضها، وتحميه حتى خروجه من المنطقة.

 

يرفض أهالي المنطقة ترك الجبل تحت أي ظرف، فمبجرد سؤالهم عن ذلك أجابوا ‘‘تربينا وأبائنا في الجبل، منذ مئات السنين ، وحياتنا مستقرة ولا نرغب في غيرها، ولدينا بطاقات رقم قومي وخدمات تعيننا على الحياة فلماذا نترك أرض أجدادنا؟!’’.

 

عاوزينها سايبة

محاولتنا التصوير في عرب الحصار، كانت مخاطرة بحق، حيث حذرنا أحد المارة بمجرد رؤيته للكاميرا، مؤكدا أن محاولة الغرباء اقتحام حياتهم تصل نتيجته إلى ما لا تُحمد عُقباه، مشددا ‘‘لازم إذن من مجلس القبائل’’، ولما بدا عليه أنه من قبيلة متشددة، تركناه ولجأنا لغيره ممن ساعدنا في الصعود أعلى الجبل والتقاط صورًا للمكان.

 

العلاقة بين العرب وأهالي الصف، يشوبها بعض التوتر، فالبعض يقول إن علاقتهم ودية إلى حد كبير، بينما يقول الحاج نصر أبو فايد، أحد أهالي الصف، إن العربان ‘‘سبب المشاكل اللي فيها الصف، هما مش عاوزين الدولة تحكم، عاوزينها سايبة، معظمهم لا بيشتغل ولا بيحبوا الشغل، وعاداتهم غريبة، وحياتهم بين الجبال ومعظمهم بيعيش على السرقة والنهب والبلطجة وفرض الإتاوات، لكن رغم كده فيه بينهم قلة محترمة بتشتغل في الزراعة، ودول اللي بيقربوا من سكان الصف’’.

 

ويعبر أبو فايد عن الحل من وجهة نظره قائلا ‘‘المفروض يتلموا، كل حياتهم مخالفة’’، بينما يؤكد المحامي شعبان نجدي، أن العرب منهم المسلحين وتجار المخدرات والبلطجية ومنهم أصحاب الكرم والأخلاق، فينقسمون إلى قبائل شتى، مضيفا ‘‘رغم اقترابي منهم إلا أنني أحتفظ بأصلي الصعيدي وعاداتي وأفكاري، فهم ليسوا مسيطرون على أفكار غيرهم، لأن عاداتهم غريبة عنا’’.

2 Responses to ‘‘المندرة’’ تقتحم معاقل ‘‘عرب الصف’’.. عالم مُنغلق على عادات دموية

  1. lace wedding dress 12:50 مساءً, 3 فبراير, 2014 at 12:50 مساءً

    Adult web Step into this I was suggested this blog by my cousin. I am not sure whether this post is written by him as no one else know such detailed about my problem. You are incredible! Thanks! your article about Adult web Step into this Best Regards Agata Lisa

  2. شعبا النجدي المحامي 7:50 مساءً, 8 أبريل, 2014 at 7:50 مساءً

    ارجو اهتمام المسؤلين باهل الصف الكرام

You must be logged in to post a comment Login