“القذاذفة” في الفيوم يرفضون تسليم قذاف الدم إلى ليبيا ويطالبون مصر بالتحقيق معه

**أهل قبيلته: قذاف الدم قدم لنا الكثير من الخدمات وكنا نشعر أننا نتعامل مع مسئول مصري

 

الفيوم: هالة إمام وولاء كيلاني

صلة قرابتهم بأحمد قذاف الدم تتمثل في انتمائهم لنفس القبيلة، وهي القبيلة التي انتمي لها معمر القذافي، إنهم أبناء قبيلة “القذاذفة”، الذين يسكنون عزبة الأصفر بمركز طامية التابع لمحافظة الفيوم، والذين وجد أجدادهم عند ضفاف نيل مصر نهاية لرحلتهم الطويلة، فاستقروا فيها منذ ما يزيد عن قرن من الزمان.

 

عندما تسألهم عن تاريخ وظروف مجيئهم إلى مصر، يبادرون بالتأكيد على أنهم مصريون أصولهم ليبية وليسوا ليبيين يعيشون في مصر. بالنسبة لهم، ولغيرهم من القبائل العربية في مصر، الذين يبلغ عدد أفرادهم 18 مليونا، فقذاف الدم هو مسئول من دولة أخرى قدم لهم الكثير من الخدمات، بل يؤكدون أنهم كانوا دوما يشعرون بأنهم يتعاملون مع مسئول مصري.

 

وفي جلسة لـ”المندرة” مع عدد من أبناء القبيلة، كان هذا الحديث الذي عبروا فيه بوضوح عن رفضهم التام لفكرة تسليم قذاف الدم، منسق العلاقات المصرية الليبية سابقاً، إلى ليبيا على خلفية تهم الفساد المالي المنسوبة إليه، مفضلين أن يتولى الجانب المصري التحقيق معه في هذه التهم، حتى لو وصل الأمر لسجنه في حال ثبوتها، فهم لا يمانعون “المهم ألا يرسل إلى ليبيا”.

 

“هناك مفيش عادل.. فيه ميليشيات هناك لا علاقة لها بفكر الدولة”، هكذا بدأوا حديثهم ردا على الضمانات، من مستندات وأوراق، التي طلبتها مصر من ليبيا لضمان أنه سيلقى محاكمة عادلة إذا ما أرسل إلى هناك، واستطرد أحدهم قائلاً “المستندات باطلة.. أنت لا تخاطب نظاما في ليبيا.. لا رئيس ولا حكومة ولا دستور، فمع من تتعامل وما الضمانة.. أي ورقة تأتي من ليبيا لا ثقة فيها على الإطلاق بالنسبة لنا”.

 

ويرى القذاذفة أن قذاف الدم سينتهي بمجرد وضع أقدامه في ليبيا، فيقول أحدهم “وليت الأمر يقتصر على القتل المباشر.. ذبح أو طلقة رصاص وينتهي الأمر.. لا ده بيخلص منك جرام بجرام.. تعذيب شديد مثل أمن الدولة هنا، والدليل على أننا لا نهول ما شاهدناه على قنوات التليفزيون حول ما تعرض له عدد من المصريين المسيحيين هناك مؤخرا”، قاصداً اتهام السلطات الليبية لعدد من المصريين بالتبشير، حيث تم ترحيل عدد منهم إلى مصر، في حين قُتل أحدهم من جراء التعذيب على يد الأمن الليبي.

 

وعن مشهد إلقاء القبض على قذاف الدم، فجر الثلاثاء الماضي، والتهمة الموجهة إليه بمقاومة السلطات أثناء تنفيذ أمر ضبطه، لم يعلق أحد منهم على مشهد تبادل إطلاق النار، ولكنهم اعترضوا بشدة على توقيت القبض عليه، حيث يقول جمعة محمد، أحد القذاذفة، “عملية القبض على أحمد قذاف الدم لا تليق بشخص مثله، كان مسئولا كبيرا في عهد سابق، فمنسق العلاقات في مرتبة وزير، حتى لو كان مطلوب القبض عليه بشأن تهم منسوبة إليه من قبل دولته”.

 

ويضيف جمعة “هذا الأسلوب يفترض أنه كان حكرا على أمن الدولة في نظام مبارك إلا أن كان هناك مخطط آخر، فالقبض على شخصية معروفة مثله في هذا التوقيت الغريب، الثانية بعد منتصف الليل، يثير علامات استفهام وتساؤلات عما إذا كان التعتيم الإعلامي وإنهاء الأمر بأكبر قدر من الهدوء هو الهدف، وهذا الأسلوب ليس غريبا علينا ولكننا ظنناه انتهى، ويفترض أننا نعيش الآن نظام حرية وشفافية، فكيف يتم القبض على شخص بهذه الطريقة؟”.

 

ويتابع عبد الله عبد العزيز، أحد أهالي عزبة الأصفر، “لسنا فقط القذاذفة، الرافضين لما يحدث لقذاف الدم، فالعديد من القبائل في مطروح والمنيا والبحيرة والجيزة تشاركنا نفس الموقف، وأيضا مصريين عاديين، منهم أساتذة وأطباء غير منتمين لأية قبائل وكانوا معنا في وقفة القضاء العالي”، في إشارة منه إلى الوقفة الاحتجاجية التي نظمها العشرات من أنصار قذاف الدم، وأبناء القبائل العربية،خلال الأيام الماضية، أمام دار القضاء العالي.

 

عن قذاف الدم..

يقول عبد الله كانت وظيفته كمنسق للعلاقات المصرية الليبية التقريب بين البلدين وجعل العلاقات بينهما جيدة باستمرار، وانتماؤه الأساسي لمصر حيث ولد وتعلم، ولد قذاف الدم في مصر عام 1952.. والدته مصرية ووالده ليبي من قبيلة القذاذفة، وتخرج في الكلية الحربية، ويوضح أنه إذا كان قذاف الدم وصف مصر بأنها بلده الثاني في حديث مع صحيفة الشرق الأوسط العام الماضي، فأهل قبيلته هنا يؤكدون أن مصر هي انتماؤه الأول ولا يرون في ذلك عجبا، فهو ولد وتعلم وعاش بمصر وانتماؤه الحقيقي إليها، بحسب قوله.

 

ويضيف عبد الله “في زلزال 1992 تبرع أحمد قذاف الدم بستين مليون جنيه للدولة، رغم أننا هنا لم نتضرر من الزلزال على الإطلاق، وكان يقف بقوة بجانب المصريين العاملين في ليبيا فالشعب الليبي بطبعه لا يحب المصريين، وينظر إليهم نظرة دونية، وكان يقدر الظروف المعيشية الصعبة التي يعاني منها الكثير من المصريين، وكان قذاف الدم يرى أن من حقهم البحث عن مورد رزق لهم في ليبيا”.

 

ويستطرد عبد الله قائلا “جاء الفيوم أكثر من مرة في زيارة لنا.. وفي المعتاد كان يلبي دعوة من يدعوه أو يطلب منه المجيء من القبائل المختلفة ويسألهم عن مشاكلهم، وأحيانا كان ينقل بعضها للرئاسة في مصر.. لذلك كنا دوما ننظر إليه على أنه مسئول مصري”.

 

ويذكر جمعة محمد “شوفنا خدمات عادت علينا.. عشان كدة مش مصدقين إن مصر ممكن تعمل كدة، لم تكن طبيعة خدماته من نوع المساعدات العينية أو إعطاء نقود، وإنما مشروعات خدمية استفدنا منها نحن وكل من حولنا”.

 

ويتابع “كان لدينا مشكلة في ري أراضينا من عام 1984 شكونا منها للجهات الرسمية ولا مجيب حتى يئسنا وتوقف الزرع عن النمو.. طرقنا كل الأبواب حتى رئاسة الجمهورية، وكان سبب المشكلة أن مستثمرين استصلحوا أراضي في الصحراء وأخذوا الماء، الذي كنا نروي به أرضنا، لذلك عرضنا عليه المشكلة في زيارة له للمنطقة فوعدنا بمخاطبة الدولة الليبية، والحصول على أموال للمشروع وهو ما حدث بالفعل، وأقيم مشروع للري عبارة عن ترعة تروي عشرة آلاف فدان، حصتنا نحن منهم أربعمائة فدان فقط، والباقي كله مش لينا، في مناطق أخرى خارج بلدنا”.

 

ويؤكد أهل عزبة الأصفر أن خدمات قذاف الدم كانت موجهة للجميع، وليس لأهل قبيلته بالفيوم فقط، فقد كان قريبا من مختلف القبائل، ومن أكثرهم قربا وحبا له “العبيدات”، هنا أيضا في الفيوم، و”جوازي” في المنيا، وهي أكبر قبيلة في مصر، و”أولاد علي” في مطروح والبحيرة، و”البراعصة”.

 

ويوضح جمعة “مطروح تظاهرت عشانه ليه؟ في عهد مبارك كان ممنوعا على أي مصري الذهاب إلى ليبيا إلا بعقد عمل وتأشيرة، ووضع أحمد قذاف الدم حينها استثناء لمطروح لقربهم الشديد من الحدود مع ليبيا، وكانوا يذهبون إلى ليبيا ويعودون منها بكل سهولة في حين لم يكن متاحا لنا نحن قبيلته هنا في الفيوم ذلك.. الآن أصبح ممنوعا على أي مصري الدخول دون عقد عمل بلا أية استثناءات بما في ذلك أهل مطروح”.

 

علاقته بالقذافي..

اختلفت الآراء حول موقف قذاف الدم من الثورة الليبية وطبيعة علاقته بالقذافي، فالبعض قال إنه انشق بالفعل عن القذافي وتركه راحلا إلى مصر، التي ظل فيها منذ حينها حتى الآن، بعد اندلاع الاحتجاجات، في 17 فبراير 2011، بأيام قليلة، وهناك من قال إن قذاف الدم حاول أن يقنع قبائل بدوية لها جذور ليبية، تحديدا قبائل أولاد علي، بالعمل كمرتزقة لمهاجمة قبائل الشرق وبني غازي مقابل حافز مادي، عقب بدء الثورة بليبيا، إلا أن قذاف الدم نفى ذلك.

 

أما أهل قبيلته في مصر، يرون أن “موقفه غير واضح تماما، فلا يستطيع أحد أن يقول إنه انشق عن القذافي، فالانشقاق يعني أن يصبح ضده وأن يعلن ذلك للجميع، ولكنه رفض الاتجاه الذي أخذته الدولة الليبية التي رأت فيما حدث تمردا عسكريا في أماكن متفرقة لابد أن يواجه بالقوة، وهو رفض هذا الأسلوب في التعامل مع الناس، فاعتزل الأمر وعاد إلى مصر وظل بها حتى الآن”.

 

حلول مقترحة..

“الحل ألا يُسلَم.. تحقق معه مصر وتسجنه لو ثبت أنه مذنب ولكن لا يسلم” كان هذا رأي عبد الله، الذي تابع متسائلا “كيف لمصر، دولة الدستور والمؤسسات، أن تخطئ خطأ موريتانيا وتونس علشان فلوس؛ في موريتانيا سلموا عبد الله السنوسي، عام 2011، وخدوا فلوس، وفي تونس تكرر الأمر مع البغدادي، رئيس وزراء ليبيا في 2012، ولكن مصر دولة ذات تاريخ وحضارة ولا يليق بها تسليم من يلجأ إليها”.

 

وقال عمار عبد الرحمن “بيقولوا أحمد واخد 150 مليون جنيه من ليبيا، إزاي واخد 150 مليون وهم مستعدين يدفعوا لمصر 3 مليار علشان يرجع، فهل هذا منطقي؟”. ورأى أن الحل، الذي أكد أنه لن يحدث، في الشفافية المطلقة، والإعلان أولا بأول عما تصل إليه التحقيقات.

 

واقترح عبد الرحمن أن تفتح مصر تحقيقا واسعا، للتعرف على أوجه إنفاق قذاف الدم للـ150 مليون جنيه، وما إذا كان قذاف الدم قد صرفهم على نفسه أم استثمر بها مشروعات في مصر، عادت على الدولة الليبية بأكثر من هذا المبلغ.

 

والجدير بالذكر أن قذاف الدم أنشأ عدة مشاريع تجارية واسعة في مصر، إبان عمله كمنسق للعلاقات المصرية الليبية في عهد القذافي، دون وجود معلومات أو تقديرات عن حجم هذه الاستثمارات، علما بأن حجم الاستثمارات الليبية في مصر، وصلت إلى عشرة مليارات جنيه عام 2011.

 

عودة إلى الوراء..

يبلغ عدد أفراد القبائل العربية في مصر 18 مليونا، وتحتل قبيلة القذاذفة المرتبة الخامسة بين القبائل العربية في مصر، في حين تعد قبيلة الجوازي أكبر القبائل العربية في مصر، حيث يقارب عدد أفرادها أربعة ملايين نسمة.

 

يشير أهالي عزبة الأصفر إلى أن الاحتلال الايطالي لم يكن هو سبب رحيل أجدادهم إلى مصر، حيث قدموا إليها عام 1887، قبل بدء الاحتلال، بسبب سوء ظروف الحياة في ليبيا، فقديما كانت ليبيا صحراء قاحلة.. لم يكن البترول قد اكتشف بعد، ولا يوجد مصدر للمياه كنهر النيل في مصر، بحسب قولهم.

 

ويوضح القذاذفة “عاش الليبيون تلك الفترة على الرعي ومياه الأمطار القليلة، فكانت صعوبة الحياة هناك هي سبب هجرتهم الأول، وليس الاحتلال، فلم يكن الايطاليون قد دخلوا حينها ليبيا بعد”.

 

كان هذا الحل بالنسبة للمهاجرين الأوائل من الليبيين، إلا أن ذلك لا يمنع أنه تلت ذلك هجرات بسبب الاحتلال الايطالي لليبيا، فعمران حسين، كبير العائلة في مصر والذي يبلغ من العمر 90 عاما، يقول “جئنا مصر عام 1928 بعد أن كرشنا الطليان من البلد واحتلوها، ولم نكن أول الوافدين، كان عمري وقتها أربع سنوات”.

 

لم تكن الفيوم موطن القذاذفة الأول مع مجيئهم إلى مصر، بل مروا بمراحل وأماكن متعددة قبل أن يصلوا إليها، حيث سكنوا أول الأمر في المنوفية، ثم في العياط بالجيزة، والواقع أن كل العرب الذين جاءوا من الغرب ظلوا سائرين مع المرعي ومياه الأمطار، حيثما وجدوا يمكثون، ثم يرحلون بحثا عن مراعي أخرى، حتى وصلوا مصر ووجدوا النيل.

 

واستقر بعض العرب حول النيل، واستوطنوا مصر وانتشروا بعد ذلك في المحافظات، والبعض الأخر أكمل رحلته نحو الجزيرة العربية. ويوجد في شبين الكوم بالمنوفية “سجل العربان”، وهو سجل لكافة القبائل العربية التي جاءت مصر من الغرب، وكان كل من يأتي يسجل اسمه فيه، ثم ينتشرون بعد ذلك سواء في الجيزة أو المنوفية أو البحيرة أو الفيوم أو بني سويف أو المنيا، وامتهن أغلبهم الرعي في البداية، ثم تعلموا الزراعة وأصبحت حرفة الكثيرين منهم.

 

وبالنسبة لأهالي عزبة الأصفر، فقد اشتروا أرضهم منذ الاحتلال الفرنسي، وسميت عزبة الأصفر، حيث يعيش القذاذفة، لأنها كانت في البداية امتدادا أصفرا ثم عمرت. حب الخلاء الممتد جزء من طبيعتهم، لذلك اختاروا هذه المنطقة, واشتروا ثمانية عشر فدانا عاشوا بهم، وفي البداية استأجروا فلاحين لزراعة أراضيهم وبنوا لهم مساكنا معهم، ومع الوقت امتهنوا الزراعة.

 

وبعد انتهاء الاحتلال الايطالي لليبيا، بسبب هزيمة دول المحور، ألمانيا وايطاليا، وانتصار الحلفاء في الحرب العالمية الثانية، عاد البعض إلى ليبيا وبقي البعض الآخر في مصر، حيث رأوا في ليبيا التقلب، وفي مصر الاستقرار.

 

You must be logged in to post a comment Login