“المجتمع المحافظ” يتخلى عن عاداته ويتحرش ببناته

التحرش في الصعيد

التحرش في الصعيد

**طبيب نفسي: جرائم الاغتصاب والتحرش بالريف تصل إلى 20%.. و10% صادرة من كبار السن

**المنتقبات: نعمل إيه في نفسنا أكتر من كده.. و”شيخ الأوقاف”: ملابس المرأة لها دور في إثارة الغرائز.. وطبيب نفسي: غية الرجل هي الحاكمة وليس الملبس

**التعتيم.. الخوف من العار.. عدم تنفيذ القانون أسباب تفشي الظاهرة

 

أسيوط: رشا هاشم

داخل مجتمع يُعرف بتقاليده وعاداته الصارمة، وتحفظه الشديد لن يخطر ببالك أن تتعرض إحدى بناته للاغتصاب أو حتى للتحرش اللفظي أو الجسدي على يد ابن عمها، أو جدها، في بعض الأحيان، ولكنه حدث مع “نوره”، الطبيبة الشابة، التي قرر ابن عمها الانتقام منها، لرفضها الزواج منه، فاغتصبها.

 

وبدأت القصة بقرية “شطب” بأسيوط، حين قررت “نوره” أن تكسر التقاليد المعهودة التي تجعل “بنت فلان لابن فلان”، فرفضت الزواج من أحد أبناء عمومتها، الأمر الذي جعله يشتاط غضبًا وحقدًا دفعه للانتقام منها، فقرر هو أبناء عمومتها أن يعتدوا عليها، وفي أحد أيام عودتها إلى المنزل بعد يوم من العمل، خطفوها تحت تهديد السلاح، وقام أحدهم باغتصابها، وتعذيبها، وسط صراخها ودموعها، شاكية إلى الله الطعن من القريب، إلا أن الجناة لم يكتفوا بذلك، وإنما أرغموها أيضًا على الإمضاء بالبصمة على عقد زواج عرفي.

 

استطاعت “نوره” أن تسلب حقها من مغتصبيها، فقد حكمت عليهم محكمة جنايات أسيوط بحبس الأول 10 سنوات، مع العلم أنه ما زال هارب، بتهمة اختطاف ابنة عمه، وهتك عرضها، وثانٍ حكمت عليه بالسجن 3 سنوات بتهمة حيازة سلاح دون ترخيص، بينما قضت ببراءة الثالث والرابع، قد يبدو الأمر، وكأن العدالة تحققت، ولكن هذا لم يضمد جرحها، ولم يرحمها من نظرات المحيطين، وإن كانت “نوره” ليست الضحية الأولى لأبناء عمومتها، حسبما أكدت تحريات المباحث، ولكنها كانت الأكثر جرأة وقدرة وحرصًا على نيل حقها.

 

الاغتصاب، والتحرش، وهتك العرض قضايا أضحت معتادة في مجتمعنا المصري، ولكن كثيرون يستبعدون حدوثها في قرى صعيد مصر، لطبيعته المحافظة والمترابطة، ولكن قضية “نوره” فتحت الباب أمام التساؤل حول مدى انتشار عمليات الاغتصاب والتحرش بالمجتمع الصعيدي؟ وكيف ينظر المجتمع للفتاة المغتصبة؟ وكانت أسيوط، هي النموذج، الذي تحاول المندرة الإجابة من خلاله. (اقرأ عن التحرش بالصعيد).

 

حالة “نوره” سبقتها كثيرات، ومنهن “إيمان”، الطفلة ذات الـ 17 ربيعًا، التي اضطرتها ظروف عمل والدها بالقاهرة إلى العمل والاعتماد على نفسها والمساعدة في إعالة أسرتها، ففي طريق عودتها من العمل، قرر أحدهم أنها “صيد سهل”، فتتبعها ولمس أجزاء من جسدها، مما دفع إيمان للصراخ والثورة، وهو ما لم يحتمله المُعتدي، فقام على الفور بإطلاق الرصاص عليها لتلفظ أنفاسها الأخيرة، وهناك الطفلة، التي لم تكمل عامها الثاني عشر بعد، وقت أن قام أحدهم بمحاولة اغتصابها، وعند فشله خنقها بطرحتها، ومزقها بسكين، وألقى بها في مياه “الترعة”.

 

قصص كثيرة، وغيرها أكثر تطلع علينا من صفحات الجرائد كل يوم، لتنبهنا إلى تغير المجتمع الصعيدي، حيث أوضحت دراسة بعنوان “حول التحرش الجنسي واغتصاب المحارم” أجرتها الدكتورة مديحة عبادة، أستاذة علم الاجتماع لكلية الآداب جامعة سوهاج، أن نحو 90% من النساء في الصعيد يتعرضن للعنف بأشكال مختلفة، بدءًا من العنف اللفظي وصولًا إلى أقصى درجات العنف، مشيرة إلى أن 76.4% من عينة الدراسة تعرضن للتحرش الجنسي بشكل أو بآخر.

 

الرجولة الكاذبة

للظاهرة بعد نفسي واضح حاولت “المندرة” الاقتراب منه، فقد قال الدكتور ماجد عزمي، أستاذ الطب النفسي، ومدير إدارة حقوق المرضى بالمجلس الإقليمي، إن الدافع النفسي للجريمة يسبقه دافع اجتماعي، نابع من طبيعة مجتمعنا الشرقي، والتي تجعل الرجل يرى أن المرأة إما أن تُغطى بالكامل أو تُعرى، هذا إلى جانب البطالة، حيث يصل الشاب إلى سن يحتاج فيه إلى تلبية رغباته ومتطلباته الجنسية، ولأنه لا يملك المال الكافي ليتزوج، فيلجأ إلى التحرش بالبنات في الأعياد أو المواصلات العامة، ليعطي لنفسه إحساس بـ “الرجولة الكاذبة”.

 

أما الجانب النفسي فينتج عن تعرض الجاني للقهر, والعنف منذ نشأته, كما يؤكد الدكتور ماجد، مضيفًا “فهو لم يملك أدوات التعبير عن نفسه، ولم يكن متاح له ممارسة الهوايات, ولا إبداء رأيه، فعاش في المجتمع مقهورًا, والآنثى هي الإنسان الضعيف الذي يستطيع أن ينفس فيها عن نفسه”.

 

حول وقع الاغتصاب أو التحرش على نفسية الفتاة، أوضح الدكتور ماجد أن الإناث، اللاتي تعرضن له يشعرن بأنهن منتهكات، وأنهن كالجماد، الذي يتم استعماله، ويعتقدن أن ضعفهن هو السبب، ولا يستطيعن التصريح بما يتعرضن له بسهولة، ويضيف “أسباب ارتيادهن على العيادات النفسية تكون بعيدة عن إحساسهم بالألم النفسي من التحرش، الذي لا يصرحن به، فتكون الأسباب وجود ظواهر نفسية آخرى مثل فقدان الشهية، أو قلة النوم، أو عدم القدرة على الاستذكار، وقد تاتي في شكل مرض (الوسواس)، حيث تغسل المريضة جسدها بكثرة لشعورها بالنجاسة”، ولكن مع الاستمرار في مناقشة هذه الأسباب يصرحن في النهاية.

 

العجوز المتحرش

ويشير الدكتور عزمي إلى كثرة هذه الجرائم بالعشوائيات، ويقول “تحدث في البيوت المختلطة بالريف في صعيد مصر، حيث يعيش عدد من العائلات في مساحة صغيرة لا تسمح بالخصوصية، فتحدث أفعال زنا المحارم، وصدور أفعال تحرش من الجد الكبير”، مؤكدًا تعتيم الأهالي على هذه الحالات لما لها من عواقب وخيمة، فطبقًا للمرضى المترددين على عيادته الخاصة، يشير الدكتور ماجد إلى أن 10% من حالات التحرش، التي يتابعها، صادرة من المسنين أو كبار السن، ومن 15% إلى 20% من حالات التحرش تحدث في الريف والعشوائيات.

 

ويعتقد الدكتور ماجد أن علاج هذه الظاهرة يتعلق بالعوامل الاقتصادية والاجتماعية، مستبعدًا أن يكون ملبس الفتاة أو السيدة له دور في انتشارها من عدمه، قائلًا “القصة ليست في الملبس، ولكن في غية الرجل التي تتحكم فيه، ففي الغرب لم يعانوا من هذه الظاهرة، ولكن المشكلة أن الرجل يبحث عن وسيلة لسد احتياجاته، دون احترام للقانون، أو للمرأة”، مشيرًا إلى أن الحل في أن تبوح الفتاة بما تواجهه، وأن يتلقى المُعتدي عقوبة رادعة.

 

وتأكيدًا على ما قاله الدكتور ماجد، أوضحت أميمة يوسف، رئيسة المجلس القومي للمرأة بأسيوط، في حديثها لـ “المندرة”، أن المنتقبات يلجئن إلى المجلس للشكوى من التحرش مرددين “نعمل إيه في نفسنا أكتر من كده؟”، منبهة إلى ضرورة تغليظ العقوبة على الجاني أو المتحرش، حيث ما زالت تتذكر واقعة لسيدة متزوجة كانت تشتكي من اعتداء جارها عليها، وعند تولي المجلس متابعة دعواها القضائية، وجد أنها في كل مرة تتنازل عنها قبل الحكم، بسبب ضغوط الأهل، وخوفًا من الفضيحة، مما حفز هذا الجار على الاعتداء على آخريات، لأنه لم يجد الرادع القوي، الذي يوقفه.

 

ويتلقى المجلس المشكلات المتعلقة بالعنف ضد المرأة عن طريق مكتب شكاوى المرأة الموجود به، ويعمل من خلال محامٍ متطوع، على أن يتحمل المجلس المصاريف الإدارية كافة، كما يقوم بالتواصل مع وحدة حقوق الإنسان بمديرية الأمن، ويسعى للقضاء على كافة أشكال العنف ضد المرأة، كما تقول أميمة، وأشارت إلى أهمية أن يعي المجتمع أن التحرش لا يعيب الأنثى، ولكنه يعيب الجاني فقط، منبهة إلى ضرورة تقنين استخدام السلاح.

 

المرأة.. سبب

ومن جانبه أرجع الشيخ محمد العجمي، وكيل وزارة الأوقاف بأسيوط، ورئيس لجنة المصالحات، ظاهرة التحرش إلى وسائل الإعلام والفضائيات، وأضاف “ملابس المرأة التي تصف وتشف لها دورٌ بارز في إثارة الغرائز، مع غياب الوازع الديني لدى الأسرة، وانهيار منظومة الاخلاق”، معتبرًا هذه العوامل سبب في تفشي الظاهرة، التي طالت الجميع بمن فيهم المحتشمة والمنتقبة، كما أوضح أن مشكلات التحرش أو الاغتصاب، وقضايا هتك العرض لم ترد على لجنة المصالحات، التي يرأسها، معتبرًا إياها “عار للعائلة، ويجب معالجته في سرية تامة، بالرجوع إلى وسطية الدين دون التطرف والمغالاة”.

 

الأطفال أيضًا ضحايا

ولأن الأطفال أيضًا لم يسلموا من التعرض للأذى والاعتداء والتحرش، قررت حملة “حماية” مواجهة ظاهرة التحرش الجنسي ضد الأطفال، عن طريق توعيتهم وأولياء أمورهم بكيفية التعامل مع أي اعتداء؟ وكيفية مواجهته؟

 

وتقول مريم منصور، عضو الحملة، إن الهدف هو تبني قوانين أشد حزمًا تجاه حوادث التحرش، خاصة ضد الأطفال، كما تقوم الحملة بتعليم الأطفال كيف يحافظون على انفسهم عند التعرض للأذى، مختصرة ذلك في قاعدة وحدة هي “5 لا”، وهي اختصار لـ (أصرخ، أجري، أرفض، أقاوم، أقول لشخص كبير)، وتنبه مريم إلى أهمية احتضان الطفل وإغراقه بالحب الأسري، والاستماع إليه، وتعليمه حدود التعامل مع جسده، وكيف يحافظ عليه؟ على أنه هو المسئول عنه.

 

وفي الصعيد، تصرح مريم أنها وأعضاء الفريق أُصيبوا بالصدمة لوجود حالات تحرش بالأطفال في قرى أسيوط، وتقول “الحالات وصلت إلى حد الإيذاء، وكان المتحرش أو المُتعدي هو الأب والأخ”، وكانت ذلك عبر رسالة لأعضاء الفريق من طفلة، لم يستطيعوا التعرف عليها، ورفضت هي أن تُقصح عن هويتها. أما مدى استفادة الأطفال من الدور التوعوي أشارت مريم إلى طفلة كانت تتعرض للتحرش من قِبل مدرب السباحة الخاص بها، وقبل التدريب لم تكن تعلم أن هناك فرق بين اللمسة العادية والسيئة، ولكنها بعد التدريب أخبرت والدتها، التي قامت بإخبار إدارة النادي، واتخذوا معه إجراء مناسب وحازم، حسبما تقول مريم.

 

في الشق القانوني للظاهرة، يرى كثيرون أن تعديل أحكام قانون العقوبات في يونيو 2014، والتي أطلق عليها البعض “قانون التحرش” يُفترض أن تكون رادعة، ويشير عبد الكريم شحاته، المحامي بالنقض والدستورية العليا، إلى بعض مواد القانون، التي تناولت تعريف التحرش، والعقوبات التي ينص عليها، والتي تنوعت ما بين الحبس من 6 أشهر إلى سنتين في حالات التعدي اللفظي أو الجسدي، وفقًا لكل حالة، إلى جانب غرامة تبدأ من 3 آلاف وتصل إلى 20 ألف جنيه، وكان للاغتصاب عقوبة أشد، حسب التعديل الذي أدخله رئيس المجلس الأعلى للقوات المسلحة على قانون العقوبات في مارس 2011، حيث تشير مادته الـ 267 إلى الحكم بالأعدام أو السجن المؤبد على من يواقع أنثى بغير رضاها، وكانت لم تبلغ الثمانية عشر عامًا، أو كان الفاعل من أصولها أو المتولين تربيتها، ولهم سلطة عليها، أو خادمًا بالأجر عندها.

 

You must be logged in to post a comment Login