“القيسارية”.. أقدم أسواق سوهاج التاريخية

سوهاج: شيماء دراز

يوجد به كل ما يخطر على البال من سلع، يجمع بين الماضي والحاضر في تصميم محلاته، ويحضر إليه الغني والفقير من أبناء المحافظة، فهو يلبي متطلبات الجميع، إنه سوق القيسارية التجاري بسوهاج، والذي يعد من أقدم أسواق المحافظة. واختلف الكثيرون حول بداية السوق، فأرجعه البعض للعصر المملوكي، بينما غضب البعض من ذلك، مؤكدا أن من أنشأه هم المصريون.

 

وسوق القيسارية عبارة عن مجموعة من المحلات والشوارع المتداخلة، يطغى الأسلوب المعماري القديم على المحلات القديمة منها أو القيسارية القديمة، كما يُطلق عليها، ولها أسقف، بينما يغلب على ما استحدث حولها أو القيسارية الجديدة الأسلوب الحديث، ولا أسقف لها.

 

يقع السوق بين مسجد العارف بالله، والمستشفى العام، وميدان الشهيد، ومسجد القطب وجامعته الدينية، حيث يتوسط المحافظة بجوار محطة القطار، وله مدخلين أحدهما بجوار مسجد العارف بالله، والآخر بميدان الشهيد. ومعنى القيسارية لغويا البازار أو سوق كبير، تُباع فيه الأثواب والزرابي ونحوها في المدن العتيقة.

 

يجد الوافد الجديد للسوق، صعوبة بالغة في الخروج منه، حيث لا يستطيع الخروج منه إلا من يعرفه جيدا، فهو بمثابة مغامرة لكل وافد جديد، فيجد نفسه داخل عالم غريب، ولكن يجذبه وجود كل ما يريده بالسوق، فيجد صانع الأحذية، المهنة التي اندثرت منذ أعوام، فما زال البعض محافظا على حرفته، التي ورثها عن أجداده، والبعض أدخل عليها بيع الأحذية الجاهزة.

 

وتتقاطع محلات الذهب مع محلات الأحذية، وهناك شارع خاص باسم شارع الصاغة، الذي يقدر ما به بمئات الملايين من الجنيهات، حيث تجد صعوبة بالغة في اختراقه، خاصة يومي الخميس والأحد، فيأتي إليه العرائس من كل مراكز المحافظة، لشراء الذهب، ويستوقفك صوت دقات الطبول والزغاريد أمام كل صائغ، وكأن العرس انتقل للقيسارية.

 

وفي شارع الملابس والأقمشة، نجد أجناس مختلفة من البشر وطوائفهم قد اختلطوا معا، فأهل مركزي دار السلام والمنشاة بملابسهم التقليدية، قد اختلطوا بأهل باقي المراكز بملابسهم الحديثة، وجميعهم يجدوا ما يريدون وبالأسعار التي أرادها كل منهم، فالمكان به نفس السلع بأسعار مختلفة، لتناسب الجميع، حيث تتغير خامات السلعة الواحدة، ليحصل كل شخص على ما يناسب إمكانياته.

 

وبجوار المحلات ذات الطراز المعماري المملوكي، يوجد مول كبير وقد جمع كل شيء بداخله، ربما ليجد الناس ضالتهم به، ويخف الزحام عن القيسارية، ولكن هذا لا يحدث فالتجول بالقيسارية متعة للكثيرين، وهناك من يأتي إليه من العام للعام منتظرا هذا اليوم بلهفة، وتتميز محلات القيسارية باختفاء واجهتها من البضائع.

 

ووسط كل هذا الزحام نجد أحد المساجد الأثرية بسوهاج، وهو مسجد على بك الكبير، الذي يعود للعصر المملوكي، ويحيط بواجهته بناء خشبي مزخرف، وهو ما يميز مباني هذا العصر، وقيل أن هيئة السياحة تنوي ترميمه وضمة لها، ويوجد بالمسجد فناء كبير يجتمع به الكثير من الناس لا نعلم هدفهم الصلاة أم الراحة من عناء التجول بالقيسارية.

 

يجذب الأذن صوت دقات متواصلة، من يتبعها وسط هذا الجمع الحاشد من البشر، يجد نفسه وسط شارع الحدادين، حيث تحيط به الأسلحة البيضاء بانتظار دورها بالمرور على ماكينة الحداد الدوارة. وبجوارهم شادر السمك الحافل بشتى أنواع الأسماك الطازجة أو المملحة وكذلك مجمد أو مازال حيا، وبمختلف الأسعار.

 

بعد ذلك تملأ أنف الزائر رائحة البخور والأعشاب، لتأخذه من شادر السمك لحى العطارين، حيث يجد من الوصفات والأعشاب ما لم يسمع عنه قبل ذلك، فالشارع يضم شيوخ العطارين بالمحافظة، ولهم شهرة فاقت الأطباء، ويأتي لهم أناس من كافة المحافظة، وبجوارهم مطاحن البن التي تغذى المحافظة بأكملها.

 

وفي المنطقة الحديثة بالقيسارية، توجد محلات الأدوات المنزلية، والأجهزة الكهربائية، والأثاث بأنواعه الحديثة. ويظل الوافد الجديد للسوق غير قادر على الخروج منه، لحين استعانته بأحد رواد القيسارية ليرشده على طريق الخروج.

 

يقول الحاج أحمد عبد الله، من أقدم قاطني القيسارية، وصاحب محل زجاج، إن “سوق القيسارية الأصلي أسسه المماليك، مثلما أسسوا أسواق تجارية بكل مدينة دخلوها، ثم زاد عليها محلات كثيرة من أبناء المحافظة، فكل من يذهب للخليج يعود لشراء محل بجوار القيسارية، حتى توسعت بهذه الطريقة”، مؤكدا أن الملابس الجاهزة دخيلة على القيسارية، فلم يكن يراها قديما، حيث كانت هناك الأقمشة فقط ولها سوق يوم الاثنين من كل أسبوع يبدأ من فجر لينتهي العصر.

 

واختلف الحاج سعيد، أقدم عطاري القيسارية، مع ما قاله الحاج أحمد، حيث قال “المصريون هم من أسس القيسارية الأصلية ومن بينهم جده، حيث استخدموا عروقا خشبية طول كلا منها 8 أمتار ثمن العرق 25 مليم”، مؤكداً أن الملابس الجاهزة والذهب الصيني أو القشرة، مثلما أطلق عليه، مستحدثين على القيسارية، بينما اختفى صانعي الحبائك “وهو رداء تقليدي أسود اللون”.

 

يشير الحاج سعيد إلى أن التاجر قديما كان يضرب به المثل في الأمانة، أما الآن أصبح معنى كلمة تاجر “نصب واحتيال على الزبون”، معبراً عن غضبة من خروج الفتيات للعمل بالقيسارية.

 

ورجح فريد جان، أحد أقدم الصائغين بالقيسارية، والذي قضى بها أربعين سنة، أن المصريين هم من أسسوا السوق، مشيراً إلى أنه كان بها يهود قديما، وكان لهم شارع خاص بهم، ثم اختفوا بعد ذلك.

 

You must be logged in to post a comment Login