المرأة الصعيدية.. مهدور حقها ابنةً و‘‘مقهورة برضاها’’ أمًا

المرأة في الصعيد

الأقصر: أسماء أبو بكر الصادق

تخيل أن رجلًا يضرب رأس زوجته في الحائط عدة مرات، أمام أطفالهم، ثم يلقيها على الأرض ويكتم أنفاسها بوسادة، ثم يرفع الوسادة ويضغط على وجهها وعنقها بحذائه، مشهد إذا رأيناه في عمل درامي، قد نشعر بأن فيه بعض المبالغة، إلا أنه حدث بالفعل مع (ك.م)، إحدى ضحايا العنف ضد في المجتمع المصري، ولا سيما الصعيدي، الذي لم ينته فيه مسلسل العنف ضد رغم كل النداءات والمؤتمرات والندوات التي تقيمها جمعيات على مستوى المحافظات، إلا أن كل ذلك أشبه بـ‘‘الآذان في مالطة’’.

 

رغم أن الأقصرية (ك.م)، طُلقت من زوجها منذ قرابة عامين، إلا أن الآثار النفسية لما حدث خلال زواجها تأبى الرحيل، فالزوجة التي أنجبت ولدا وابنتين من زوجها، الذي كان يعاملها بمنتهى القسوة، هو وإخوته، حيث كان لديه أخ يعيش معهم بنفس المنزل، وكان يضربها، رغم أنه لا يملك ذلك وفقا للتقاليد والعادات، لكنه كان يُطفئ سجائره في يدها، أمام زوجها الذي يكتفي بالمشاهدة وكأن المنظر يعجبه، أما أخوات زوجها، كما قصّت علينا (ك.م) حكايتها، كانوا يسلطون زوجها عليها، على الرغم من أنها تساعدهم في كل أعمال المنزل.

 

وفي يوم طلاقها، قام زوجها السابق بقطع الذهب الذي كانت ترتديه بالمقص، حتى لا تأخذه معها، وضربها ضربا مبرحا هو وإخوته حتى نزفت من أنفها، وعندما استنجدت بشقيقها لم يفعل لها شيء، على الرغم من أنه هو الذي ضغط عليها حتى تتزوجه، ولم ينجدها من المعاناة إلا زوج شقيقتها، الذي كاد يشتبك معهم بالأيدي، ثم أخذها إلى المستشفى وطلب من الطبيب كتابة تقرير طبي عن حالتها، وعندما كان في طريقه إلى قسم الشرطة للتقدم ببلاغ ضد زوجها وإخوته، منعه شقيقها.

 

‘‘ابني فاكر كل حاجة حصلت في اليوم ده، ولحد دلوقتي مش بيكلم عمّه، وعلاقته بوالده مش كويسة، وبيقول إن هو السبب في اللي حصل لنا’’، كانت تلك المعاناة الأكبر لدى (ك.م)، لأن الألم النفسي أصاب ابنها، الذي يحاول كل فترة أن يختلس لقاءً مع أمه، حيث منع الأب الأولاد من رؤية والدتهم، لكن ابنها الأكبر يفعل ذلك في السر، غير مبالي بما يلاقيه من والده من عقاب إذا علم، أما الطفلتين فلا تراهم منذ الطلاق، وتبكي كلما تذكرت أنهن يكبرون دون أن تكون معهم، وتتمنى أن تحضر زفافهن عندما يكبرون.

 

زواج طليقها من امرأة أخرى، بعد طلاقهم بشهور، وفشل زواجهم بسرعة، أكد لـ(ك.م) أنها لم تكن المخطئة في فشل علاقتها بزوجها، بل أنه تزوج من ثالثة وفشلت علاقته بها أيضا، وقد أنجب من الأولى ولدا ولم ينجب من الثانية، ويعيش هو وأولاده عند جدته، لأن والدته تزوجت هي الأخرى.

 

ويمثل الأبناء عامل ضغط قوي جدا على المرأة، في تحملها للإهانات وكل أنواع وأشكال العنف، خاصة من الزوج، فقصة (م.أ) خير دليل على ذلك، حيث أن زوجها، الذي يعمل مُدرّسا، لا يصرف على المنزل رغم أن عمله يدر عليه مبالغ لا بأس بها، وأن إخوتها هم من يصرفون على منزلها، وهي تتعجب دوما ‘‘أين ينفق مُرتّبه!’’، بخلاف أنه يعاملها معاملة سيئة، ودائما ما يناديها بـ‘‘الجاهلة’’ بالرغم من أنها حاصلة على دبلوم التجارة، ومع كل ذلك تتحمل الحياة معه من أجل أبنائها، الذين يعاملهم أيضا بطريقة سيئة، ففي إحدى المرات ألقى الشاي الساخن على وجه ابنته، لأنها رفضت شابا تقدم لخطبتها.

 

الفتاة تتمنى دائما لو لم يكن هو أبيها، وتشفق على والدتها التي تعيش معه منذ 28 عاما، متحملة كل تلك الإهانات، وأيضا بخله المادي عليهم، فهو لم يجهزهم للزواج لو ‘‘بملعقة’’، ويأمرهن بألا يقعوا في الحب لأنه سيزوجهم ‘‘على مزاجه’’.

 

التعليم شكل من أشكال العنف ضد المرأة، خاصة في ، الذي يعتبر التعليم مجرد رفاهية للفتاة، وهو ما حدث مع طيبة أنور، ابنة قرية ‘‘حاجر الأقالتة’’ غرب الأقصر، حيث تعنتت أسرتها في التحاقها بالتعليم لمجرد أنها بنت، وبعد وصولها إلى سن الثالثة عشر، أقنعتهم بالالتحاق لتحصل على الشهادة الابتدائية، ثم التحقت بالمرحلة الإعدادية وتدرجت في السنوات حتى حصلت على شهادة الثانوية العامة بمجموع يؤهلها للالتحاق بكلية دار العلوم جامعة المنيا، قسم الأدب، لتظهر ميولها في كتابة الشعر والقصة القصيرة، الذي دفعها للاشتراك في العديد من المسابقات الخاصة بوزارة الثقافة، والتي فازت في بعضها بجوائز مختلفة.

 

طيبة تقول إنها حُرمت من التعليم في البداية بسبب النظرة الخاطئة لتعليم البنات في مجتمعها، مشيرة إلى أنها لا تنسى كل من قدم لها يد العون ووقف إلي جانبها وبالأخص والدتها التي تحملت الكثير لتكمل تعليمها، لافتة إلى أنها تتمني أن تواصل تعليمها وتحصل على الماجستير والدكتوراه.

 

‘‘المندرة’’ عرضت في هذا الموضوع نماذج بسيطة لما تتعرض له المرأة الصعيدية من عنف وقهر، وذلك تزامنا مع اليوم العالمي للقضاء على العنف ضد المرأة، الذي أقرته الجمعية العامة للأمم المتحدة في 17 ديسمبر 1999، ليكون 25 نوفمبر هو اليوم الدولي للقضاء على العنف ضد المرأة، ليتم فيه تنظيم نشاطات ترفع من وعي الناس حول مدى حجم المشكلة.

 

You must be logged in to post a comment Login