المتحف النوبي.. جدران تحكى قصة شعب

أسوان: يسرا علي

قصة حياة شعب أصيل بأدق تفاصيلها، وعادات وتقاليد هذا الشعب، أفراحه وأحزانه، المهن التي يعمل بها أهله منذ القدم وتطورها تدرجيًا على مر العصور، الإرث والتراث النوبي الذي شغفت به العديد من شعوب العالم، جميعها أشياء ضمها المتحف النوبي بأسوان.

 

تماثيل مجسمة تصف الحياة النوبية القديمة والحديثة، حيث يعرض المتحف الحياة النوبية بشكل مجسم عن طريق تماثيل لأهالي النوبة، تعطى إحساسًا لزوار المتحف أنهم أمام أشخاص نوبيين حقيقيين. تم افتتاح متحف النوبة بأسوان عام 1997، على يد منظمة اليونسكو، ويتكون من ثلاثة طوابق، ويمتد على مساحة سبعة آلاف متر مربع، وتصميمه يمثل البيت النوبي، والذي ابتكره المهندس المصري محمود الحكيم.

 

يتكون الطابق الأول من المتحف النوبي من صالة بها العرض المؤقت، وتضم قطعًا أثرية لحكام جزيرة إلفنتين منذ الدول القديمة والوسطى، وجزء من هذه القاعة للعرض الدائم للوثائق القديمة للمناطق الأثرية في النوبة، تلك الوثائق عبارة عن صور للمواقع النوبية، سُجلت من البعثات النوبية التي عملت في تلك المواقع، وتعد وثائق هامة جداً لأماكن لا يمكن أن يعاد بنائها مرة أخرى، بالإضافة إلى قاعة محاضرات كبرى تحتوى على 153 مقعد مجهزة بالأجهزة الحديثة؛ والهدف من إنشائها إلقاء الندوات والدورات التدريبية المختلفة والمحاضرات، مع قاعة لكبار الزوار.

 

بالانتقال إلى الطابق الأسفل نجد قاعة العرض الرئيسية التي تضم قاعات تستعرض القطع الأثرية من جميع العصور السابقة للنوبة، ويبلغ عددها حوالي 200 قطعة أثرية.

 

مُلحق بالمتحف حديقة رائعة، تعد من أجمل الحدائق المتحفية بالعالم، وتبلغ مساحتها حوالي 43 ألف متر مربع، وصممت الحديقة لتكون عبارة عن بيئة نوبية مفتوحة تضم المجرى المائي، والكهف الذي يعد بديلاً عن المأوى في بلاد النوبة، وتوجد بها الأشجار والنباتات المختلفة التي كانت تُزرع في البيئة النوبية، بالإضافة إلى وجود مجموعات من القطع الأثرية التي تُنسب إلى عصور نوبية مختلفة، وبالوقوف داخل الحديقة ترى المقابر الفاطمية التي يرجع إنشائها إلى العصر الفاطمي.

 

داخل المتحف، تُعرض المراحل المختلفة من تاريخ بلاد النوبة وأهلها، بداية من عصر ما قبل التاريخ حتى الآن، وذلك من خلال تتابع تاريخي واضح، حيث أن هناك 99% من موضوعات العرض وجدت بالنوبة، بالإضافة إلى بعض القطع التي لها علاقة بالنوبة وتشرح التاريخ النوبي للزوار.

 

يبدأ العرض بالأكثر قدمًا، منذ 11 ألف سنة مضت، حيث المجتمعات الصغيرة المستقرة في أجزاء النوبة، والموجودة على بعد 45 كم من مدينة أبو سمبل، حيث أن المتحف يضم بقايا من قطع المنازل والمقابر التي تشير إلى مرحلة العصور الحجرية الحديثة والقديمة والأدوات الحجرية المختلفة التي كانت تستخدم في تلك المرحلة، منها ‘‘الظران’’، وتستخدم كسكاكين ورؤوس سهام، وكذلك بيض النعام الذي كان يستخدم كحاويات للمياه، بالإضافة إلى العديد من الأواني الفخارية ذات الحواف السوداء، ثم نجد أمثلة أخرى للفخار، صُممت برسومات مختلفة، مثل قوارب النعام والأشجار، مع أوعية حجرية مختلفة موجودة بنفس القاعة، بأشكال سمكة ونعامة وطائر.

 

مع التجول بالمعرض، نجد عرض المجموعات التابعة لعام 3500 ق.م، وهي مجموعات متنوعة من الفخار تميز تلك الفترة، التي اشتهرت بها بلاد النوبة في ذلك الوقت، منها أواني قشر البيض، وهي ذات أشكال رقيقة للغاية، وأطلق عليها ذلك الاسم للسمك الرقيق جدًا الذي صنعت به.

 

الحياة النوبية منتشرة داخل المتحف، لا سيما في عام 2500 ق.م، حيث تجد تمثال خفرع المصنوع من حجر الديوريت، وهو الملك الذي ينتمي إلى الأسرة الرابعة، ومن المعروف عن خفرع أنه مُشيّد الهرم الثاني بالجيزة، وعُثر على 20 تمثال، من بينهم هذا التمثال، وجميعهم يزينون معبد الوادي الخاص بهرم الملك خفرع، كما يُعرض بمتحف النوبة مثال واقعي يبين كيف استطاع إنسان العصور القديمة قطع حجر الديوريت من توشكى في النوبة كما اقتطع أحجار من محاجر أخرى في مصر والنوبة.

 

داخل المتحف توجد العديد من لوحات تخليد الذكرى، لملوك مختلفين، كتبها العمال الذين أرسلوا على فترات لمحجر توشكى لإحضار كتل الديوريت. يضم المتحف أيضًا المجموعة التي تبدأ منذ عام 200 إلى 1700 ق.م، وتتميز بالأساليب المختلفة من أشكال الفخار التي تصف التطور الذي حدث في بلاد النوبة، مثل نماذج خشبية لرماة سهام نوبيين، وتعد نماذج لمدى الثقة التي وضعها المصريون في النوبيين.

 

فقرات من نصوص عديدة حول حياة النوبيين وتعاونهم وترابطهم، ضمها المتحف، بجانب آثاره التي تعد تحفًا فنية في ذاتها، منها تمثال رائع لسيدة تسمى ‘‘سنيوى’’، نُقل من متحف ‘‘بوسطن’’ باسم الملك سنوسرت الأول من الدولة الوسطى، وماكيت لقلعة ‘‘بوهن’’ التي شيدت في عهد سنوسرت الثالث؛ بغرض الدفاع عن النفس، وتعد واحدة من ضمن 13 قلعة شيدوا في النوبة للدفاع عن الحدود الجنوبية، وتعد قلعة بوهن مدينة مصرية بها العديد من معابد الآلهة المصرية الرئيسية ومساكن الموظفين ومكاتب إدارية، وأهم ما يميزها أفران صهر النحاس لعمل الصناعات المختلفة من هذا المعدن.

You must be logged in to post a comment Login