“المعيلات في الصعيد” مسلسل معاناة

**35% من نساء مصر معيلات وأسيوط في الصدارة

**إحدى المعيلات: معنديش دورة مياه وبستخدمالـ “الفلاسة” مكانها

 

أسيوط :رشا هاشم

عندما يهجر الرجال بيوتهم في محاولة منهم لإيجاد سبل الرزق سواء داخل الوطن، أو خارجه، أو يمرض أو يتوفى، تفقد الأسرة، “العمود الفقري لها”، فينتج عن ذلك، عواقب وخيمة، منها مشكلة أطفال الشوارع التي عانى منها الوطن في الفترة الأخيرة كثيراً.

 

وبعد فقدان الزوج، لأي سبب من الأسباب، تتحمل العبء، وتبدأ رحلة المعاناة، كمرأة معيلة، ويزداد الوضع سوء إذا كانت الأسرة فقيرة، والمرأة في مجتمع ريفي صعيدي، لا يقبل فكرة عملها، خاصة إذا كانت غير متعلمة، فلا تستطيع أن تساعد نفسها، وتنتظر الفتات الذي تمن عليها الدولة به، في صورة معاش الضمان الاجتماعي، أو القروض ضئيلة القيمة، التي تبخل أن تقدمها لها بدون فوائد.

 

بلغت نسبة المرأة المعيلة في مصر 35% حسب إحصائيات الجهاز المركزي للتعبئة والإحصاء، وأسيوط من أكثر المحافظات فقراً في مصر، وأيضا يوجد بها أكبر عدد من النساء المعيلات وهم فئة لا يستهان بها في القطر المصري.

 

 من قلب المعاناة

ومن قلب المعاناة من داخل مراكز أبنوب،بقريتى “عرب الشنابلة”، و”كوم المنصورة”، أكثر القرى الأسيوطية فقراً بأفقر محافظات مصر، تحدثت “و”، التي يعمل زوجها “أرزقي” بالقاهرة، يتقاضى عنه 50 جنيها باليوم الواحد، ويعود لمنزله كل أربعة أشهر، مدة لا تزيد عن 15 يوما. وتساءلت: ماذا تفعل هذه الوريقات بنفقات الأبناء والكسوة والطعام؟

 

اقترضت “و” مبلغ 1000 جنيه من رجال أعمال، لتبيع الجبن والسمنة والزبدة إنتاج “الجاموسة الشرك”، التي تشترك في امتلاكها، وتتكسب قوت يومها، وتسدد 110 جنيهات أسبوعيا. لا تعلم وردة متى تنتهي الأقساط عليها.

 

وتحكي الحاجة “ح” عن همومها قائلة: زوجي مريض، ومعاشه الضماني 240 جنيه، وعندنا 4 أبناء اتنين منهم في  التعليم، وبنت عندها ضمور في المخ، وتضخم كبدي، ونفقات علاجها 108 جنيه في الشهر، و40 جنيه كشف، ومبناكلش لحمة غير مرة واحدة كل أسبوع.

 

أما “م س”، وزوجها أيضا مريض، فتأخذ الجبن من التاجر، وتبيعها، وتسدد له نهاية اليوم، لتتكسب 5 أو 6 جنيهات يوميا، وقد يحالفها الحظ نادرا وتشتري نص كيلو لحمة، لكن ما يهمها هو أن “ياكل ولادي أنا مش مهم”،على حد قولها.

 

من هي المرأة المعيلة 

ويشمل لفظ “المرأة المعيلة” الأرملة، والمطلقة، والآنسة، فوق سن 45 أو50، وهي الفئات المستحقة للمعاش الضماني، إلى جانب المساعدات الشهرية، و”مساعدات البطاقة”، وتصرف في حالات ملحة كالمرض، والنكبات، أو انهيار منزل أو غريق يصرف فورا لكل فرد مبلغ مائة جنيه، وأيضا يصرف 40 جنيها كل شهر لكل تلميذ أثناء مرحلة الدراسة إلى جانب المعاش الضماني.

 

وتقول “ن ش”: زوجي مريض بالحصوة، ويشتغل “بالطورية”، العمل بزراعة الأرضي وأعمال الحفر، دي هتجيب أنبوبة ولا شوال دقيق في منزل شرك؟ ده ابني دخل المدرسة بمساعدة أهل الخير.

 

وتقول “ي س”: زوجي مسن، معاشه الضماني 185 جنيه، وعندي ثلاثة أولاد، أكبرهم في الابتدائية، وعايشين علي الطابونة، ناكل بجنيه واحد عيش منها يوميا، من غير غموس، ومعنديش زرع، أو مواشي، وبيعدي علينا خميسين والثالث إن قدرنا نشوف اللحمة، وأولادي بيشمو ريحة الأكل عند الجيران وهما جعانين. ولا توجد دورة مياه في منزل “ي”، وتستخدم عوضا عنها الـ “فلاسة”.. وهي الأرض المحفورة بالفأس.

 

مسئول بالتضامن

ويوضح مصدر مسئول بوزارة التضامن الاجتماعي قائلا  إن من حق العميل الذي يتحصل على معاش ضماني أقل من 205 جنيهات، أن يقوم بعمل طلب استكمال معاش ليصل إلى 205 جنيهات، كمعاش ضماني شهرياً، ومن حق زوجة المريض المتولية مسئولية أسرتها، أن يصرف لها معاش ضماني، وذلك بعد عدة إجراءات، منها تحويل المريض إلى لجنة طبية تحدد المرض ونسبة العجز، ليتم بعدها تحديد المعاش المستحق وتتراوح قيمته ما بين 200 إلي 300 جنيه، إلى جانب مشروع تنمية المرأة الريفية، ورفع مستواها المعيشي، بالحصول علي قرض بألف جنيه قد يتضاعف، إذا ما كان معها شريك، وذلك بعد إجراءات البحث الميداني، الذي يقوم به الباحث الاجتماعي طبقا لشروط الطلب والبحث وتوفير المكان المناسب للمشروع، في مقابل 10 % فائدة، منهم 2% مصاريف إدارية، و5 % فوائد، ويتعامل مع قروض تنمية المرأة الريفية أكثر من 90 ألف امرأة.

 

قلق من المستقبل

وتقول “ز”، 35 سنة: لم أتزوج وما زلت أعيش مع أمي وأخواتي الذكور، ولو ملقتش أحد يعولني يوماً ما هعمل ايه؟ كل واحد من اخواتي له متطلبات أسرته اللي تكفيه، وأنا قلقانة من المستقبل، ولو طلبت أشتغل أهلي مش هيرضوا، فمنظور العمل للمرأة الأمية إهانة وقلة أدب.

 

وتقول “د ع”: زوجي “سريح” رزقه يوم بيوم من سنين، بيعاني من التهاب شعبي، وصعوبة في التنفس، وتمدد بالشعب الهوائية، عشان كده موضوع دايما تحت علاج ومتابعة مستمرة. رحت بتقاريره الطبية للشئون الاجتماعية، فابتزني عامل هناك علشان أدفعله ألف جنيه مقابل إنه ينهيلي إجراءات المعاش الضماني المستحق فموافقتش، ده أنا مش لاقية قوتي ولا علاج جوزي أجيبله ألف جنيه منين.

 

أما “ت ع”، إن زوجها  متأثر بصاعق كهربائي في ساقه، ومصاب بأنيميا الدم، ولديها 6 أبناء، منهم اثنين في مراحل التعليم المختلفة، ومعاشه الضماني 185 جنيه، وعندما ساعدتهم مؤسسة مصر الخير مكنتهم من تربية جاموسة، لكنها نفقت.

 

“أ س”، لديها 7 أبناء، ويغيب زوجها، 7 أشهر للعمل بالقاهرة، وعند نزوله الأجازات لا تلقى منه سوى الإهانات، مضيفة أن كلمة “بخيل” هي أقل ما يوصف به زوجها. وتتابع أحلام كلامها والحزن يسيطر عليها، قائلة: “قد يمر علينا الشهر من غير ما ندوق اللحمة.. حسبي الله ونعم الوكيل”.

 

 كارثة

وترى الدكتورة نانسي إدوارد، مديرة هيئة “كير” بأسيوط، إن النسبة الكبيرة للمرأة المعيلة في مصر كارثة بكل المقاييس، إلا أن المرأة قادرة علي تحمل كل الأعباء والمسؤليات، ولا تقل في قدرتها عن الرجل. وتعتبر أن ما ينادي به الرجال عن خروج المرأة غير المتعلمة للعمل إهانة وقلة أدب “ثقافة مجتمعية” وضعها المجتمع ليقلص من قدرة المرأة علي العمل، مشيرة إلى أن المرأة المعيلة، تحتاج للدعم النفسي، وليس المادي فقط.

You must be logged in to post a comment Login